في تطوّر لافت في المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، أكّد مسؤولون إسرائيليون أنّ إسرائيل ولبنان يبحثان في مشروع تجريبي مدعوم من الولايات المتحدة، بموجبه يسلّم الجيش الإسرائيلي السيطرة على بعض الأراضي في جنوب لبنان إلى الجيش اللبناني.
هذا المشروع يقع على ما يبدو في صميم فكرة ما عُرف بـ"المناطق التجريبية" في جنوب لبنان؛ فكرة تمّ طرحها والاتفاق عليها في الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية المباشرة في بداية شهر يونيو. فالأخيرة ترعاها الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، حيث تختبر نموذجًا لوقف إطلاق نار تدريجي وتهدف إلى استعادة سلطة الدولة اللبنانية، والحدّ من الأعمال العدائية بين أطراف النزاع، وتهيئة الظروف لتسوية سياسية أشمل بين الطرفين.
فما الذي تنطوي عليه هذه الآلية لإدارة النزاعات؟ وما فرصها في تحقيق الأمن والاستقرار والسلام لكلّ من لبنان وإسرائيل؟
المناطق التجريبية: مبادرة أميركية وفرصة لتعزيز دور الجيش اللبناني
في هذا الإطار، اعتبر العميد المتقاعد ناجي ملاعب، في حديث لمنصة "المشهد"، أنّ فكرة "المناطق التجريبية" في جنوب لبنان ليست اقتراحًا إسرائيليًا، بل مبادرة أميركية طُرحت خلال الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بعد تعثّر المحادثات. وأوضح أنّ واشنطن اقترحت اعتماد مناطق محدّدة كنموذج أوّلي لاختبار آلية تنفيذ وقف إطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلي بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني.
بحسب ملاعب، حاولت إسرائيل في البداية اختيار المناطق التي تنسحب منها بما يخدم حساباتها الأمنية، وخصوصا تلك التي لم تتمكّن من السيطرة عليها خلال العمليات العسكرية، بما يسمح لها بمراقبة أداء الجيش اللبناني والتدخّل إذا اعتبرت أنّ مجموعات مسلّحة لا تزال تنشط فيها. فقال إنّه "يُطرح اليوم سيناريو يقوم على دفع الجيش اللبناني إلى الانتشار في مناطق معقّدة وحسّاسة يختارها الجانب الإسرائيلي، بما يتيح له مراقبة أداء الجيش اللبناني والتدخّل في تحرّكاته بحجّة التحقّق من تنفيذ الترتيبات الأمنية". إلّا أنّ لبنان رفض هذا الطرح، واقترح بدلًا منه انسحابًا إسرائيليًا كاملًا من أقضية بأكملها، مثل صور أو بنت جبيل أو النبطية، ليتولّى الجيش اللبناني مسؤولية الانتشار فيها بالتنسيق مع لجنة الإشراف على تنفيذ الاتفاق.
بالإضافة إلى ذلك، يرى ملاعب أنّ هذا الطرح قد يسهّل مهمّة الجيش اللبناني ويحظى بفرصة أكبر للنجاح، خصوصًا في ظلّ الرعاية الأميركية، لافتًا إلى أنّ تصريحات الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم حول استعداد الحزب للتعاون مع الجيش إذا تسلّم المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، قد تشكّل عاملًا مساعدًا لإنجاح هذه الآلية وتمكين الدولة من تعزيز سلطتها في الجنوب، تمهيدًا للتفرّغ لاحقًا لاستكمال تنفيذ حصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية.
من جهتها، اعتبرت الكاتبة والصحفية روزانا بومنصف في حديثها لمنصة "المشهد" أنها "سُمّيت مناطق تجريبية لأن الهدف منها اختبار مدى قدرة وإرادة الجيش اللبناني على تولّي المسؤولية الأمنية فيها، ومنع عودة "حزب الله" أو دخوله إلى هذه المناطق بعد الانسحاب الإسرائيلي منها، وبحسب المعلومات التي تسرّبت من جلسة المفاوضات السابقة التي عُقدت في 2 يونيو، طُرحت أسماء عدد من المناطق، وتحدّث عنها أيضاً رئيس الجمهورية، ومنها قلعة الشقيف وزوطر الشرقية وزوطر الغربية. لكن هذه المسألة لا تزال غير محسومة، لأن هناك شرطين أساسيين برزا في الفترة الأخيرة".
