خلال زيارته إلى مدينة قُم، سعى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى وضع حد للشائعات التي تحدثت عن تهديده بالاستقالة للحصول على موافقة على المفاوضات مع الولايات المتحدة، واصفا تلك التقارير بأنها "غير منطقية وعديمة المصداقية".
صراع داخلي في إيران
يعكس هذا النفي العلني الذي نادرا ما يلجأ إليه رؤساء إيران في مواجهة الشائعات السياسية، حساسية الموقف والجدل المتصاعد حول مذكرة التفاهم مع واشنطن بعد الحرب، بحسب موقع "المونيتور".
وسلطت الحادثة الضوء على صراع داخلي أعمق بشأن من يملك حق رسم المسار الدبلوماسي للجمهورية الإسلامية في المرحلة التالية. فبينما أظهرت المؤسسة السياسية وحدة نسبية تحت قيادة المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي خلال الأزمة العسكرية، بدأت الانقسامات الفصائلية القديمة تعود إلى السطح مع انتقال الأولوية إلى تنفيذ الاتفاق.
وشدد بزشكيان على أنّ المفاوضات لم تكن مبادرة شخصية، بل جرت ضمن الأطر المؤسسية للدولة، مؤكدا أنّ الاتفاقية وفرت فرصا اقتصادية وأسهمت في تخفيف التوترات الإقليمية خصوصا في لبنان.
وأوضح أنّ جميع مراحل التفاوض عُرضت على المجلس الأعلى للأمن القومي والمرشد الأعلى، وأنّ غالبية أعضاء المجلس أيدوا المذكرة باستثناء صوت واحد.
دعم مشروط
في قُم، حرص بزشكيان على كسب دعم المرجعيات الدينية المؤثرة، حيث منح كبار رجال الدين غطاء سياسيا للدبلوماسية لكن بشروط واضحة.
وأقر المرجع الإيراني ناصر مكارم شيرازي بجدوى الاتفاق إذا جرى تحصينه ضد "الأفعال الضارة"، فيما شدد علي رضا عرفي على ضرورة أن تبقى العملية ضمن السياسات العامة للجمهورية وتحت إشراف المرشد.
غير أنّ التحدي الأكبر ظهر من داخل مجلس الخبراء، حيث وقّع ثلاثة أرباع أعضائه بيانا يحذر من تجاوز "الخطوط الحمراء" التي رسمها خامنئي، ما كشف عن خلافات داخلية حول كيفية إدارة المفاوضات.
وقد تبع ذلك حملة إلكترونية متشددة تدعو إلى العودة الصارمة لرؤية المرشد.
ولا تعني هذه التطورات بالضرورة أنّ الفصائل المحافظة تسعى لإسقاط الاتفاق، لكنها تشير إلى محاولات لتقييد مسار التفاوض وفرض معايير صارمة قبل الدخول في ملفات أكثر حساسية مثل التفتيش النووي والعقوبات والصواريخ والأمن الإقليمي.
في هذا السياق، يبدو أنّ بزشكيان يدرك أنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في إقناع واشنطن، بل في الحفاظ على تماسك النخبة الإيرانية وضمان أن تظل العملية الدبلوماسية محمية من الانقسامات الداخلية. فالمشهد السياسي بعد الحرب بات أكثر تشظيا مما توحي به الخطابات الرسمية، والمرحلة المقبلة من المذكرة قد تحددها السياسة الداخلية بقدر ما تحددها المفاوضات الخارجية.