قبل 100 يوم، وقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قاعة الروتوندا بمبنى الكابيتول، أدى اليمين الدستورية، وألقى خطابًا رسم من خلاله أجندة داخلية، وتوجهات خارجية مناقضة تمامًا لتوجهات واشنطن في عهد سلفه جو بايدن. ولم يمض وقت طويل ليتضح أنّ واشنطن بقيادة ترامب عازمة على رسم قواعد جديدة في التعاطي مع الحلفاء الأوروبيين، راغبة في إصلاح العلاقة مع روسيا، وجادة في كبح النفوذ الصيني بضرب الاقتصاد، مكمن القوة لدى بكين، خطوات تُقرأ كتوجه نحو الانسلاخ من سيطرة الولايات المتحدة على النظام العالمي، وتفردها بقيادة الأعداء والخصوم، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
الانقلاب على الحلفاء
بمجرد بداية عهدته، وضع الرئيس دونالد ترامب علاقات واشنطن عبر الأطلسي في مفترق طرق حقيقي، وسط أسئلة جوهرية حول مستقبل الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، ومكانتها كضامن للاستقرار والأمن العالميين.
وطالب ترامب برفع إنفاق أعضاء "الناتو" على الدفاع إلى نسبة 5% من الناتج المحلي - بدل 2% - قائلًا صراحة "إذا لم يدفعوا لنا فلن ندافع عنهم.. وقد أشجع روسيا على أن تفعل بهم ما تشاء". همشهم في محادثات وقف الحرب الأوكرانية، فرض عليهم رسومًا جمركية، قبل أن يجددها لـ90 يومًا ليقدموا مقترحات لعلاقات تجارية تناسب واشنطن أكثر، وأصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا بتعليق جميع المساعدات التنموية الخارجية لمدة 90 يومًا لمراجعتها، بما فيها برامج المساعدات الأوروبية.
تصف الخبيرة في الشأن الأميركي، والعضو المؤسس لمجموعة واشنطن الإستراتيجية، حنان البدري، سياسات ترامب تجاه الحلفاء بـ"المقامرة"، والتحول نحو الاعتماد على الذات والتنسيق بين الدول الأوروبية وكندا، بعيدا عن الولايات المتحدة، تقول البدري لـ"المشهد":
- إنه مؤشر على الدخول في مرحلة صعبة، وتشكل نظام دولي جديد ينتهي فيه تفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم، لينفتح الطريق أمام تشكل قيادة عالمية مُتعددة الأطراف تكون الصين أحد أطرافها.
مُهادنة الروس
إلى جانب تباين الرؤى حول نسب المساهمة في الإنفاق الدفاعي، بين الولايات المتحدة والدول الأوربية، يختلف الطرفان بشكل جوهري، حيال التعاطي مع الأزمة الأوكرانية، وبينما تسعى بروكسل، إلى تعزيز أمن أوكرانيا وتعميق التعاون الأمني في مناطق إستراتيجية مثل بحر البلطيق والبحر الأسود وبحر آزوف، مع التركيز على دمج كييف في مشروعات الدفاع الأوروبية، تدعو واشنطن بقيادة ترامب، إلى إرساء أرضية اتفاق مع روسيا لتسوية الأزمة بشكل نهائي.
وأطلق الرئيس الأميركي جهودًا لوقف الحرب الأوكرانية، حاسب من خلالها كييف على كل دولار استلمته خلال الثلاث السنوات الماضية، اقترح استعادة الأموال الأميركية من خلال صفقة المعادن النادرة، وجهها لنسيان طموح الانضمام لـ"الناتو"، كما أوعز لبروكسل مهمام أكبر في الدفاع عن أمن أوروبا، رافضًا تحمّل الولايات المتحدة المسؤولية الأكبر في ذلك.
علاوة ذلك، أبدى دونالد ترامب تفهما عميقا لرغبة موسكو في الاحتفاظ بالأراضي التي سيطرت عليها، وعبر عن توجه واشنطن للاعتراف بالسيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم، ما شكل نقطة خلاف كبيرة بينه وبين الحلفاء الأوربيين. مواقف ترامب حسب البروفيسور غابريال صوما، العضو السابق بمجلسه الاستشاري، مردها اعتقاده بأنّ على الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، تقديم تنازلات لروسيا، وإيمانه باستحالة حل الأزمة من دون تقديم هذه التنازلات التي ترفضها الدول الأوروبية.
ويقول البروفيسور صوما لـ"المشهد"، إنّ ترامب يوافق الرأي الروسي حيال تبعية شبه جزيرة القرم، وحيال رفض طلب انضمام أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي، ويعتبره سببًا رئيسيًا لاندلاع الأزمة، وإلى جانب ذلك، يسعى الرئيس الأميركي لتطبيع العلاقات مع موسكو، من خلال المحادثات الأميركية- الروسية التي انطلقت في الرياض في الـ18 فبراير الماضي، وناقشت القضايا الثنائية، وسبل إصلاح العلاقات بين البلدين، بما في ذلك تخفيف العقوبات الاقتصادية وتعزيز التعاون التجاري، وتمهيد الطريق أمام عقد قمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، يضيف المتحدث.
الحرب التجارية على الصين
حال الصين ليس كحال روسيا، بعد عودة دونالد ترامب للحكم، فالمهادنة وكظم الغيظ التي تحلى بها تجاه موسكو، قابلها تصعيد غير مسبوق في الرسوم الجمركية، وهجوم تجاري على دول العالم في يوم التحرير، ليتم تجميد التعرفات على الكل، وتوجيه الثقل للاستفراد ببكين وضرب شريان تفوّقها، من خلال فرض رسوم بلغت حد الـ145%، قابلتها الصين بتعرفات مضادة بلفت حد الـ125%، فدخل العالم في شبه حرب تجارية عالمية.
وتعتبر الخبيرة في الشأن الأميركي حنان البدري، رد الفعل الصيني على الهجوم الجمركي الذي قاده الرئيس الأميركي، من فرض رسوم مماثلة، وإعادة شحنات كانت قد اشترتها من شركة "بوينغ" للطيران، وغيرها من الإجراءات الانتقامية، سابقة تارخية، بحكم أنّ الولايات المتحدة استطاعت احتواء الصين على مدار الـ100 سنة الأخيرة، وبدورها بكين لم يسبق لها الرد بالحدة التي تعاطت بها مع التعرفات الجمركية الأخيرة، وهو ما يهدّد بقلب الطاولة على الولايات المتحدة الأميركية، بالنظر للارتفاع غير المسبوق للسلع في الولايات المتحدة الأميركية، خصوصًا عبر مواقع الشراء الإلكتروني الصينية، التي أصبحت تجني أضعاف ما كانت تجنيه، قبل السياسات التجارية التي انتهجها البيت الأبيض، في يوم التحرير، 2 أبريل 2025، الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي، تعرفات جمركية على أكثر من 200 دولة، وجزيرة وإقليم في العالم.
سواء تعلق الأمر بأوروبا، أو روسيا، أو الصين، وحتى دول الشرق الأوسط وباقي دول العالم، أثارت القرارات والخيارات الأميركية في أول 100 يوم للرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، توجسًا كبيرًا لدى الحلفاء والخصوم. ومع كسره كل مألوف، يقف العالم مترقبًا القرارات المستقبلية وسط تساؤلات عن مستقبل الدور الأميركي والأحادية القطبية، في عهد ترامب.
(ترجمات)