وقالت: "أولاً، إسرائيل تتحدث عن انسحاب من بعض المناطق، وبالتالي يجب معرفة أي مناطق تحديداً ستشملها هذه الخطوة. فمثلاً، إذا كانت إسرائيل تؤكد أنها لن تنسحب من قلعة الشقيف، فهذا يعني أن هذه المنطقة لن تدخل ضمن إطار المناطق التجريبية، لذلك لا يزال الكثير من الأمور غير واضح، وما يجب مراقبته الآن هو ما سيجري في واشنطن خلال الأيام المقبلة، وكيف سيتعامل الأميركيون مع هذا الملف".
ارتباط الملف اللبناني بالحسابات الإسرائيلية والإيرانية
في المقابل، حذّر العميد المتقاعد ناجي ملاعب في حديثه لمنصّة "المشهد" من أنّ نجاح المبادرة يبقى مرهونًا بعوامل سياسية وإقليمية تتجاوز الساحة اللبنانية، وفي مقدّمتها الموقف الإسرائيلي من الملف النووي الإيراني.
وأشار إلى أنّ إسرائيل، برأيه، لا تقبل بوجود برنامج نووي إيراني حتى وإن اقتصر على الاستخدامات السلمية، معتبرًا أنّها ستواصل السعي لإفشال أي تفاهم أميركي-إيراني لا يحقّق أهدافها الأمنية بالكامل. انطلاقًا من ذلك، رأى أنّ التطوّرات المتعلّقة بإيران قد تنعكس مباشرةً على مسار المفاوضات الخاصّة بجنوب لبنان.
كما وأضاف أنّ الحسابات السياسية الداخلية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو تشكّل بدورها عقبة إضافية، إذ إنّه يتمسّك، بحسب ملاعب، بفكرة الإبقاء على منطقة عازلة داخل الجنوب اللبناني، وهو ما يتعارض مع الطرح الأميركي القائم على انسحاب إسرائيلي يفسح المجال أمام انتشار الجيش اللبناني. وقال: "أعتقد أنّه ما دام بنيامين نتانياهو في السلطة، ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، فمن غير المرجّح أن تشهد الساحة أي انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان إلّا بما يتوافق مع حساباته السياسية والعسكرية".
خلص ملاعب إلى أنّ تنفيذ أي اتفاق لن يكون مرتبطًا فقط بالتفاهمات التقنية بين الجانبين، بل أيضًا بمدى استعداد القيادة الإسرائيلية للالتزام بالمسار الذي ترعاه الولايات المتحدة، بعيدًا عن اعتبارات السياسة الداخلية والتطوّرات الإقليمية.
وبشأن قدرة الجيش على تنفيذ الاتفاق وحمايته، قالت روزانا بومنصف: "هذه تشكّل امتحاناً لقدرة الجيش اللبناني، ليس من ناحية الإمكانات فقط، بل أيضاً من ناحية الإرادة والاستعداد لتحمّل المسؤولية الكاملة على الأرض، والمطلوب أن يثبت الجيش أنه قادر على الإمساك بالميدان كما يجب، وأن يؤمّن الاستقرار بطريقة تسمح بإقناع إسرائيل بالانسحاب. ليس المقصود تقديم ضمانات لإسرائيل، بل إثبات أن الدولة اللبنانية أصبحت هي الجهة الوحيدة التي تدير الأرض وتضبط الوضع الأمني، بما يطمئن الجانب الإسرائيلي إلى أن حدوده الشمالية ستكون مستقرة".
وتابعت: "هذا يشكّل أيضاً اختباراً للدولة اللبنانية نفسها، علماً أن فكرة "المناطق التجريبية" كانت في الأساس اقتراحاً لبنانياً. ففي جلسة 14 مايو، اقترح رئيس الوفد اللبناني العميد سمير كرم إنشاء ما سُمّي يومها Pilot Zone، على أساس أن يتم اختبار هذا النموذج عملياً، فإذا نجح وأثبت فعاليته، يصبح من الأسهل إقناع إسرائيل بالانسحاب من المناطق التي لا تزال تحتلها.
واعتبرت الكاتبة والصحفية بومنصف في حديثها لـ"المشهد" أن الأيام الحالية دقيقة جداً على مستوى الاتصالات والمفاوضات الجارية. هناك معلومات متضاربة، كما أن هناك ضغوطاً كبيرة تمارس على مختلف الأطراف. لكن في نهاية المطاف، لا بد من الخروج بنتيجة ما. وإذا انتهت هذه الجولة من المفاوضات من دون أي تقدم، فسيكون ذلك أمراً سلبياً جداً بالنسبة إلى لبنان، وأنا شخصياً أعتقد أنه لا بد من التوصل إلى نتيجة، لكن ما زال من المبكر معرفة طبيعة المناطق التي ستشملها الخطوة أو آلية الانسحاب، لأن المفاوضات لا تزال جارية فعلياً".
