hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 "الدارك ويب".. كيف تجنّد أجهزة الاستخبارات عملاءها في الظل؟

المشهد

"الدارك ويب".. كيف تجنّد أجهزة الاستخبارات عملاءها في الظل؟
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • بريطانيا تطلق منصة لتجنيد الجواسيس.
  • خبراء يحذرون من مخاطر التجسس السيبراني.
  • الدارك ويب ساحة للصراع الاستخباراتي.

مع تدشين الاستخبارات البريطانية (MI6) يوم الجمعة منصة افتراضية باسم "سايلنت كورير" عبر الإنترنت المظلم (الدارك ويب) لتجنيد جواسيس، ألمح محللون وخبراء في الأمن والاستخبارات وشؤون الفضاء الإلكتروني لـ"المشهد" إلى مخاطر وتحديات جمّة مع التوجه المتزايد نحو البيئات الرقمية والذكاء الاصطناعي في مجال الأمن السيبراني.

وبحسب المصدر، فإن تشغيل المنصة بالاعتماد على متصفح Tor، الذي يتيح الوصول المتخفي أو المجهول إلى "سايلنت كورير"، يوفر إمكانات تقنية عديدة على مستوى السرعة ودقة تحليل البيانات، لكنه يشير أيضاً إلى مخاطر تتعلق بدقة المعلومات وإمكانية استخدام وسائل التضليل نفسها.

ما هو الدارك ويب؟

وفي هذا السياق، يوضح الأكاديمي ومستشار شؤون الذكاء الاصطناعي في الجامعة الأميركية في الإمارات، الدكتور حكمت البعيني، أن "الدارك ويب" جزء من الإنترنت لا تظهر صفحاته في محركات البحث التقليدية، ويتطلب برامج أو إعدادات خاصة للوصول إليه، لافتاً إلى أن فيه شبكات ومجموعات مشفّرة تتيح للمستخدمين البقاء مجهولين نسبياً.

ولذلك، يُستخدم في أنشطة شرعية تتطلب خصوصية عالية (مثل تبادل معلومات حساسة في بيئات قمعية) وأيضاً في أنشطة إجرامية (أسواق غير مشروعة، تبادل برمجيات خبيثة ومنتديات متطرفة). والفارق الأساسي بينه وبين "الويب السطحي" هو درجة الإخفاء والاعتماد على تقنيات تشفير وتوثيق غير تقليدية، وليس طبيعة المحتوى بحد ذاته، وفق البعيني.

ويضيف: "الاستخبارات تستفيد من هذه الخاصية بطرق متعددة، بشكل غير مباشر وضمن إطار قانوني أو تحقيقي، حيث تراقب المنتديات والمجتمعات المشبوهة لرصد إشارات تجنيد أو خطط، وتستخدم حسابات غطاء افتراضية (covert personas) للتواصل مع مجتمعات معينة بغرض تقييم النوايا وجمع معلومات مفتاحية، وتُجري عمليات استدراج مضبوطة لكشف شبكات تجنيد أو جمع أدلة تُقدَّم في تحقيقات لاحقة".

كما تستعين الأجهزة الاستخبارية بتحليل البيانات لمطابقة الأدلة المجهولة مع هويات حقيقية، وتنسق مع جهات إنفاذ القانون لتوقيف المتورطين، وفق ما يشير مستشار شؤون الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن كل هذا محاط "بمخاطر قانونية وأخلاقية كبيرة". وعليه تُجرى هذه العمليات عادة بضوابط قضائية داخل وكالات مخولة وتحت إشراف قانوني صارم لتفادي التجاوزات أو الإضرار بحقوق المدنيين.

ويلفت البعيني إلى أنه في النزاعات الحديثة، بما فيها التصعيد الأخير مع إيران ووكلائها، يلعب "الدارك ويب" دورين متوازيين: الأول مصدر للمعلومات الاستخبارية، والثاني منصة يمكن للجماعات أن تستخدمها للتجنيد والاتصال والتمويل.

ويقول: "أجهزة الاستخبارات تراقب المنتديات والأسواق المشفّرة ومواقع التسريب على الدارك ويب بحثاً عن إشارات عن شبكات تجنيد، عروض استهداف، أو أسلحة وبيانات مسروقة، بل وتتبع أيضاً نشاطات قراصنة وحشود إلكترونية مرتبطة بدول فاعلة في النزاع، لأن أي تصعيد عسكري يرافقه عادة تصاعد في الهجمات السيبرانية وحملات التضليل الإلكتروني".

