وأعلنت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة لتنظيم "القاعدة" الإرهابي مسؤوليتها عن الهجمات، مشيرة إلى سيطرتها الكاملة أو الجزئية على بعض المدن، كما تحدثت عن تنسيق مع أطراف أخرى، من بينها "جبهة تحرير أزواد" الانفصالية في شمال مالي.
هجمات نوعية ومنسقة
وشملت الهجمات حسب تقارير صحفية دولية، العاصمة باماكو وعدة مناطق أخرى في الشمال، حيث استهدفت منازل شخصيات بارزة في المجلس العسكري الحاكم، من بينها رئيس المجلس آسيمي غويتا ووزير الدفاع ساديو كامارا، إلى جانب قواعد عسكرية رئيسية في مدن كاتي وسيفاري وكيدال وغاو وموبتي.
ويصف الباحث المختص في قضايا الساحل محمد عبد الفتاح سالم، الهجمات، بأنها تتجاوز الطابع اللحظي أو المعزول، لتعكس "قدرة تنظيمية عالية على تنسيق ضربات متزامنة استهدفت العاصمة باماكو ومناطق إستراتيجية في الشمال، وعلى رأسها كيدال".
ويضيف في تصريح خاص لمنصة "المشهد"، أن هذا التصعيد يعكس امتلاك المتمردين لقدرات عسكرية كبيرة، "مردها تلقيهم لدعم جهات خارجية تتقاطع مع أجنداتهم المعادية لباماكو".
كما تؤشر الهجمات حسب الباحث، على تمتع المتمردين بمواكبة عسكرية واستخباراتية من طرف "جهات إقليمية"، خصوصا في ظل الحديث عن قدرة المتمردين على استهداف شخصيات وازنة داخل هرم السلطة، وهو ما يعيد إلى الواجهة سيناريوهات محاولات استهداف وجود الدولة المركزية التي عرفتها المنطقة منذ 2012.
وأعلن الجيش المالي في بيانات متتالية، أنه تمكن من قتل وأسر مئات من المسلحين المشاركين في الهجمات، مؤكدا استمرار عمليات التمشيط في المناطق التي شهدت الاشتباكات.
ويعتبر الباحث المختص في الشؤون الإفريقية محفوظ ولد السالك، أن الذي جرى في مالي يوم السبت، شبيه في بعض تفاصيله بما حصل في مناسبات عديدة سابقة، وهو مهاجمة الجماعات المسلحة وبشكل متزامن قواعد ونقاط مهمة عدة في مناطق مختلفة من البلاد.
وهذا يشبه حسب الباحث ما حصل في مطلع يونيو 2025، حيث هاجمت الجماعة نفسها "نصرة الإسلام والمسلمين" 7 مواقع بشكل متزامن بما في ذلك العاصمة.
ويصف ولد السالك في تصريحه الخاص لمنصة "المشهد"، أن الجديد هذه المرة هو حجم الخسائر؛ لأن مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا "يشكل ضربة قاسية، وهناك معطى آخر جديد نسبيا هو التحالف بين جماعة النصرة، والجبهة الأزوادية، لأنه أخذ شكلا علنيا، وفي السابق حصل مرات بشكل غير معلن".
لماذا التحالف بين الجهاديين والانفصاليين؟
وتشير التقارير الميدانية إلى أن حجم القوات المشاركة في الهجوم، خصوصا في العاصمة باماكو، يعكس طبيعة مختلفة عن العمليات السابقة، حيث اتسمت هذه الهجمات حسب المتابعين، بكثافة عددية وتنسيق واسع بين كل من "جماعة نصرة الاسلام والمسلمين" و"جبهة تحرير أزواد"، ما يرجح أنها عملية واسعة النطاق وليست هجوما محدودا.
وأشارت الجماعة في بيان لها، إلى تحالف علني مع الانفصاليين الأزواد، وهو ما يصفه الباحث محمد سالم بالتحالف "الهجين بين جماعات ذات مرجعيات متباينة، حيث يلتقي مشروع انفصالي تقوده الحركات القومية الأزوادية، وعلى رأسها جبهة تحرير أزواد، مع مشروع جهادي عابر للحدود تمثله جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة".
ويضيف أنه بالرغم من أن هذا التقاطع لا يعكس انسجاما إيديولوجيا بقدر ما يعبر عن "براغماتية قتالية تتمثل في التقارب مع الجار الشمالي المتمثل في الجزائر، والتي سبق أن احتضنت مختلف الفصائل الأزوادية".
