بحر قزوين يدخل دائرة الحرب.. هل تفتح أوكرانيا جبهة جديدة ضد إيران؟

آخر تحديث:

شاركنا:
ضربة أوكرانية في بحر قزوين تربك تحالف موسكو وطهران وتضع إيران أمام خيارات صعبة (رويترز)
هايلايت
  • يؤشر استهداف أوكرانيا لسفينة إيرانية في بحر قزوين إلى تحول نوعي في مسار الحرب.
  • دوافع كييف قد ترتبط بتعزيز موقعها السياسي بواشنطن وإضعاف الدعم الإيراني لروسيا.
  • أي رد إيراني قد يفتح جبهة جديدة ويزيد تعقيد المشهد الإقليمي.

يؤشر استهداف أوكرانيا لسفينة إيرانية في بحر قزوين إلى تحول نوعي في مسار الحرب المندلعة منذ فبراير، إذ ينقل الصراع إلى ساحة كانت بمنأى عن المواجهات، ويحمل أبعادًا تتجاوز الحرب الروسية الأوكرانية ليطال التنافس الأميركي الإيراني والتعاون العسكري بين موسكو وطهران، وفق مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد".

دوافع كييف

وبينما يُنظر إلى الهجوم باعتباره دليلًا على تطور القدرات العسكرية والاستخباراتية الأوكرانية، فإن دوافع كييف قد ترتبط أيضًا بتعزيز موقعها السياسي في واشنطن وإضعاف الدعم الإيراني لروسيا.

في المقابل، تحذر المصادر ذاتها من أن أي رد إيراني قد يفتح جبهة جديدة ويزيد تعقيد المشهد الإقليمي، خصوصًا في ظل الدور المؤثر لـ"الحرس الثوري" في صناعة القرار الإيراني، مع ترجيح أن تلجأ طهران إلى ردود غير مباشرة أو غير متماثلة إذا قررت التصعيد.

وفي ما يبدو أن انتقال الصراع لبحر قزوين، في ظل التصعيد الإيراني، يشي بتطورات عديدة، خصوصا أنه يمثل أحد الشرايين الحيوية والإستراتيجية في العلاقات المتنامية بين طهران وموسكو بفعل معاهدة الشراكة الإستراتيجية التي تم توقيعها بين الطرفين قبل عام، وتشمل التعاون الاقتصادي والعسكري.

وقد أعلنت أوكرانيا، مطلع الأسبوع، أن مسيّراتها استهدفت سفينتين روسيتين تحملان شحنات عسكرية في بحر قزوين وقالت إن السفينتين كانتا قد غادرتا إيران متجهتين إلى ميناء روسي.

شحنات عسكرية

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، السبت على "إكس"، إن الأهداف شملت "سفنًا كانت تنقل شحنات عسكرية من إيران، بالإضافة إلى سفينة حربية".

إلا أن إيران قالت إن إحدى سفنها التجارية التي كانت تحمل شحنة من الحديد قد استُهدفت، ما أسفر عن مقتل بحار وإصابة 3 آخرين.

كما هدد الاثنين المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، بأن "مغامرات أوكرانيا الخطيرة لن تمر من دون ردّ". وتم استدعاء القائم بالأعمال الأوكراني في طهران إلى وزارة الخارجية.

وبحسب "سي إن إن"، فقد تسلّمت روسيا أولى شحناتها من طائرات "شاهد" الإيرانية المسيّرة الهجومية عبر بحر قزوين في بداية حربها مع أوكرانيا، ومنذ ذلك الحين، أنتجت نسخًا جديدة من هذه الطائرات في مصانع على الأراضي الروسية.

كما سبق لأوكرانيا أن استهدفت طريق بحر قزوين الذي يربط موانئ إيران الشمالية بميناء أستراخان الروسي. في أغسطس العام الماضي، دُمّرت سفينة شحن "بورت أوليا 4"، بينما كانت محملة بمكونات طائرات "شاهد-136" المسيّرة وذخائر إيرانية.

ورصدت "سي إن إن" عام 2024، سفينة شحن روسية يُشتبه في أنها كانت تحمل صواريخ باليستية إيرانية لحرب موسكو ضد أوكرانيا، في ميناء روسي على بحر قزوين. وحينها قالت وزارة الخزانة الأميركية، إن وزارة الدفاع الروسية استخدمت السفينة "بورت أوليا-3" لنقل صواريخ باليستية قصيرة المدى من إيران إلى روسيا.

تطور نوعي

وفي حديثه لـ"المشهد"، يقول الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة) محمود حمدي أبو القاسم إن الهجوم الأوكراني على قطع بحرية تقوم بنقل النفط بين إيران وروسيا، يتأتى كتطور نوعي نقل الصراع إلى بجر قزوين الذي كان بعيدًا إلى حد بعيد عن الصراع الروسي الأوكراني.

ويعتبر هذا الهجوم، وفق حمدي أبو القاسم، بمثابة تحول مهم في الصراع الروسي الأوكراني وكذلك في الصراع الأميركي الإيراني، إذ تقدم أوكرانيا نفسها كقوة فاعلة قادرة على قطع الطريق على التعاون الروسي الإيراني الذي يضعف موقفها في الحرب على إيران، كما يقطع الطريق على التعاون العسكري الذي يربك المشهد في الشرق الأوسط.

