تكبّدت القوات شبه العسكرية الروسية "فيلق إفريقيا" في شمال مالي انتكاسة لافتة، بعد هجوم واسع شنّته جماعات مسلحة على مدينة كيدال، ما أجبر العناصر الروسية المحدودة على الانسحاب تحت ضغط ناري عنيف، الأمر الذي عاود الشكوك بخصوص جدوى الحضور العسكري لموسكو في منطقة الساحل.
ضربة قاسية
الهجوم، الذي نفذته مجموعات من الطوارق الانفصاليين بالتنسيق مع مقاتلين مرتبطين بتنظيم القاعدة، مثّل ضربة قاسية للرهان الذي تبنّته السلطة العسكرية في باماكو قبل أعوام، حين اتجهت نحو روسيا بديلا عن الشراكة الأمنية مع فرنسا، بحسب "فايننشال تايمز".
ويرى مراقبون أن سقوط كيدال لا يمثل مجرد خسارة ميدانية، بل يكشف عن خلل أعمق في قدرة موسكو على تحقيق الاستقرار في بلد يعاني من أزمة أمنية مزمنة منذ أكثر من عقد. كما يسلط الضوء على محدودية فعالية "فيلق إفريقيا"، الذي تولى مهام مجموعة فاغنر عقب إعادة هيكلة النفوذ الروسي بعد تمرد مؤسسها يفغيني بريغوجين.
وصف محللون ما جرى بأنه "إهانة" للوجود الروسي، مشيرين إلى أن الإنجازات الميدانية لموسكو في مالي بقيت محدودة، واقتصرت في الغالب على دعم بقاء النظام الحاكم، من دون تحقيق تقدم حاسم ضد الجماعات المسلحة.
انسحاب تكتيكي
وتفاقمت تداعيات الهجوم مع مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، أحد أبرز مهندسي الشراكة مع روسيا، خلال اقتحام مركز عسكري قرب العاصمة باماكو، إلى جانب إصابة رئيس جهاز الاستخبارات. هذه التطورات زادت من هشاشة الوضع الأمني، وأعادت المخاوف بشأن قدرة الحكومة على الصمود.
في المقابل، حاولت موسكو التقليل من حجم الخسارة، معتبرة أن ما جرى "انسحاب تكتيكي" وقد جرى بالتنسيق مع الجيش المالي في حين أكدت استمرار دعمها للسلطات في باماكو.
تعكس الانتكاسة الروسية في مالي مجموعة من التحديات المعقدة، أبرزها اتساع رقعة البلاد الجغرافية، وضعف القدرات الاستخباراتية مقارنة بالقوى الغربية، فضلاً عن محدودية عدد القوات المنتشرة على الأرض.
كما يشير خبراء إلى أن أساليب القتال العنيفة التي اتُهمت بها مجموعات روسية، أسهمت في تأجيج البيئة المحلية وزيادة معدلات التجنيد في صفوف الجماعات المسلحة، بدلا من احتوائها.
تقييم لإستراتيجية موسكو
وتضاف إلى ذلك مشكلات داخلية، منها سوء التنسيق مع الجيش المالي، وتباين التوقعات بين الطرفين، حيث بالغت باماكو في تقدير قدرة موسكو على تحقيق الاستقرار، فيما راهنت روسيا على شريك محلي يفتقر إلى الكفاءة اللازمة.
من ثم، رجح محللون أن تتجه موسكو إلى إعادة تقييم إستراتيجيتها في مالي، عبر تقليص طموحاتها الميدانية والتركيز على حماية النظام الحاكم والبنية التحتية الحيوية، بدلا من محاولة السيطرة على كامل الأراضي.
وفي الوقت الراهن، يبدو أن زمام المبادرة بات بيد الجماعات المسلحة، التي وسعت نطاق عملياتها وهددت بالتقدم نحو مدن رئيسية، بل وحتى محيط العاصمة باماكو.
وبينما تجد روسيا نفسها مضطرة للتكيف مع واقع ميداني متغير، يظل مستقبل نفوذها في مالي، بل وفي منطقة الساحل عموما، أمام احتمالات متعددة، بفعل تصاعد التحديات الأمنية وتراجع الثقة في قدرتها على فرض الاستقرار.