ويشرح المتخصص في قضايا الساحل أنه تم تقاسم الأدوار بين تلك الفصائل من قبيل السيطرة الترابية التي يجيدها الانفصاليون، والاختراق العملياتي العنيف الذي تتقنه الجماعات الجهادية، ما يؤدي إلى خلق نموذج "هجين" من التهديدات يصعب احتواؤه بالوسائل التقليدية، ويحول الصراع من نزاع سياسي قابل للتفاوض، إلى بنية عنف مركبة تتغذى على استمرار الفوضى.
ويؤكد عبد الفتاح الفاتحي مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الإستراتيجية في تصريح لمنصة "المشهد"، أن التحالف الهجين والضربة التي أودت بحياة وزير الدفاع المالي هي "رسالة عن سقف التنسيق العسكري بين الأطراف المتحالفة، وبتوجيه خارجي لإسقاط نظام الحكم الذي يخوض خصومة أمنية وعسكرية معلنة ضد عدد من الأطراف منذ قيامه".
ومن جانبه يعتبر الباحث ولد السالك أن هناك علاقات اجتماعية وعرقية وقبلية بين قادة من الطرفين "تجعل من السهل حصول تحالف بينهما، وأحيانا يحصل هذا التحالف دون أن يعلن كما وقع في معارك تينزواتين نهاية يوليو 2024".
ويضيف أن التحالف هذه المرة "ربما كان الهدف منه إرباك الدولة المالية، وتحقيق انتصار كبير على حساب الجيش المالي وحلفائه في الفيلق الإفريقي الروسي".
ماذا بعد الهجمات؟
ويقول الباحث المختص في الشؤون الإفريقية محفوظ ولد السالك إن المجلس العسكري الحاكم في مالي، قد فقد أحد الجنرالات المهمين، وأحد مهندسي الشراكة مع روسيا وهو وزير الدفاع ساديو كامارا، ولكنه مع ذلك "بقي متماسكا".
ويضيف أن الجماعات الإرهابية كانت تراهن إما على الإطاحة بالنظام من خلال مقتل أو أسر عدد من قادته، أو العمل على حدوث انشقاقات داخل هرم الجيش والسلطة، وهذا "لم يحصل حتى الٱن".
وأعلن المجلس العسكري الانتقالي في باماكو عبر بيان خاص، عن مقتل وزيز الدفاع ساديو كمارا وخَصص له يومين من الحداد الوطني، مع التأكيد على مواصلة قتال الإرهابيين والمتمردين.
ويرى الباحث محمد سالم أن أخطر ما يمكن أن تفرزه هذه المرحلة هو بروز نموذج يجمع بين الانفصال والإرهاب، وهو نموذج "يضاعف من تعقيد التهديدات الأمنية، لأن الحركات الانفصالية توفر غطاء سياسيا وخطابا هوياتيا يمكن أن يضفي نوعا من "الشرعية" على الفعل المسلح، في حين تمنح الجماعات الجهادية قدرات قتالية عالية وخبرة في إدارة العمليات العابرة للحدود".
ويضيف أن هذا التزاوج يؤدي إلى تقويض كل مسارات التسوية السياسية، ويجعل من الصعب التمييز بين الفاعلين "القابلين للتفاوض" والفاعلين "الإرهابيين"، ويمنح التنظيمات المتطرفة فرصة للتغلغل والانتشار في فضاءات اوسع مستغلة "مظلوميات مناطقية، وسرديات الحراكات ذات الطابع الهوياتي في مواجهة أنظمة دول المنطقة".
ويعتبر الباحث ولد السالك أن تداعيات هجمات مالي قد تكون كبيرة إذا توسع نطاق القتال والهجمات، أو تم تغيير النظام بالقوة، وكانت هناك تدخلات من أطراف إقليمية ودولية، و"واضح الآن أن الأمور متجهة نحو الهدوء، لكن حتما سيتجدد القتال، لأن الجيش المالي سيسعى لاستعادة المدن التي لم تعد تحت سيطرته في الشمال".
ويرى رئيس مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الإستراتيجية عبد الفتاح الفاتحي أن ما يعتبر اختراقا عسكريا وأمنيا في مالي "لا يمكن أن يكون واقعا مستداما يقبل به إفريقيا، طالما أن متزعميه تنظيمات إرهابية ملاحقة دوليا".
ولكن هجمات مالي ستيعيد حسب أستاذ العلاقات الدولية، الأضواء إلى أهمية الاجتماعات والتحركات الإقليمية والدولية باعتبارها "ضرورية لتحيين إستراتيجيات عسكرية وأمنية لمكافحة الإرهاب في عموم منطقة الساحل والصحراء".