سوريا تدخل مرحلة جديدة.. ماذا تحتاج لإنهاء الأزمة؟

آخر تحديث:

شاركنا:
إجمالي خسائر الاقتصاد السوري في الفترة بين 2011 و2019 تُقدر بما يزيد عن 442 مليار دولار (رويترز)
هايلايت
  • محللون يعتبرون أن سوريا تحتاج إلى دعم سياسي يضمن وحدة الصف وسيادة أراضيها.
  • العقوبات الأميركية تُمثل عقبة رئيسية أمام الانفتاح الاقتصادي العربي على دمشق.
  • السوريون متفائلون بشأن رفع قيود تصدير المنتجات إلى الدول العربية الفترة المقبلة.

حفاوة كبيرة لاقتها سوريا خلال مشاركتها في قمة جامعة الدول العربية في دورتها الـ32 بمدينة جدة السعودية، حيث رحب القادة العرب بعودة دمشق من جديد إلى مقعدها الذي ظل شاغرا لأكثر من 12 عاما، مؤكدين أنها خطوة نحو مرحلة جديدة تسهم في حل الأزمة.

ودخلت دمشق في أزمة سياسية عنيفة منذ عام 2011 على واقع الاحتجاجات التي تحولت إلى حرب أهلية، ودفعت الجامعة العربية إلى تعليق عضويتها.

وفي كلمة ألقاها خلال قمة جدة، أشار الرئيس السوري بشار الأسد إلى أن هناك فرصة عربية لإعادة ترتيب الشؤون بمعزل عن التدخلات الخارجية، قائلا إن الأمل يتزايد مع التقارب العربي والانطلاق لمرحلة جديدة من العمل المشترك.

ورحب إعلان جدة الصادر عقب القمة، بالقرار الصادر عن اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية والذي تضمن استئناف مشاركة وفود الحكومة السورية في اجتماعات مجلس الجامعة والمنظمات والأجهزة التابعة لها. كما شدد على أهمية مواصلة وتكثيف الجهود العربية الرامية إلى مساعدة سوريا على تجاوز أزمتها، اتساقا مع المصلحة المشتركة والعلاقات الأخوية التي تجمع الشعوب العربية كافة.

ليست سوى البداية

ووسط كل هذا الترحاب والإشادة بالعودة التي تأخرت لسنوات، يعتبر المحللون والخبراء الذين تحدثوا لمنصة "المشهد" أن سوريا أمامها الكثير من القضايا العالقة والتي تحتاج إلى حلول لإنهاء أزماتها على الصعيدين السياسي والاقتصادي، خصوصا في ظل العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الدول الغربية بقيادة أميركا التي أبدت مؤخرا رفضها لخطوة الجامعة العربية بإلغاء تعليق عضوية سوريا.

ومنذ اندلاع الأزمة، ضيقت أميركا الخناق على الدولة السورية من كل الجوانب عبر فرض عقوبات على فترات متباعدة، شملت حظر المعاملات المالية والتجارية المباشرة وغير المباشرة مع دمشق باستثناء أنواع معينة من أعمال الإغاثة الإنسانية.

ويعتبر المحلل السياسي السوري غسان يوسف أن "الأزمة في سوريا لم تنته بعد"، قائلا خلال حديثه مع منصة "المشهد": "لا يزال هناك أراضٍ سورية محتلة من تركيا والولايات المتحدة. وهناك مجموعات إرهابية وعلى رأسها جبهة النصرة موجودة في إدلب. حتى داعش لم تنته حتى اللحظة ولها تواجد في المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية التي تتواجد فيها أميركا(..) كل هذا إلى جانب استمرار المقاتلين الأجانب".

ومنذ عام 2015 نشرت الولايات المتحدة جنودا وقوات عسكرية تقدر بنحو 900 جندي في مناطق عدة بسوريا، وهي المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة، وتديرها جماعات توصف بـ"المعارضة"، حيث تبرر أميركا هذا التواجد بالدواعي والاعتبارات الأمنية ومحاربة التنظيمات الدينية المتطرفة مثل تنظيم داعش الإرهابي والذي قضي عليه بشكل كبير في عام 2019.

ويضيف يوسف: "هنالك الكثير من المشكلات التي تؤرق الداخل السوري، فبخلاف الإرهاب، هناك أيضا مهربو المخدرات، وكذلك المعابر السورية التي باتت خارج السيطرة، والعقوبات الكثيرة من أميركا وأوروبا. لذلك مازلنا في البداية من أجل حل الأزمة".

وعلى وقع الشتات الداخلي الذي خلفه الدعم الخارجي لجماعات عدة، تنامت الأنشطة غير المشروعة في الأراضي السورية خلال السنوات القليلة الماضية وجاء على رأسها تجارة وتهريب المخدرات، حيث كان لهذه الأزمة تأثير سلبي على دول الجوار مثل الأردن التي قامت مؤخرا بتوجيه ضربة جوية أدت إلى مقتل أحد أباطرة المخدرات الملقب بـ"أسكوبار سوريا" في قرية الشعاب المتاخمة للحدود مع عمّان.

