تعيش الأزمة الليبية نقطة تحول كبيرة قد تغير موازين القوى بعد إصدار رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، 3 مراسيم رئاسية، أشعلت الوضع في البلاد.
المراسيم الثلاثة التي نصت على وقف العمل بقانون المحكمة الدستورية الذي أصدره البرلمان، وتحديد آليات وشروط انتخاب المؤتمر العام للمصالحة الوطنية، وضرورة تشكيل المفوضية الوطنية للاستفتاء والاستعلام الوطني، قوبلت برفض شديد من مجلس النواب الليبي، بينما أعلن رئيس حكومة الوحدة في طرابلس عبد الحميد الدبيبة تأييده لها.
ودعا الدبيبة إلى ضرورة تنفيذ هذه المراسيم، وقال إنها خطوة لاستعادة وحدة وقوة ليبيا.
واتهم رئيس مجلس النواب في شرق ليبيا عقيلة صالح، بـ"التغول" على السلطة التشريعية والانحياز إلى "مسار التعطيل"، مجددًا رفضه لإصدار المجلس الرئاسي مراسيم بقوانين وداعيًا إلى تشكيل "سلطة جديدة" في "أقرب وقت".
وقال عقيلة "لا يجوز للمجلس الرئاسي إصدار مراسيم بقوانين. مع العلم أنه حتى في الدول المستقرة رئيس الدولة المنتخب لا يملك إصدار قوانين بمراسيم إلا إذا أعطاه الدستور هذه الصلاحية وفي حالة ظروف طارئة وغياب السلطة التشريعية وعند عودتها يعرض عليها لإقراره أو إلغائه".
"خلط الأوراق"
ويرى أستاذ العلوم السياسية بالجماعة البريطانية ببنغازي أحمد المهداوي، أن مراسيم المنفي جاءت كخطوة استباقية لمخرجات اللجنة الاستشارية المنبثقة عن البعثة الأممية وجاءت مخالفة لمبدأ التوافق في اتخاذ القرار داخل المجلس الرئاسي الذي يشترط قبول أعضاء المجلس الثلاثة وهو ما نفاه عضو المجلس عبدالله اللافي.
وقال المهداوي في حديثه مع منصة "المشهد" إن هناك "غموضا في طريقة إصدار المراسيم حيث وجود المنفي خارج الدولة في رحلة علاجية كل ذلك يشير إلى أن هو من وراء إصدار هذه المراسيم لإرباك المشهد وخلط الأوراق على البعثة الأممية".
وأشار إلى أنه ليس من صلاحيات المجلس إصدار مراسيم حسب الاتفاق السياسي وأن اختصاصاته محددة وفق مواد تمنح الرئاسي بعض الاختصاصات التي لا يخرج منها وأيضا المحكمة الدستورية والتشريعات والاستفتاءات من صلاحيات السلطة التشريعية ومفوضية الانتخابات.
من جانبه، يرى الباحث السياسي أنس القماطي أن "هذه المراسيم ليست إصلاحًا، بل رسالة سياسية. جاءت في توقيت محسوب، حيث تتجه الأطراف المتنافسة -الرئاسي، حكومة الدبيبة، والسلطة الشرقية- نحو صفقة نخب جديدة".
وأضاف القماطي في حديثه مع منصة "المشهد" أن "كل طرف يحاول أن يظهر قوته ليحصل على حصة أكبر في الترتيب القادم. ما نراه الآن هو استعراض للقوة قبيل المساومات، لا أكثر". وقال "مجلس النواب لا يرفض هذه المراسيم من منطلق دستوري أو قانوني. الرفض هنا ليس مبدئيًا، بل مصلحي".
وتعاني ليبيا منذ عام 2011 انقساما سياسيا تعمق بوجود حكومتين، إحداهما تحظى باعتراف دولي، وهي حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والثانية مكلفة من قبل مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في بنغازي شرق البلاد.
وكان من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في ديسمبر 2021، لكنها أرجئت إلى أجل غير مسمى بسبب الخلافات والانقسامات السياسية والتهديدات الأمنية.
سلطة موحدة
بدوره، دعا رئيس مجلس النواب إلى أولوية تشكيل حكومة جديدة موحدة، موضحا أن الليبيين "في حاجة إلى توفير الغذاء والدواء والكهرباء والتعليم والمرتبات أولا، وهذا هو عمل السلطة التنفيذية".
وقال: "لم يعد أمامنا مسارات متعددة ولا جملة من الحلول علينا أن نذهب على وجه السرعة لتشكيل سلطة جديدة وتنفيذ ذلك وفق الاتفاق السياسي بالتوافق بين مجلسي النواب والدولة".
وقال المهداوي إنه هناك بوادر لتولي حكومة جديدة موحدة في ليبيا تخلف حكومتي الدبيبة في الغرب وأسامة حماد في الشرق، لتكون سلطة موحدة تساعد على إجراء الانتخابات. وأضاف "هي أصحبت رغبة دولية قبل أن تكون محلية لإدراك المجتمع الدولي بأن حكومة الدبيبة أصبحت طرفا في الصراع ويجب زوالها".
في المقابل يرى أن الحكومة الموحدة ليست حلا للأزمة الليبية بل تعقيد للمشكلة. وقال: "توحيد المؤسسات الحالية يعني دمج منظومتين فاسدتين، لا خدمتين. نحن لا نوحد الدولة، بل نوحد من اختطفها. لدينا مجلسان، وحكومتان، لا يخضعان لمحاسبة شعبية. ما يُقدَّم كحل، هو في حقيقته تثبيت للوضع القائم".
أزمة منسية
وتراجعت الأزمة الليبية خلال السنوات الأخيرة بسبب انشغال العالم بالحرب الروسية الأوكرانية والصراع في غزة.
ويرى المهداوي أن الأحداث العالمية متشابكة ومعقدة وبالتالي قللت من أهمية الأزمة الليبية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، لكنه أكد أنها أصبحت ذات أولوية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية للحد من النفوذ الروسي والتمدد الصيني في ليبيا وإفريقيا.
ولفت إلى أنه سنرى مبادرات أميركية لدمج المؤسسة العسكرية وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والسيادية تمهيدا لمرحلة جديدة تشهد انتخابات.
ويتفق القماطي مع هذا الرأي، وقال "العالم اليوم يتجه نحو ما بعد أوكرانيا، وربما ما بعد السياسات بايدن. وهنا تعود ليبيا لتصبح ذات أهمية إستراتيجية من جديد. لهذا نرى المبعوثين والزيارات. ليس بدافع الحرص على الديمقراطية، بل لفهم أن الجغرافيا لا تُنسى حتى وإن سقطت من العناوين".