في خطوة، تزيد المشهد الليبي تعقيدًا تقدم المبعوث الأممي للسلام في ليبيا عبد الله باتيلي، معتبرًا أن الأمم المتحدة"لا يمكن أن تتحرك بنجاح" دعمًا لعملية سياسية، في مواجهة قادة يضعون "مصالحهم الشخصية فوق حاجات البلاد".
وتأتي استقالة باتيلي، بعد أيام من اندلاع اشتباكات بين ميليشيات مُسلحة في طرابلس، الأمر الذي قُوبل بتحذيرات دولية من تفاقم الوضع الأمني والسياسي في ليبيا.
ودخلت ليبيا منذ 2011 في حالة من الفوضى والانقسام عقب الإطاحة بنظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، إذ عانت خلال السنوات انتشارا للجماعات الجهادية المسلحة.
وأعلن باتيلي، الثلاثاء، تأجيل مؤتمر المصالحة الوطنية الليبية المقرر عقده في 28 أبريل إلى أجل غير مسمى، منتقدا سلوك القادة الليبيين الذي وصفه بأنه "أناني".
وأشار باتيلي إلى أنه بعد اجتماع اللجنة العليا للاتحاد الإفريقي في برازافيل في فبراير الماضي، والذي خُصص لهذا البلد الذي مزقته الحرب الأهلية، "تقرر عقد مؤتمر للمصالحة الوطنية في سرت يوم 28 أبريل".
وقال محللون سياسيون، في حديث لمنصة " المشهد" إنّ استقالة المبعوث الأممي لليبيا يعيدها للمربع صفر من جديد، وهو ما يعني إطالة أمد الأزمة الليبية الحالية دون التوّصل إلى حل واستقرار سياسي في البلاد.
نسف كل التوافقات السابقة
من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية الليبي الدكتور أحمد المهداوي، إنّ استقالة باتيلي كان مُمهدًا لها منذ تعيين ستيفاني خوري، كنائب للمبعوث لاستلام زمام البعثة بعد ذلك، لأن الغرب كان يعلم أن تكليفها بشكل مباشر سيواجه بالرفض من قبل روسيا.
ورأى المهداوي في حديث للمشهد، أنّ هذه الاستقالة ستعيد الملف الليبي للمربع الأول وعودة للنقطة صفر، لافتًا إلى أنها ستنسف كل التوافقات السابقة بين مجلسي النواب والدولة لأن المبعوث الأممي الجديد سيعمل بإستراتيجية مخالفة لما كانت عليه من قبل.
أيضًا هذه الاستقالة ستطيل من عمر الأزمة الليبية وسوف يستفيد منها قوى الأمر الواقع الموجودة حاليًا في المشهد لا سيما حكومة الدبيبة، بحسب أستاذ العلوم السياسية الليبي.
وأضاف المهداوي قائلًا "هناك من لا يريد إنهاء الأزمة وهي ليست المرة الأولى التي يصرح فيها بهذا الصدد مبعوث أممي، فقد كان لكل مبعوث سابق نفس التصريح بأن هناك من لا يريد للأزمة الليبية أن تنتهي وألا يكون هناك أي توافق بين الليبيين خوفًا من فقدان مكاسب وامتيازات تحصلوا عليها بسبب الفوضى والتشظي السياسي في ليبيا".
ورأى أن باتيلي أُرغم على الاستقالة لأنه كان يريد الاستمرار في منصبه ولكن الاستقالة كانت مؤجلة وممهدا لها سلفًا.
وقال إن المشهد الليبي سيزداد تعقيدًا خصوصًا وأن العاصمة طرابلس تقبع تحت بركان قد ينفجر في أي وقت وهو اقتتال المجموعات المسلحة وبدت من خلال المناوشات التي تحدث بين الحين والآخر.
وأشار إلى أن غياب المبعوث الأممي قد يكون دافعًا لاندلاع الاشتباكات مرة أخرى للسيطرة على العاصمة طرابلس، وتحقيق استحواذ ونفوذ قبل استلام المبعوث الجديد.
وكانت الخارجية البريطانية قد حذّرت رعايا من السفر إلى ليبيا على خلفية الاشتباكات التي شهدتها العاصمة طرابلس، وحذرت من إمكانية تعرض بعض البعثات الأجنبية للخطف من قبل مسلحين.
وأكد أستاذ العلوم السياسية الليبي ضرورة أن يكون الحل في ليبيا داخليا برعاية ليبية من دون تدخلات خارجية.