توافق عربي

من المقرر أن تشهد الفترة القادمة تزايدا واضحا في الزيارات المتبادلة بين مسؤولي الدول العربية وسوريا، حسبما يتوقع غسان يوسف، معتبرا أن "تبادل الزيارات سيكون له أثر في طرح ومناقشة التحديات والمشكلات وكذلك العمل على الأرض والتوافق مع الدول العربية الأخرى".

واتفق مع ذلك الخبير السياسي السوري والمقيم في لندن عمار وقاف والذي قال لمنصة "المشهد": "من وجهة نظر سوريا، فإن المطلوب في المقام الأول كان ولا يزال توقف الدول الأخرى عن اتخاذ إجراءات تؤدي لتفاقم الأزمة(..) وسيعني هذا بالضرورة وضع الأزمة على سكة الحل، مهما طال الزمن المطلوب لإنضاج حل يمكن أن يرضي عموم السوريين، باتجاهاتهم المختلفة".

بينما يعتبر الكاتب الصحفي السوري زياد غصن خلال حديثه مع منصة "المشهد"، أن بلاده تحتاج "دعما عربيا مُخلصا" ينطلق من مجموعة ثوابت أساسية تتمثل في "وحدة أراضي البلاد وسيادتها، ودعم مؤسسات الدولة في بسط سيطرتها على جميع المناطق، ومنع التدخلات الأجنبية، والوقوف على مسافة واحدة من جميع السوريين، والعمل على مساعدة البلاد للخروج من أزمتها السياسية والاقتصادية، ومن ثم معالجة جميع التداعيات الناشئة عن هذه الأزمة وهي كثيرة ومتشعبة".

وعقب الزلزال المدمّر الذي أودى بحياة آلاف السوريين مطلع فبراير الماضي، أبدت العديد من الدول العربية تضامنا واسعا مع دمشق من خلال توفير مساعدات إنسانية عاجلة والقيام بزيارات دبلوماسية غير مسبوقة عبر وزراء خارجيتها منذ اندلاع الأزمة قبل أكثر من عقد.

توحيد الصف

يزعم مركز جسور للدراسات الاستراتيجية، الذي يتخذ من إسطنبول مقرا ويصف نفسه باعتباره مؤسسة مستقلة، أن الجيش السوري يُسيطر فقط على 63.38% من الأراضي، إذ يتواجد بشكل شبه تام على محافظات الساحل والوسط والجنوب، وعلى أجزاء من المحافظات الشرقية ومحافظة حلب، فيما تسيطر ما وصفها بـ"فصائل المعارضة" على 10.98% من الأراضي، ومليشيات سوريا الديمقراطية "قسد" على 25.64%.

ولا توجد بيانات حكومية رسمية تشير إلى مناطق خارجة عن سيطرة الدولة السورية، وكل ما ينشر في هذا الشأن ينسب إلى مراكز أبحاث ومؤسسات تُعرف نفسها على أنها مستقلة، ولم يتسن التأكد منها.

من جهته، يقول المحلل السياسي غسان يوسف خلال حديثه إن الوضع في سوريا أصبح أفضل في الوقت الراهن، "لأن المعارضة السورية بشكل عام كانت تتخذ بلدان الجوار العربية وغيرها مثل تركيا مقرا لها. لكن منذ اليوم أصبح من السهل الحوار مع الدولة السورية باعتبار أن الدول العربية ستشجع المعارضة على ذلك. كما أن جهود التقارب السوري التركي التي تزايدت مؤخرا ينعكس على الوضع السياسي وسيكون هناك ضغط من أنقرة على المعارضة للدخول في المناقشات".

لكن يوسف عاد ليشير إلى أنه لا توجد معارضة "بمعنى الكلمة" وأن المعارضين السوريين يتلقون التعليمات من الدول التي يعيشون بهاـ حيث نشأت وكانت تتبع هذه الدول"، مضيفا: "المعارضة في الدول الخارجية لن يكون لها قيمتها في المعادلة السياسية لأنها رهينة هذه الدول التي ستملي عليها".

وتابع بالقول: "موقف الدولة السورية اليوم أقوى. ويمكن الحديث إلى أنها منفتحة على أي حوار مع المعارضة الوطنية سواء في الداخل أو في الخارج لإجراء حوار شامل ومن ثم حتى القيام بإصلاحات سياسية كتعديل الدستور أو إجراء انتخابات أو أي شيء يتم التوافق عليه".

بدوره يؤكد الخبير السياسي عمار وقاف أن العودة إلى الجامعة العربية "يوفر أرضية وبيئة مناسبتين لبدء حوار أكثر معنى بين أطياف مختلفة من السوريين، يمكن أن ينجم عنه انخراط ممثلين عن قوى معارضة في حوار سياسي أكثر فاعلية مع الدولة السورية".