وتابع: "وصول الحرب لهذه الساحة يشير إلى الطابع العالمي للمواجهات الراهنة في أوكرانيا وفي الشرق الأوسط، حيث ظل البحر المغلق بمنأي عن التوترات الدولية لفترات طويلة".

كما يكشف الهجوم عن تطور في قدرات أوكرانيا العسكرية والاستخباراتية، وهو ما يمكن أن تستفيد منه الولايات المتحدة في المواجهة مع إيران، بحسب ما يقول الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة)، مشددًا على أن الهجوم يفرض على الدول المطلة على البحر معادلة أمنية جديدة، بينما يضع الترتيبات الأمنية بين الدول المطلة على البحر على المحك.

المواجهة الراهنة

ومن الواضح أن إيران التي تعتبر البحر بمثابة منفذ حيوي لصمودها في المواجهة الراهنة بات تحت التهديد، وهو ما قد يدفعها إلى الردع من أجل موازنة هذا الردع لكن قدرات إيران قد تكون أقل من الوصول إلى الساحة الأوكرانية، وفق المصدر ذاته، ولهذا قد تكون الردود غير متماثلة عبر استهداف الناقلات الأوكرانية او المصالح المنتشرة بالقرب من إيران.

وفي ما يبدو أن التحركات الأوكرانية الأخيرة تبدو "غير مفهومة"، بحسب ما يقول مايكل شوركين الباحث في معهد «روسي» البريطاني، والذي عمل سابقًا في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، متسائلاً عمّا إذا كانت كييف تسعى إلى كسب ودّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإسرائيل.

مجاملة سياسية

وأضاف شوركين، في تصريحات خاصة لـ"المشهد"، أن هذا النهج "قد يكون مفيدًا" لأوكرانيا، مشيرًا إلى اللقاء الذي جمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في واشنطن، على هامش مراسم جنازة السيناتور الأميركي ليندسي غراهام.

ورأى أن زيلينسكي "يبدو أنه يحقق نقاطاً سياسية في واشنطن"، بينما عزا ذلك إلى تزايد الانطباع داخل الأوساط الأميركية بأن أوكرانيا باتت تحقق تقدمًا في الحرب.

وختم شوركين بالقول إن "الناس يميلون إلى الوقوف إلى جانب المنتصرين"، في إشارة إلى تأثير التصورات بشأن موازين القوى في تشكيل المواقف السياسية والدعم الدولي.

تخطيط وتنفيذ أوكرانيين

إلى ذلك، قال الباحث المختص في الشؤون السياسية والإقليمية محمد خلفان الصوافي، إن استهداف أوكرانيا للسفينة الإيرانية يحمل، وفق المعطيات المتوافرة، مؤشرات على أنه جاء بتخطيط وتنفيذ أوكرانيين، معتبرًا أن هذا الاحتمال يبدو أكثر ترجيحًا من غيره.

وأضاف الصوافي لـ"المشهد"، أن التداعيات قد تكون كبيرة إذا مضت طهران في تنفيذ تهديداتها بالرد، إذ إن ذلك قد يفتح جبهة جديدة في المواجهة، ويضع إيران أمام تعدد ساحات الصراع. ورغم معاودة الإشارة إلى أن السيناريو الأخير "غير مرجح"، إلا أنه لم يستبعد حدوثه، مشيرًا إلى أن طبيعة صناعة القرار في إيران تتسم بعدم القدرة على التنبؤ، وأن خيار توسيع الحرب ورفع كلفتها على مختلف الأطراف يظل واردًا.

وفي ما يتعلق بالمواقف المعلنة للطرفين، أوضح الصوافي أن المعطيات المتداولة تشير إلى وجود رغبة متبادلة بين إيران وأوكرانيا في تجنب التصعيد، استنادًا إلى الاتصالات القائمة بينهما. لكنه رأى أن الموقف الأوكراني يمكن تفهمه "إلى حد ما"، لأن كييف تتهم طهران بدعم روسيا عسكريًا في الحرب، ما يجعل استهداف المصالح الإيرانية فرصة للضغط على أحد أبرز داعمي موسكو.

في المقابل، أبدى الصوافي تشككًا في التعويل على تطمينات المسؤولين الإيرانيين، وقال إن إدارة الأزمة الإيرانية مع العالم لا يقودها السياسيون بقدر ما يقودها "الحرس الثوري"، الذي يرى أن من مصلحته توسيع نطاق المواجهة في المحيط الجغرافي لإيران. وأضاف أن هذا الاحتمال يزداد حضورًا في ظل الشكوك المتداولة بشأن احتمال أن يكون الاستهداف الأوكراني قد جرى بطلب أو بدعم من الولايات المتحدة.

وختم الصوافي بالإشارة إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في اتساع رقعة الاستهداف العسكري بين أوكرانيا وإيران، محذرًا من أن أي رد إيراني قد يؤدي إلى توسيع دائرة خصوم طهران، ويمنح أوكرانيا مبررات وفرصًا لتنفيذ هجمات إضافية ضد أهداف إيرانية، وهو ما وصفه بأنه سيناريو بالغ التعقيد بالنسبة للنظام الإيراني. 

(المشهد)