بعد ساعات من إعلان أذربيجان يوم أمس عملية عسكرية في إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع مع أرمينيا، تم إعلان وقف إطلاق النار، والاتفاق على عقد اجتماع يوم غد بشأن إعادة الدمج مع أذربيجان.
وذكرت وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء، أنّ الانفصاليين الأرمن في ناغورنو كاراباخ وافقوا على شروط وقف لإطلاق النار اقترحته قوات حفظ السلام الروسية، بعد تعرّضهم لسلسلة انتكاسات في أرض المعركة على يد جيش أذربيجان.
ويُعتبر ناغورنو كاراباخ معترَفا به دوليًا كجزء من أذربيجان، لكن رغم ذلك يدير الإقليم سلطات من عرق الأرمن، ويعود الصراع إلى عام 1991 أي منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، وأدى إلى وقوع اشتباكات أودت بحياة مئات القتلى من الجانبين، كان آخرها عام 2020.
وقال الرئيس الأذري إلهام علييف اليوم الأربعاء إن باكو ليست ضد الشعب الأرمني بل ضد قيادته، وأضاف في خطابه:
- القوات الأرمينية بدأت تسليم أسلحتها ومغادرة ناغورنو كاراباخ.
- كان هناك أكثر من 100 دبابة وعربة مدرعة أرمينية في الإقليم.
في المقابل، أعرب رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان عن أمله في ألا يستمر التوتر العسكري في إقليم كاراباخ.
وأفاد باشينيان في خطاب لشعبه بثته القنوات التلفزيونية المحلية، الأربعاء، أن بلاده لم تشارك أبدا في عملية إبرام الاتفاق مع ممثلي الأرمن في الإقليم.
وأضاف: "سنواصل متابعة التطورات، وإذا كان لدينا ما نقوله سنشاركه بالتأكيد".
لماذا اندلعت اشتباكات ناغورنو كاراباخ؟
طوال الأسابيع الماضية، حذرت أرمينيا من أنّ أذربيجان تحشد قواتها المسلحة على طول خط الاتصال المحصّن في ناغورنو كاراباخ، وذلك استعدادا لشنّ هجوم ضد القوات الأرمينيّة.
قد يرى البعض أنّ أذربيجان استغلت حالة الانفلات العالميّ الحاصل، وانشغال روسيا في حربها بأوكرانيا، لتحسم ملف الإقليم، في وقت تظهر فيه يريفان أنها تريد موازنة علاقاتها ما بين الغرب وروسيا، وفي حال كهذه لا يمكن لروسيا أن تدافع عن أرمينيا.
يؤيد ذلك مدير منصة أرم أرابيا الإعلامية في أرمينيا، الناطقة باللغة العربية هاكوب مقديس في حديثه إلى منصة "المشهد"، قائلًا:
- بالأمس شهدنا حربًا عنيفة بالطائرات بدون طيار وبالمدافع الثقيلة والدبابات، السبب هو استغلال للرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، انشغال روسيا بحربها مع أوكرانيا، وعدم التزام قوات حفظ السلام الروسية بالاتفاق الثلاثي المبرم بين باكو ويريفان وموسكو، بحماية المدنيين وتأمين ممر لاتشين المغلق منذ أكثر من 9 أشهر.
- الاضطرابات التي تعانيها حكومة رئيس الوزراء الأرمينيّ نيكول باشنيان، فالحرب انتهت بسرعة لأنه لا يوجد قوات أرمينية تقاوم ومجهزة بعتاد ثقيل كما تزعم أذربيجان.
زعزعة الاستقرار في جنوب القوقاز
لكن على النقيض من ذلك، يُرجع المحلّل السياسيّ المتخصّص في الشأن الروسي فائز حوالة في حديث إلى منصة "المشهد"، السبب الرئيسي وراء اندلاع الاشتباكات هو "فشل الهجوم المضاد في أوكرانيا، إذ تريد الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا، زعزعة الاستقرار في جنوب القوقاز، وليس ذلك فحسب، بل من أجل إحداث ضغوط على روسيا في ظل عمليتها العسكرية في أوكرانيا".
ويضيف حوالة، أنّ "موضوع إقليم ناغورنو كاراباخ منتهٍ باتفاق ثلاثيّ منذ عام 2020، لكن من لم يلتزم بهذا الاتفاق هو رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشنيان، وذلك بضغوط من قبل الولايات المتحدة وفرنسا تحديدا، التي كان دورها كساعي بريد للولايات المتحدة، وبالتالي نجد أرمينيا التي يوجد عدد كبير جدًا من مواطنيها في الولايات المتحدة، ويملكون رؤوس أموال، وهم من أوصلوا باشنيان إلى رئاسة الوزراء، تتراجع في مواقفها الأخيرة، خصوصا في اتفاقية الدفاع الجماعي، بل العكس ذهب باشنيان أكثر من ذلك وأقام مناورات أرمينيّة - أميركية تحمل معنًى معنويًا أكثر مما هو عسكري".
