تكشف التفجيرات التي شهدتها العاصمة السورية دمشق، أمس الثلاثاء، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن رسائل تتجاوز بعدها الأمني المباشر.
وبينما يرى مراقبون تحدثوا لـ"المشهد" أن الحادث يستهدف تقويض صورة الاستقرار، التي تسعى السلطة السورية الانتقالية إلى ترسيخها، لجذب الاستثمارات وتعزيز الانفتاح الدولي، يرجح آخرون ارتباط ذلك بصراع، أمني واستخباراتي، معقد، تشارك فيه أطراف، داخلية وخارجية، تضررت من التحولات التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد.
في المقابل، ثمّة تقديرات ألمحت إلى مسؤولية تنظيم "داعش" أو جماعات جهادية متشددة، وفق المصادر ذاتها، استنادًا إلى نمط الهجمات الأخيرة وسجلها أو سوابقها في استهداف مؤسسات الدولة والسلطة الانتقالية، بما يعكس استمرار هشاشة المشهد الأمني في سوريا رغم محاولات تثبيت الاستقرار.
وأمس، هزّ العاصمة السورية دمشق انفجاران متزامنان؛ الأول ناجم عن عبوة ناسفة زُرعت داخل سيارة متوقفة قرب مبنى وزارة السياحة، والثاني عن عبوة أخرى تم وضعها داخل حاوية نفايات في محيط الموقع.
التحولات الإقليمية
في حديثه لمنصة "المشهد"، يقول الباحث والمحلل السياسي السوري درويش خليفة، إن المرحلة الماضية شهدت حالة من الاستقرار الأمني يمكن وصفها بأنها "جيدة". غير أن التحولات الإقليمية المتسارعة، منها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكذلك انخراط "حزب الله" في النزاع عبر شن هجمات على شمال إسرائيل، إلى جانب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومطالبة السلطات السورية بالتدخل في لبنان، جميعها عوامل قد تنعكس على أمن واستقرار دول المنطقة، وسوريا ليست بمنأى عن هذه التطورات، بل كانت إحدى ساحاتها الرئيسة منذ سقوط النظام السابق.
وتابع: "طبيعة الاستهداف السابق بالقرب من قصر العدل، وما حدث أمس بالقرب من مكان إقامة ماكرون، يؤشر إلى أن الاستهداف لم يكن موجهًا ضد شخصيات سياسية محلية، بل طال مواقع ترتبط بمنظومة العدالة والقضاء. بالتالي، تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل المحاكمات الجارية لعدد من رموز النظام السابق، فضلًا عن احتمال أن يكون الهدف هو توجيه رسالة مفادها أن سوريا ليست بيئة آمنة للاستثمار".
ليس ثمّة شك أن أطرافًا إقليمية وقوى فاعلة في المنطقة، من بينها الميليشيات الموالية لإيران، تضررت من سقوط نظام الأسد، ما يجعل احتمال تكرار مثل هذه العمليات قائمًا.
لهذا، فمن زاوية أمنية بحتة، تبدو العملية ذات طابع استخباراتي واضح، وفق خليفة، إذ توحي بأن جهات تمتلك خبرات أمنية واستخباراتية كانت وراء التخطيط والتنفيذ، بينما تمكنت من استهداف هذه المواقع بعناية لإيصال رسالة بأنها قادرة على اختراق المنشآت الحيوية، وزعزعة الأمن والاستقرار، وعرقلة المضي قدمًا في مسار العدالة.
عليه، يرى الباحث والمحلل السياسي السوري، أن القضية، في جوهرها، ليست سياسية بقدر ما هي أمنية واستخباراتية، والأرجح أن الأمر يرتبط بعوامل داخلية، أو بجهات تضررت من حالة الاستقرار الأمني التي بدأت تعود، ولو بصورة نسبية، إلى عدد من المحافظات الكبرى، مثل دمشق وحلب وحمص وحماة.
بصمات عملية مدبرة
من هذا المنطلق، يمكن قراءة العملية بوصفها محاولة، مقصودة ومتعمدة، لإرباك المشهد الأمني، وتوجيه رسالة مفادها أن الاستقرار لا يزال هشًا وقابلًا للاختراق، وفق خليفة.
وأردف: "هناك جهات عدة قد تستفيد من هذا الخرق الأمني، من بينها شخصيات موقوفة تخضع للمحاكمة على خلفية ارتباطها بالنظام السابق، بجانب دول كانت تدعم نظام الأسد، بالإضافة إلى تيارات ما زالت تنشط في الخفاء وتسعى إلى إرباك المشهد الأمني. كما أن تنظيم "داعش" الإرهابي يُعد من المستفيدين من أي حالة فوضى أو تراجع أمني، حتى وإن لم تتوافر، حتى الآن، مؤشرات تؤكد وقوفه وراء هذه العمليات".
ورجح المصدر ذاته أن ما جرى يحمل "بصمات عملية مدبّرة" نُفذت بمستوى عالٍ من الخبرة الأمنية والاستخباراتية. وبناءً على ذلك، يبدو أن "منفذي العملية نجحوا في تحقيق جزء من أهدافهم، والمتمثل في توجيه ضربة للثقة بالوضع الأمني، وإيصال رسالة مفادها أن العاصمة دمشق لا تزال عرضة للاختراق الأمني. في المقابل، يبدو أنهم أخفقوا في تنفيذ كامل مخططهم، بعدما تعذر عليهم استكمال جميع المراحل التي كانت مرسومة للعملية".
من جهته، اعتبر الكاتب السوري عمار ديوب أن التفجيرين اللذين شهدهما وسط دمشق أمس، إلى جانب التفجير الذي وقع قبل أيام قرب قصر العدل، يعكسان استمرار "الهشاشة الأمنية" في البلاد، مشيرًا إلى أن هذا الواقع يرتبط بطبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، في ظل عدم اكتمال بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية واستقرار السلطة الجديدة.
