حذّرت منظمة "مراسلون بلا حدود" في تصنيفها السنوي الصادر الخميس، من أنّ حرية الصحافة في العالم بلغت أدنى مستوى لها منذ ربع قرن، مشيرة إلى تراجع عام، بدءا من الولايات المتحدة حيث تُستهدف الصحافة بشكل "ممنهج"، وصولا إلى دول أخرى، في حين لاحظت أن سوريا حققت تقدُّما بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وقالت المنظمة التي تعتمد مقياسا من 5 مستويات من "خطير جدا" إلى "جيد"، "للمرة الأولى في تاريخ هذا التصنيف السنوي الذي بدأ وضعه عام 2002، بات أكثر من نصف بلدان العالم يندرج ضمن المنطقة التي يُوصف فيها الوضع بأنه صعب أو خطير، بينما كانت هذه المنطقة تقتصر عام 2002 على أقلية ضئيلة (13.7%)".
انخفاض غير مسبوق
ولاحظت "مراسلون بلا حدود" أن نسبة "سكان العالم الذين يعيشون في بلدان حيث يُعتبر وضع الصحافة جيدا" انخفض من 20% عام 2002 إلى أقل من 1%.
وتندرج في هذه الفئة 7 بلدان فحسب من شمال أوروبا، تتقدّمها النرويج. واحتلت فرنسا المرتبة 25 ضمن فئة "حالة جيدة نوعا ما".
وقالت المنظمة "للمرة الأولى منذ ربع قرن، لم يسبق أن هبط متوسط السجل الإجمالي للبلدان التي شملها التقييم إلى هذا الحد من التدني".
أما الولايات المتحدة التي كان تصنيفها انخفض أصلا من "حالة جيدة نوعا ما" إلى "حالة إشكالية" عام 2024، أي في سنة إعادة انتخاب دونالد ترامب رئيسا، فتراجعت 7 مراكز لتحتل المرتبة الـ64.
ورأى التقرير أن "ترامب جعل من استهداف الصحافة ومهاجمة الصحفيين ممارسة ممنهجة"، مشيرا أيضا إلى احتجاز وترحيل الصحفي السلفادوري ماريو غيفارا الذي كان يندد بتوقيف المهاجرين.
كذلك أبرز التصنيف "التخفيض الجذري في عدد موظفي الوكالة الأميركية للإعلام العالمي، وما ترتب عن ذلك من انعكاسات سلبية على المستوى الدولي، من خلال إغلاق مؤسسات إعلامية أو تعليق نشاطها أو تسريح موظفيها".
ضغوط متعددة
وقالت مديرة التحرير في منظمة "مراسلون بلا حدود" آن بوكاندي لوكالة فرانس برس إنّ "الهجمات على الصحفيين تتغير. ما زال هناك صحفيون يُقتلون، وما زال هناك صحفيون في السجون، لكن الضغوط أصبحت أيضا اقتصادية وسياسية وقانونية".
وبينما يُعزى هذا التراجع إلى النزاعات المسلحة، أشارت المنظمة أيضا إلى تشدّد الأنظمة السياسية في السنوات الأخيرة.
وأشارت إلى تراجع السلفادور (المرتبة 143) 105 مراكز منذ عام 2014 وبداية الحرب ضد العصابات، وجورجيا (المرتبة 135) 75 مركزا منذ عام 2020 بسبب "تسارع وتيرة القمع في السنوات الأخيرة".
أما أكبر تراجع على مستوى تصنيف عام 2026، فقد سُجل في النيجر (المرتبة 120)، التي تُجسد بحسب المنظمة "تدهور حرية الصحفة في منطقة الساحل منذ سنوات عدة"، بين "الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة من جهة والقمع الذي تفرضه مختلف المجالس العسكرية المتعاقبة على سدة الحُكم من جهة ثانية".
وقالت بوكاندي "كانت بعض الدول في الطليعة في مجال حرية الصحافة، لكنها تدهورت بشكل عميق مع وصول أنظمة عسكرية إلى الحكم، كما هي الحال في مالي (المرتبة 121) أو بوركينا فاسو (المرتبة 110)".
ويأتي في أسفل الترتيب كل من روسيا وإيران والصين وإريتريا.
في المقابل، تقدّمت سوريا (المرتبة 141) 36 مركزا بعد سقوط نظام بشار الأسد، بحسب المنظمة.
الدعاوى الكيدية
من بين المؤشرات الـ5 التي تعتمدها المنظمة لتقيس حالة حرية الصحافة في العالم (الاقتصادية والقانونية والأمنية والسياسية والاجتماعية)، يُعدّ المؤشر القانوني الأكثر انخفاضا هذا العام.
وقالت بوكاندي "إن قوانين الأمن القومي، كقوانين مكافحة الإرهاب أو تلك التي تحمي أسرار الأمن القومي، تُقيّد نطاق العمل الصحفي بشكل متزايد"، مضيفة أن "روسيا في الطليعة، لكنّ التأثير ملموس أيضا في الدول الديمقراطية".
وأشار تقرير المنظمة أيضا إلى "ارتفاع وتيرة الدعاوى القضائية الكيدية"، أي الدعاوى المتعلقة بالتشهير أو الإساءة الاقتصادية أو نشر أخبار كاذبة، والتي تهدف إلى ترهيب الصحفيين.
وتجلّت هذه الظاهرة العالمية في غواتيمالا من خلال قضية مؤسس صحيفة "إل بيريوديكو" خوسيه روبين زامورا، الذي حُكم عليه بالسجن لسنوات كثيرة بعد تحقيقاته في قضايا فساد سياسي. لكن منظمة "مراسلون بلا حدود" نددت أيضا بهذا التوجه في فرنسا في دراسة حديثة عن وسائل الإعلام المحلية.
ولفتت بوكاندي إلى أن "القوانين تُجرّم الصحفيين بشكل متزايد، في حين يُفترض أن تحميهم"، مشيرة إلى "أدوات" يمكن اللجوء إليها، منها قانون المفوضية الأوروبية بشأن حرية الإعلام الذي دخل حيز التنفيذ عام 2025، والتوجيه الأوروبي ضد الدعاوى الكيدية.
(أ ف ب)