أميركا تُعيق التعاون

على الجانب الاقتصادي، تُعاني سوريا منذ سنوات من أوضاع معيشية متدهورة بفعل نقص بعض السلع الغذائية والأدوية على الرغم من اللجوء إلى دول بديلة أخرى لا تكترث بالعقوبات الأميركية (مثل روسيا) للتخفيف من حدة الأزمة، فضلا عن التراجع الاقتصادي والتنمية مع انعدام نفاد الصادرات السورية إلى الأسواق العربية والإقليمية بشكل رسمي وتراجع قيمة الليرة لمستويات غير مسبوقة بحسب ما تقول العديد من المؤسسات الدولية وعلى رأسها البنك الدولي، إذ يؤكد المحللون والمراقبون أن الخطوة السياسية العربية لابد من أن يتبعها خطوة اقتصادية، لكن العقوبات الأميركية قد تكون عائقا لذلك.

والعقوبات الأميركية المتلاحقة على الدولة السورية خلال السنوات الماضية، لم تمنع فقط شركات الولايات المتحدة من إقامة علاقات مع نظيرتها في دمشق، بل شملت أيضا تحت ما يعرف بقانون "قيصر" عقوبات تحظر معاملات البلدان الأخرى وشركاتها على مختلف القطاعات الاقتصادية، إذ بموجب هذا القانون تفرض واشنطن عقوبات على الشركات غير الأميركية التي تدعم أو تشارك في معاملات كبيرة مع الحكومة والكيانات السورية.

لهذا يقول الكاتب الصحفي السوري المتخصص في الشأن الاقتصادي زياد غصن: "العقوبات والضغوط الأميركية تمثل عقبة رئيسية أمام الانفتاح الاقتصادي العربي على سوريا. فالاستثمارات التي تحتاجها سوريا لإعادة إعمار ودعم قطاعات الطاقة والبناء خاضعة لعقوبات أميركية، كما هو الحال مع التعاملات المصرفية، وبالتالي ستتجنب الشركات الدخول في علاقات اقتصادية مباشرة مع نظيرتها السورية".

بدوره يعتبر عمار وقاف أن "العقوبات الأميركية تكبح جماح خروج أي تقارب اقتصادي عربي مع الدولة السورية عن ما تريده واشنطن".

لكن في المقابل تبدو الدول العربية متفهمة لأهمية الربط بين تحسن أحوال الاقتصاد السوري وإعادة الإعمار وبين توفير البيئة الضرورية لإعادة اللاجئين، حسبما قال وقاف، مضيفا: "الدول العربية يمكنها لعب دور مهم في دعم مشاريع تطوير البنية التحتية، والتي تضررت بشدة خلال الأزمة، وكذلك ضخ الاستثمارات في الاقتصاد بغية تأمين فرص عمل للشباب السوري، ناهيك عن فتح الأسواق للمنتجات السورية".

وبحسب وقاف فإن هناك تفاؤلا بين السوريين بشأن رفع القيود على تصدير المنتجات إلى الدول العربية، الأمر الذي سينعكس على المزيد من الاستثمارات "على الرغم من سيف العقوبات الأميركية المسلط بشكل متزايد على كل من يتعامل مع سوريا".

وانخفضت الصادرات السورية من 8.7 مليارات دولار في عام 2010 إلى 700 مليون دولار في عام 2018، بحسب لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "الأسكوا"، قبل أن ترتفع بحسب بيانات موسوعة المصدّر السوري إلى ما يزيد عن مليار دولار في عام 2021 و2022.

من جهته، يؤكد غصن أن "هناك توقعات بسعي الدول العربية إلى الحصول على استثناءات من بعض العقوبات بغية دعم النواحي الإنسانية والإغاثية في سوريا"، مشيرا إلى أن هناك أوجها كثيرة للدعم العربي الاقتصادي لبلاده خاصة المرتبطة بإعادة إعمار البنى التحتية والمرافق الخدمية في المناطق التي من المفترض أن يعود إليها اللاجئون المقيمون في الخارج.

ويُقدر البنك الدولي إجمالي أضرار البنية التحتية المادية وجودة تقديم الخدمات في 14 مدينة و11 قطاعا منذ اندلاع الأزمة وحتى يناير 2022 بين 8.7 و11.4 مليار دولار أميركي.

فيما قدرت "الأسكوا" إجمالي خسائر الاقتصاد السوري خلال 8 سنوات فقط 2011-2019 بما يزيد عن 442 مليار دولار، مشيرة في تقرير بعنوان "سوريا: بعد ثماني سنوات من الحرب" نُشر قبل 3 أعوام إلى أن هذا الرقم الهائل لا يعبّر وحده عن معاناة شعب أصبح 5.6 ملايين منه على الأقل لاجئين، و6.4 ملايين نازح داخلي، و6.5 ملايين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، و11.7 مليونا بحاجة إلى شكلٍ من أشكال المساعدة الإنسانية.

(المشهد)