من جهة أخرى، تستفيد أجهزة الاستخبارات أيضاً من خصائص الدارك ويب (الخصوصية والهوية المجهولة) كقناة آمنة نسبياً لاستقبال مخبرين أو للتعامل مع مصادر بشرية افتراضية، وهو أمر برز حتى في مبادرات حديثة لوكالات غربية لإنشاء بوابات اتصال آمنة عبر شبكات مظللة، وفق المصدر ذاته.

وكانت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر قد صرحت بأن لندن "تعزّز جهودها باستخدام أحدث التقنيات لتمكين الاستخبارات من تجنيد جواسيس جدد للمملكة المتحدة في روسيا وحول العالم".

وفي بيان للخارجية البريطانية بالتزامن مع تدشين المنصة، جاء فيه: "تنصح الاستخبارات الأفراد الذين يستخدمون منصتها الإلكترونية بالاعتماد على شبكات VPN موثوقة وأجهزة غير مرتبطة بهم، وذلك للحد من المخاطر الموجودة في بعض الدول".

ونصح موقع الاستخبارات البريطانية العملاء المحتملين والجواسيس الافتراضيين بالاستعانة بمتصفح Tor، وطالبهم بعدم استخدام اسم أو رقم هاتف أو أي بيانات أخرى مرتبطة بهويتهم الحقيقية عند إنشاء الحساب.

الجاسوسية الرقمية

وفي حديثه إلى "المشهد"، يقول المحاضر في الأمن الاستراتيجي والعميد السابق في المخابرات الأردنية عمر الرداد إن إنشاء لندن موقعاً استخباراتياً افتراضياً يندرج ضمن إطارين: الأول الحرب الاستخباراتية والتنافس على تجنيد العملاء للحصول على المعلومات، وهي حرب معروفة بين بريطانيا وروسيا منذ الحرب الباردة، وليست أمراً جديداً على خلفية المستجدات الدولية والصراع الجيوسياسي بين أوكرانيا وروسيا.

أما الإطار الثاني، فهو مرتبط بنشوء البيئات الافتراضية والتقنيات الحديثة بفعل التطور في مجال الاتصال ودخول مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية إلى مجال الأمن والاستخبارات، وهو ما بات يُعرف بـ"الأمن السيبراني".

ويضيف الرداد: "هذه الاستخدامات الإلكترونية في عمليات التجسس وجمع المعلومات ازدادت مع تنامي مساحات استخدام التكنولوجيا وتغلغلها في جوانب شتى بالحياة، وبرز ذلك بشكل واضح مع مرحلة الذكاء الاصطناعي".

ويشير الرداد إلى مخاطر هذه الحرب التي تتوسع وتفرض تأثيراتها على المستوى الأمني والسياسي، مستذكراً "ما أُشيع حول تدخل هاكرز في العمليات الانتخابية في كثير من المناطق، خصوصاً في الولايات المتحدة التي اتهمت روسيا والصين وإيران عام 2024 بمحاولة اختراق الانتخابات والتأثير على الحملات الانتخابية وتوجهات الناخبين".

ويتابع: "المواقع السوداء هي مواقع حقيقية أو أسلوب اتصال وسيط بين الطرفين يستخدم الإنترنت في عمليات الاتصال، وتتميز بإخفاء الهوية بشكل تام. كما تُستخدم عمليات تشفير معقدة جداً في فك الرسائل الصوتية والكتابية سواء في حالة الإرسال أو الاستقبال، وهذا جزء من العمل الاستخباراتي".

يتفق في الرأي ذاته الخبير بالشؤون الإستراتيجية والأمنية الدكتور إبراهيم عيسى العبادي، الذي يرى أن استخدام الاستخبارات للإنترنت المظلم كمنصة لتجنيد العملاء والبحث عن الجواسيس يعكس تطوراً كبيراً في إستراتيجيات الجاسوسية الرقمية، حيث أصبح هذا الفضاء المخفي "أداة حيوية" لضمان السرية والأمان في عمليات حساسة، خصوصاً مع إمكانية الوصول إلى أفراد في بيئات معادية، مما يتيح لهم تقديم معلومات من دون تعريض حياتهم للخطر.

ويقول لـ"المشهد": "هذا التحول لا يعزّز فقط كفاءة التجنيد، بل يفتح آفاقاً جديدة لجمع المعلومات في عالم يتسم بالرقابة المتزايدة".

لكن هناك مخاطر وتحديات يوضحها الخبراء، إذ يُعد الدارك ويب "أرضاً خصبة للجرائم الإلكترونية والتجسس المضاد".