وفق صحيفة "ناشيونال إنترست"، نبّهت كارثة تشيرنوبيل القادة السوفيات إلى ضرورة تعزيز "ثقافة السلامة" في برنامجهم النووي، لكن التحذير جاء متأخرًا جدًا.
ماذا حدث؟
تقول الصحيفة إنه على الرغم من بشاعة الأمر، إلا أن بعض الكوارث تحمل في طياتها فوائد وخير مثال على ذلك: في أبريل الماضي، حلّت الذكرى الـ40 لكارثة محطة تشيرنوبيل النووية السوفياتية، غير بعيد عن كييف في شمال أوكرانيا.
ومن المفارقات العجيبة وفق الصحيفة، أن المفاعل رقم 4 في المحطة انفجر في 26 أبريل 1986، بينما كان طاقم المحطة يختبر نظام التبريد المائي الطارئ. وبكل بساطة، فشل النظام في الاختبار.
ارتفعت درجة حرارة المفاعل بشكل مفرط، واقتلع البخار سقف المبنى الذي يضمّه، قبل أن ينفجر انفجار ثانوي بعد ثوانٍ.
حصد الانفجاران روحين في لحظة، قبل أن يقذفا سحابة إشعاعية عالية في الغلاف الجوي. ولبرهة، اتجهت السحابة نحو العاصمة السوفياتية موسكو. لقد سلطت إشعاعاتها على مساحات شاسعة من الجمهوريات السوفياتية في روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، الواقعة في اتجاه الريح. وامتدت آثارها الإشعاعية لتؤثر على الحياة اليومية حتى في أوروبا الغربية، بما في ذلك ألمانيا الغربية.
خلل سياسي
وفق الصحيفة لم تكن رائحة كارثة تشيرنوبيل الكريهة ناتجة عن مشاكل هندسية بقدر ما كانت ناتجة عن خلل سياسي. فقد تأخرت القيادة الشيوعية السوفياتية في موسكو في الاعتراف بوقوع الحادث. ولم تُبلغ القيادة سكان بريبيات بتعرضهم للإشعاع إلا بعد فوات الأوان، وحثتهم على إخلاء المدينة.
وترى الصحيفة أن الحكومات وخصوصا الأنظمة الاستبدادية، تكره الاعتراف بالأخطاء، خشية أن تُدين الصراحة قيادتها أو فلسفتها الحاكمة. وقد ارتبكت موسكو إزاء التأثير المحتمل لتشرنوبل على النظام الشيوعي.
وتزيد أنه بدافع رد الفعل السياسي، كان لتشرنوبل عواقب سياسية وخيمة حتى أن الأمين العام ميخائيل غورباتشوف، وهو شخصية مرموقة، تكهن بأن تشرنوبل، وليس سياسته في إعادة البناء (البيريسترويكا)، أو الإصلاح الاقتصادي، كانت "السبب الحقيقي لانهيار الاتحاد السوفياتي بعد 5 سنوات".
لكن الصحيفة ترى أن المكاسب جاءت من الكارثة، فقبل أكثر من عقدين من الزمن، رأى الدبلوماسي السوفياتي الراحل، الباحث بجامعة جورجيا، وصديقي إيغور خريبونوف، أن كارثة تشيرنوبيل قد نبهت القيادة السوفياتية والمجتمع الدولي إلى الأهمية البالغة لـ"ثقافة السلامة" داخل المجمع النووي - وليس فقط المجمع النووي السوفياتي، بل أي دولة تُشغّل محطات طاقة نووية أو منشآت أخرى تتعامل مع مواد انشطارية.
ثقافة السلامة والأمن كلاهما مهم
الدرس البالغ الأهمية من كارثة تشيرنوبيل وفق الصحيفة هو أن الإشراف الثقافي يعني غرس عادات فكرية وعاطفية وسلوكية تُعزز قدرة المؤسسة على إدارة المخاطر المُحيطة بها، ففي جورجيا، حيث أجريت دراسات ثقافية متعلقة بمنع الانتشار النووي، استشهدت بإدغار شاين، أستاذ إدارة الأعمال في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي عرّف الثقافة المؤسسية بأنها "نمط من الافتراضات الأساسية المشتركة التي اكتسبتها المجموعة أثناء حلها لمشاكل التكيف الخارجي والتكامل الداخلي، والتي أثبتت فعاليتها لدرجة اعتبارها صالحة، وبالتالي، يتم تعليمها للأعضاء الجدد باعتبارها الطريقة الصحيحة للإدراك والتفكير والشعور تجاه تلك المشاكل".
ووفق الصحيفة الثقافة هنا هي أسلوب عمل والقيادة هي التي تغرس هذه الثقافة وترعاها.
تقول أيضا إنه بعد الحرب الباردة، انتقلت الأوساط الأكاديمية والمجتمع الدولي سريعًا من مفهوم ثقافة السلامة النووية إلى مفهوم "ثقافة الأمن النووي". أثار سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991، وما تبعه من انهيار الروح المعنوية وتراجع الازدهار في جميع أنحاء الكتلة الروسية ما بعد السوفياتية، شبح انعدام الأمن النووي. وبدا، عن حق، أن المواد الخطرة قد تختفي لأسباب متعددة، منها الإرهاب، وجني المال في أوقات الأزمات.
تقول الصحيفة إن غرس الهدف في مجموعة من الناس أمر سهل القول، ولكنه صعب التطبيق فقد لا تبدو الحماية الثقافية مثيرة، لكنها تمثل أسمى مظاهر القيادة في أي مؤسسة فهي العامل الحاسم في أمن أي مؤسسة تُعهد إليها مسؤولية التعامل مع المواد الانشطارية. وقد ينطبق هذا على جميع المؤسسات. والأهم من ذلك، أن الثقافة لا تقتصر على مكان واحد. فرعاية العنصر البشري تتطلب جهودًا حثيثة وواسعة النطاق من جميع مستويات الحكومة وقطاع الأعمال والمجتمع المدني، بدءًا من القيادة السياسية العليا وصولًا إلى أدنى المستويات الإدارية.
وتختم الصحيفة مقالها مؤكدة أن اليقظة الدائمة هي ثمن الأمن النووي. وهذا هو درس تشيرنوبيل.
(ترجمات)