وقال "إذا أعُطي الليبيون المساحة الكافية فسيكون الحل ممكنًا لا سيما وأن التيار المدني وأحزابه بدأت في رسم ملامح الحياة السياسية في البلاد"، لافتًا إلى أن هذا الأمر كان مفقودًا في وقت كانت التيارات الراديكالية الإسلامية هي من تسيطر على المشهد.
ووفقًا لمتابعين للشأن الليبي، فيوجد عشرات التنظيمات المسلحة في جميع أرجاء ليبيا، تنشط في منطقة الغرب الليبي على غرار " جهاز دعم الاستقرار" و"قوات الردع"، وهما من أقوى المليشيات، إلى جانب قوة "دعم الدستور والانتخابات" و كتيبة "فرسان جنزور" التي تتمركز غرب العاصمة وكتيبة "رحبة الدروع" بمنطقة تاجوراء.
كما يوجد أيضاً قوة "العمليات المشتركة" بمصراتة، ومليشيا "لواء الصمود"، ويوجد في منطقة الساحل الغربي قوة "البحث الجنائي" ومليشيا "حسن بوزريبة" بمدينة الزاوية المحاذية لطرابلس، بالإضافة لـ كتائب مدينتي صبراته و زوارة".
لا توجد نية للحل
بدوره، قال المحلل الإستراتيجي الليبي محمود الرملي، إنّ العالم يُدرك طبيعة وحجم الأزمة في ليبيا ولكن ليس هناك نية للتدخل من أجل فرض الاستقرار وحل المشكلة.
وقال الرملي في حديث لمنصة "المشهد" إنّ المشهد العالمي حاليًا يشهد تعددا للأقطاب، وبالتالي مسألة التوّصل إلى حل سياسي واستقرار في ليبيا مرهون بإرادة تلك القوى، لافتًا إلى أن التدخلات الأجنبية تساهم في تفاقم الأوضاع في ليبيا وليس حلها.
وأكد ضرورة أن يكون المبعوث الأممي الجديد لليبيا مُلمًا بأحداثها وتشابكاتها حتى لا يبدأ من النقطة صفر، ولكن هذا لن يحدث وفق رأي المحلل الإستراتيجي الليبي.
وأشار إلى ضرورة أن يكون لجامعة الدول العربية دورًا في حل الأزمة الليبية وكذلك بعض الدول العربية الفاعلة في هذا الشأن من أجل التوصل إلى الاستقرار.
ورأي الرملي أن الاستقرار في ليبيا سيبدأ من اكتمال مؤسساته الدستورية والتي تتمثل في وجود دستور موحد وبرلمان ليبي منتخب يعبر عن الجميع ومن ثم يحدث الاستقرار.
وقال إن بعض القوى السياسية في ليبيا لا تريد أن يكون هناك استقرار لأنهم يعرفون أن مصيرهم السياسي ومناصبهم مرهونة بالوضع الحالي، وأنه في حالة حدوث استقرار واستكمال المؤسسات في الدولة لن يكون لهم وجود على الساحة السياسية الليبية.
وأكد أن جزءا كبيرا من المشكلة في ليبيا حاليًا هو وجود ميليشيات مسلحة متصارعة وبدا ذلك واضحًا خلال الأيام الماضية بعد اندلاع اشتباكات بين تلك الفصائل، لافتًا إلى أن هذه الاشتباكات ربما كان لها دور في تسريع استقالة المبعوث الأممي في ليبيا بعد أن رأى أن الوضع غير ممهد لاستقرار سياسي.
وشدد المحلل الاستراتيجي الليبي، على أن الميليشيات المسلحة بالإضافة إلى كونها مُعرقلا للحل السياسي في ليبيا، فهي جزء من أزمة التنظيمات الإرهابية في العالم، إذ يجري تصدير هذه المجموعات إلى الدول الأخرى.
وقال "على الرغم من أن تعداد سكان ليبيا قليل بالمقارنة بمساحتها و مواردها البترولية الكثيرة، فإن السكان يعيشون في ظروف معيشية صعبة بسبب تردي الأوضاع السياسية".
وأكد ضرورة فتح تحقيق شفاف للأسباب التي تؤدي إلى فشل المبعوثين الأمميين في ليبيا والبالغ عددهم 7 حتى الآن، مضيفًا" حتى يحدث استقرار في ليبيا يجب على العالم مساعدته بالأسلحة الكافية لفرض الأمن بالإضافة إلى مساعدته في اكتمال مؤسساته الدستورية".
ورأى أن الحديث عن الحل الليبي من الداخل هي مجرد أحلام ولكن على أرض الواقع الأمر يختلف لأن هناك تدخلات لبعض الدول التي لديها مصالح في المنطقة وبالتالي الحل الداخلي ليس بالأمر الواقعي حاليًا.