ولم يعتقد إسحاق انديكيان خبير النزاعات الدولية في حديثه إلى "المشهد" أن يصدر شي جديد يوم غد "لأنه سبق و تباحث مجلس الأمن مرتين بهذا الأمر ولم يصدر أي قرار ملزم لأذربيجان، وإنما تم إصدار بيانات وتوصيات غير ملزمة للأخيرة".
روسيا حليفة أرمينيا؟
تعدّ روسيا حليفًا رسميًا لأرمينيا وعضو في الكتلة العسكرية لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO). لكن على الرغم من ذلك، لم تسارع روسيا في حرب 2020 للدفاع عن حليفتها، ورفضت موسكو تقديم الدعم لرئيس الوزراء الأرمينيّ نيكون باشنيان الذي طلبه بشكل مباشر من موسكو.
نتيجة لذلك، رأت أرمينيا أنّ روسيا لم تعد حليفّا يمكن الاعتماد عليه، وهو ما صرّح فيه باشنيان بشكل مباشر، وحاول إقامة علاقات مع الغرب، آخرها كان على شكل إرسال مساعدات إنسانية إلى أوكرانيا، قدمتها زوجته بنفسها.
وفي هذا الإطار، يقول انديكيان "واشنطن لديها مصلحة بالتقارب مع أرمينيا لتحقيق مصالحها القومية، لأن أي ضرر يصيب روسيا يعتبر مكسبا سياسيا أمنيا وعسكريا للولايات المتحدة، والقرب الجغرافي بين يريفان وموسكو يصب في صالح واشنطن، لكن روسيا لن تسمح بتمادي هذه العلاقة، وأبرز مثال على ذلك ما فعلته بأوكرانيا، وأخشى أن تصبح أرمينيا أوكرانيا ثانية في حال تطور العلاقات الأرمينية الغربية".
وحول عدم مساعدة روسيا ليريفان يقول حوالة: "روسيا لم ولن تساعد أرمينيا في هذا السياق، لأنّ اتفاقية الدفاع المشترك تكون عندما يُعتدى على دولة أرمينيا، لكن لم يتم الاعتداء عليها والحرب كانت في إقليم تعترف يريفان بأنه أرض أذربيجانية".
ويضيف حوالة: "روسيا تملك قاعدة عسكرية في أرمينيا، بالمقابل لا تملك أيّ شيء في أذربيجان، ما يربطها بالأخيرة العلاقات الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى الشراكة في بحر قزوين لا أكثر ولا أقل، بينما ما يربط أرمينيا وروسيا هو أكبر بكثير، المحطة التي تولّد الكهرباء في أرمينيا هي ملك لروسيا وهي التي أنشأتها، وتبيع الكهرباء للمواطنين الأرمن بسعر أرخص من الذي تبيعه للمواطنين الروس داخل روسيا، إضافة إلى المساعدات الاقتصادية والدبلوماسية، عدد المواطنين الأرمن داخل روسيا يتجاوز 3 ملايين نسمة، يعملون ويحوّلون أموالهم إلى ذويهم في أرمينيا".
في المقابل يشرح مقديس، "اليوم أرمينيا وحيدة، الشارع يغلي ويندد بالموقف الروسي المغاير للاستراتيجية الحليفة لأرمينيا، ربما تتجه يريفان إلى الغرب أكثر، لكن ذلك سيتضح خلال الأيام القادمة".
إسرائيل تدعم أذربيجان
وتدعم إسرائيل أذربيجان بالأسلحة، إذ استخدمت الأخيرة طائرات مسيّرة وأخرى متفجّرة من صنع إسرائيل، في المعارك التي وقعت قبل 3 أعوام.
وقال مستشار الرئيس الأذري حكمت حاجييف خلال مقابلة مع هيئة البث الرسمية "كان" إن إسرائيل "شريك استراتيجي هام لأذربيجان" وإن التعاون بين البلدين ليس محصورا بالمجال الأمني، ويتعلق بمجموعة من المجالات، كما تحدث عن الأسلحة العسكرية المتطورة التي تستخدمها بلاده في العملية العسكرية في إقليم قرة باغ، والتعاون مع إسرائيل.
وبما أنّ أذربيجان لها حدود مع إيران، الخصم الأول لإسرائيل في المنطقة، فإنّ تعزيز العلاقات مع جارتها أمر ضروري، لأسباب مختلفة، تصل أحيانا إلى شنّ ضربات ضدّ أهداف إيرانية من داخل أذربيجان، وجمع معلومات استخباراتية تتعلق بما تخطط له طهران ضد تل أبيب، وفقا لبعض المحلّلين.
ويبيّن حوالة أنّ "هناك علاقات جيدة وثيقة بين إسرائيل وأذربيجان، وعدد كبير من اليهود الذين يحملون الجنسية الإسرائيليّة من أصول أذربيجانية، والزيارة الأخيرة لوزير الدفاع الإسرائيليّ إلى أذربيجان قبل يومين من اندلاع الحرب يوم أمس، هي أكبر دليل على الدور الإسرائيليّ. إذًا عملية إشعال جنوب القوقاز من قبل الجانب الإسرائيلي غايتها جرّ إيران إلى ساحة المعركة، خصوصا أنّ هناك نسبة كبيرة من الإيرانيين من أصول أذرية".
(المشهد)