أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون تحول بلاده نحو المفاوضات السياسية المباشرة مع إسرائيل في أبريل الماضي، قالبًا بذلك الواقع السياسي الذي حكم لبنان لمدة 4 عقود رأسًا على عقب.
ولأول مرة منذ سنوات عديدة، أصبحت بيروت حاضرة على طاولة المفاوضات كدولة ذات سيادة، وليس ساحة معركة للمنافسة الجيوسياسية. وهذا أكثر أهمية بكثير من التسوية الحدودية الفنية، فهو بمثابة محاولة دائمة لحلّ مسألة ما إذا كان لبنان دولة تحكمها حكومتها المنتخبة، أم أنه يعمل فقط كوكيل لجمهورية إيران، بحسب مقال تحليلي لصحيفة "ناشيونال إنترست".
لماذا تريد أميركا لبنان مستقلًا؟
ولسنوات عديدة، تعاملت إيران مع لبنان باعتباره جائزة إستراتيجية مضمونة يحكمها "حزب الله، جوهرة تاج "محور المقاومة".
وبحسب الصحيفة، نظرت طهران إلى المؤسسات السياسية السيادية اللبنانية باعتبارها مصدر إزعاج بسيط ينبغي تخويفه وإجباره على الخضوع، من خلال التهديد بعنف الميليشيات.
ولقد تسامحت الولايات المتحدة بهدوء مع هذا الواقع، معتبرة أنه ليس بوسعها أن تفعل الكثير لتخفيف قبضة "حزب الله" على الحكومة اللبنانية.
وفي الاتفاق النووي الذي أبرمته خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران، قبلت إدارة أوباما ضمنًا دور "حزب الله" في المنطقة. ومن ناحية أخرى، كانت الدول العربية غاضبة من توسع الحزب اللبناني في سوريا والعراق واليمن نيابة عن إيران، ولكنها كانت تفتقر إلى الوسائل اللازمة لعكس هذا التوسع.

ضربة حاسمة
وقد قلبت إدارة ترامب الثانية هذا الواقع، حيث إنّ القرار الأميركي بفصل المسار اللبناني عن مفاوضات إسلام آباد مع إيران، يشكل ضربة حاسمة لفكرة ضرورة التسامح مع التفوق الإيراني في بلاد الشام، في مقابل إحراز تقدم في قضايا أخرى.
وبذلك، أوضح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل لا لبس فيه، أنّ الولايات المتحدة لا تنظر إلى لبنان باعتباره ورقة في يد إيران، بل باعتباره دولة مستقلة مخولة بتقرير مصيرها.
وبطبيعة الحال، هناك حاجة إلى اتخاذ العديد من الخطوات الإضافية قبل أن تصبح هذه الرؤية حقيقة واقعة، كون "حزب الله" بعيد كل البعد عن الزوال، بحسب الصحيفة، لأنه لا يزال يحتفظ بقوة كبيرة مسلحة، ونفوذ على الحكومة اللبنانية، ووفقًا للادعاءات الإسرائيلية، ترسانة من قاذفات الصواريخ مخبأة في مختلف أنحاء جنوب لبنان.
ومع ذلك، كلما حاول الحزب عرقلة المفاوضات اللبنانية لتأكيد نفوذه على البلاد، كلما أثبت، في نظر الأميركيين، صحة الحكمة المتمثلة في فصل ملف لبنان عن الملف الإيراني.
وعلى نحو مماثل، فإنّ محاولات إيران للمقايضة مع قضية لبنان أثناء المفاوضات الجارية في إسلام آباد، وهي إحدى الأوراق القوية الوحيدة التي تركتها طهران، تقوض ادعاءاتها الهزلية الطويلة الأمد بأن "حزب الله" مجرد "حزب لبناني مستقل".