وقال ديوب لمنصة "المشهد"، إن توقيت التفجيرين المتزامنين مع زيارة الرئيس الفرنسي يحمل دلالات سياسية تتجاوز البعد الأمني، إذ يبعث برسالة إلى باريس وإلى السلطات السورية مفادها أن البلاد لا تزال بعيدة عن تحقيق الاستقرار، وأن السلطة الحالية لم ترسخ سيطرتها بالقدر الكافي لضمان الأمن وحماية المصالح الأجنبية أو حتى مصالح المواطنين السوريين.
وأضاف أن هذه الرسالة قد تدفع الدول الأوروبية إلى توخي قدر أكبر من الحذر في الانفتاح على دمشق، وإعادة تقييم وتيرة تطبيع العلاقات معها، في ظل استمرار التحديات الأمنية التي تواجهها السلطة الجديدة.
من وراء الحادث؟
وفي ما يتعلق بالجهة المسؤولة عن التفجيرين، لفت الكاتب السوري إلى أنه لا يمكن ترجيح أي فرضية قبل انتهاء التحقيقات، معتبرًا أن جميع السيناريوهات تبقى مفتوحة.
وأوضح أن الاحتمالات لا تقتصر على الجماعات المتطرفة أو فلول النظام السابق، بل تمتد أيضًا إلى وجود تباينات وخلافات داخل بعض الأوساط الأمنية والعسكرية المرتبطة بالسلطة، فضلًا عن نشاط أجهزة استخبارات إقليمية ودولية على الساحة السورية، في وقت لم تُحكم فيه السيطرة الأمنية بصورة كاملة.
وختم ديوب حديثه بالقول إن التفجيرات، بصرف النظر عن الجهة التي تقف وراءها، تهدف إلى توجيه رسالة مفادها أن سوريا لا تزال تفتقر إلى الاستقرار الأمني، بما قد ينعكس على مسار الانفتاح الأوروبي على دمشق، ويعزز الدعوات إلى التعامل مع السلطة السورية الجديدة بحذر، إلى حين اتضاح قدرتها على فرض الأمن وترسيخ الاستقرار.
يتفق والرأي ذاته، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما جوشوا لانديس، والذي يرى أن التفجيرات الأخيرة قد ألقت بظلالها على الزيارة الرئاسية لماكرون، بينما أضعفت المساعي التي تبذلها السلطات السورية لإظهار البلاد بمظهر الدولة المستقرة والآمنة.
وأوضح لانديس، في تصريحات لمنصة "المشهد"، أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع كان يسعى إلى إقناع المجتمع الدولي بأن "الحياة الطبيعية" بدأت تعود إلى دمشق وإلى سوريا عمومًا بعد نحو 15 عامًا من الحرب، وأن البلاد باتت مهيأة لاستقبال الاستثمارات الأجنبية والانخراط في مرحلة إعادة الإعمار، إلا أن هذه التفجيرات تهدف إلى تقويض هذه الرواية وإظهار هشاشة الوضع الأمني.
ورجح لانديس بأن مسؤولية التفجيرات تقع على تنظيم "داعش" أو الجماعة الإرهابية المعروفة باسم "سرايا أنصار السنة"، نظرًا إلى معارضتهما للرئيس الانتقالي بسوريا أحمد الشرع، خصوصًا مع امتلاكهما سجلًا سابقًا لاستهداف الحكومة السورية.
وأشار مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما إلى أن الهجوم الانتحاري الذي استهدف كنيسة في يونيو 2025، وأسفر عن مقتل 25 شخصًا، تبنته "سرايا أنصار السنة"، في حين حمّلت السلطات السورية المسؤولية لتنظيم "داعش". كما أعلن التنظيم الإرهابي مسؤوليته عن عدة هجمات استهدفت عناصر من الجيش السوري في دير الزور والرقة، في مؤشر على استمرار سعيه إلى استهداف السلطة الانتقالية.
كما لفت المصدر ذاته إلى أن دمشق شهدت منذ مطلع مايو 8 هجمات، تبنى تنظيم "داعش" مسؤوليته عن هجومين فقط، بينما فشلت 4 هجمات بعبوات ناسفة، من بينها ثلاث عمليات أُحبطت قبل تنفيذها.
وبيّن مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، أن قائمة الأهداف شملت رجل دين شيعيًا، ومسؤولًا قضائيًا، ومجمعًا عسكريًا، بالإضافة إلى هجمات عشوائية استهدفت مدنيين، بينها عملية استهدفت موظفين في قصر العدل، و3 هجمات طالت سكان مناطق ذات غالبية علوية. كما أشار إلى أن حي الورود، ذا الغالبية العلوية، تعرض لهجومين خلال 6 أسابيع بواسطة حافلات صغيرة مفخخة، بما يوحي بأن استهداف هذه المنطقة يمثل هدفًا رئيسيًا للجهات المنفذة.
كما استبعد لانديس مسؤولية فلول نظام الرئيس السوري السابق عن الهجمات الأخيرة، مؤكدًا أنها لم تنفذ أي عمليات منذ مارس العام الماضي، لافتًا إلى أنه برغم تهديد رجل الأعمال رامي مخلوف، المقيم في روسيا، بتشكيل "جيش علوي"، إلا أن هذا التهديد، لم يتجاوز حدود التصريحات، وقد شدد على أنه لا توجد مؤشرات إلى تورط العلويين في هجمات دمشق، بل إن عددًا من تلك الهجمات استهدف مناطق يقطنها علويون.
(المشهد)