بعد أسابيع من رحى حرب طاحنة، منحت الهدنة الهشة التي أُبرمت بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لـ13 يوما سكان طهران فرصة شاقة للملمة جراح مدينتهم.
وبحسب تقرير لوكالة "بلومبرغ"، فإن طهران التي تحتضن 9 ملايين نسمة باتت اليوم عبارة عن لوحة من الركام والأبراج المتفحمة التي تشهد على شدة الحرب.
تدمير آلاف المباني
ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار لأجل غير مسمى قبيل ساعات من انقضائه، لا تزال الغيوم السياسية متلبدة حيث لم تفلح المفاوضات في ردم الفجوة العميقة بشأن البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز.
وفي الوقت الذي فرضت فيه السلطات الإيرانية قيودا صارمة على تداول الصور والوصول للإنترنت، تزامنا مع حجب واشنطن لبيانات الأقمار الاصطناعية عالية الدقة، برزت دراسة حديثة لجامعة "أوريغون ستيت" استندت إلى تقنيات الرادار لترسم خريطة صادمة للدمار.
وقدّرت الدراسة وبشكل تحفظي تضرر ما لا يقل عن 7,645 مبنى في عموم البلاد منذ اندلاع الشرارة الأولى في أواخر فبراير الماضي.
وبتحليل معمق أجراه فريق الوكالة لنقاط الاستهداف في طهران، تبين أن آلة الحرب أصابت 2,816 منشأة، تداخلت فيها الأهداف العسكرية التي شكلت ثلث الضربات مع المناطق الصناعية والمدنية والتجارية، في تجسيد لما وصفته الأكاديمية نازانين شاهروكني بـ"استحالة الفصل بين النسيج العسكري والحياة المدنية" في المدن المليونية المكتظة.
ويمتد أثر الضربة الواحدة ليزعزع استقرار أحياء بأكملها متجاوزا حدود المواقع المستهدفة ليصيب قلب النسيج الحضري المترابط.
فاتورة الحرب
وبحسب الوكالة، فإن هذا التمدد العمراني الشاسع لطهران لم يشفع لأحيائها الراقية ولا لمناطقها الشعبية من طائلة القصف.
وعلى الرغم من تأكيدات البيت الأبيض بأن عملية "الغضب الملحمي" حققت مآربها بتدمير القدرات الصاروخية دون استهداف المدنيين، إلا أن الواقع الميداني في "حي ونك" و"ساحة عطار" يعكس صورة مغايرة.
وسوّيت مجمعات سكنية بالأرض وتضررت مرافق صحية كبرى كمستشفى "غاندي".
ولم تتوقف تداعيات الهجمات عند حدود المباني، بل ضربت مفاصل الاقتصاد الإيراني المنهك أصلا، حيث قدرت الحكومة كلفة الدمار بـ270 مليار دولار، وهو رقم يلامس إجمالي الناتج المحلي للبلاد، وسط توقعات ببلوغ التضخم حاجز 70%.
وقد أدى شلل قطاع الصلب في أصفهان والبتروكيماويات في "ماهشهر" إلى أزمة حادة في المواد الأولية للصناعات التحويلية والغذائية، ما يهدد بانهيار سلاسل الإمداد الحيوية.
وبينما يراهن المسؤولون في طهران على تحصيل تعويضات حرب أو فرض رسوم ملاحية في المستقبل لإعادة الإعمار، يبقى التحدي الحقيقي في مدى قدرة هذا المجتمع المنهك على النهوض مجددا.