ماهية المناطق التجريبية المقترحة في جنوب لبنان
بعد اختتام جولة محادثات واشنطن الأخيرة، تمّت إعادة إحياء فكرة المناطق التجريبية، خصوصًا في ما يتعلّق بانسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان لصالح الجيش اللبناني.
فقد نصّ الاتفاق في بداية شهر يونيو على الإسراع في "إنشاء مناطق تجريبية تتولّى فيها القوات المسلّحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأراضي، مع استبعاد جميع الجهّات المسلّحة غير التابعة للدولة"، وذلك بإشراف وتوجيه من الولايات المتحدة. ورغم أنّ البيان الذي نشرته آنذاك وزارة الخارجية الأميركية لم يقدّم تفاصيل إضافية حول آلية عمل هذه المناطق، فإنّ هذه المبادرة تستدعي التوقّف عند مفهومها وأهمّيتها، إذ اعتبرت الولايات المتحدة أنّ هذه الإجراءات والأحكام من شأنها الإسهام في بناء الثقة بين طرفين حكمت علاقتهما عقود من العداء والصراع.
واعتبرت بومنصف أن "لبنان يواجه اليوم اختباراً أساسياً. فإلى جانب امتحان الدولة والجيش، هناك امتحان لقدرة الدولة اللبنانية على التفاوض باسم نفسها وفرض رؤيتها على طاولة المفاوضات والمسألة الأساسية هي ما إذا كان "حزب الله" سيقبل بأن يتولى الجيش اللبناني مسؤولية الانتشار شمال الليطاني أيضاً، أم أنه سيحصر الأمر بجنوب الليطاني فقط. فإذا رفض توسيع دور الجيش إلى شمال الليطاني، فستبرز مشكلة حقيقية للدولة اللبنانية، لأن ذلك سيضعف صدقيتها أمام الأطراف الدولية المشاركة في المفاوضات".
من وجهة نظر "حزب الله"، هناك اعتبارات مرتبطة بمصالحه وبخياراته السياسية، خصوصاً أنه وضع هذه الورقة بشكل أساسي في يد إيران. لذلك قد يكون من مصلحته القول إن انتشار الجيش يجب أن يبقى محصوراً جنوب الليطاني، لا أن يمتد إلى شماله.
وأضافت: "هذا الأمر يضع الجيش اللبناني والدولة اللبنانية أمام تحدٍّ إضافي، لأنه يؤثر مباشرة في موقع لبنان التفاوضي وفي صدقيته أمام المجتمع الدولي، وفي حال لم يلتزم حزب الله بأي تفاهمات محتملة، فإن ذلك سيؤدي إلى إضعاف صدقية الدولة اللبنانية على طاولة المفاوضات، وسيُفسَّر على أنه رسالة مرتبطة بالحسابات الإيرانية أكثر مما هو مرتبط بالمصلحة اللبنانية المباشرة".
لا يحظى مفهوم "المنطقة التجريبية" بتعريف رسمي في القانون الدولي، بل يُعدّ آلية عملية لإدارة النزاعات تُستخدم في العلاقات الدولية لاختبار ترتيبات أمنية أو سياسية جديدة ضمن نطاق جغرافي محدود قبل تعميمها على نطاق أوسع.
في النزاعات المسلّحة تحديدًا، سواء كانت داخلية أو دولية، تُستخدم المناطق التجريبية عادةً كمناطق اختبار لتطبيق ومراقبة اتفاقات وقف إطلاق النار، إجراءات نزع السلاح، أو آليات إيصال المساعدات الإنسانية.
لقد شهدت نزاعات مسلّحة عديدة حول العالم تطبيق مفاهيم مشابهة. ولعلّ أبرز الأمثلة على ذلك مناطق خفض التصعيد التي أُنشئت في سوريا بموجب مسار أستانا عام 2017، بضمانة روسيا وإيران وتركيا، التي شكّلت آلية ثلاثية لمراقبة الالتزام بالاتفاق. فقد تحوّلت مناطق مثل إدلب، والغوطة الشرقية، وشمال حمص، وأجزاء من جنوب سوريا إلى مناطق محلّية لوقف إطلاق النار وممرّات إنسانية هدفت إلى خفض العنف وتهيئة المجال أمام المفاوضات السياسية. رغم أنّها لم تُسمَّ رسميًا "مناطق تجريبية"، فإنّها جسّدت العديد من المبادئ ذاتها.