يتقدم التفاوض ويزداد الاستنفار، سباق بين خطّين متوازيين، واحد يبحث تفكيك الأزمة وآخر يؤدي لانفجارها، إيران كما يبدو تتجه نحو تغيير يطال نظامها، عبر طرق مختلفة منها تقديم التنازلات الخارجية والداخلية، ومنها "الضغوط القصوى"، لكن لطهران خطوط حمراء هل تتخلى عنها أم تترك الأمور تذهب باتجاه الفعل الأقصى؟ وبينما تستمر العملية التفاوضية يبحث العسكريون شكل الحرب واختلافها، فالاحتمالات متعددة، من ضربة صغيرة أو محدودة إلى اشتعال معركة طويلة.
في البداية يؤكد مصدر إيراني لمنصة "المشهد"، أنّ اشتعال الحرب بمواجهة واسعة، ليس أمرًا سهلًا، فإيران "ساحة عمليات" غير قابلة للسيطرة البرية، كما لو أنها مسرح صغير ومحدود، ويصفها بالقارة المصغرة والمحاطة بسلاسل جبلية كألبرز وزاغروس، إضافة لامتلاكها كتلة بشرية كبيرة ومسلحة، وبنية أمنية وعسكرية مصممة لمراكمة الاستنزاف، لا لتلقّي الضربات بصمت. ومقابل هذه التحضيرات الإيرانية، حشدت واشنطن قوة ضخمة لا يمكن الاستهانة بها، وحضّرت إسرائيل قواتها لمواجهة غير عادية.
خياران أمام أميركا
الخطط العسكرية في الوقت الحالي أمام خيارين: حملة جوية هدفها تفكيك الشبكة العسكرية الأمنية الإيرانية وإخراج أجزاء منها من المعادلة، أو حرب بحرية وحصار يرميان إلى خنق الشرايين الاقتصادية، ودفع طهران للعودة إلى طاولة التفاوض وهي أكثر استعدادًا للتنازل. وما بين الخيارين مساحة رمادية تتسع لضربات، أو موجات قصف محددة، أو ضغط سيبراني واقتصادي يرافق العمل العسكري من دون الإعلان عن حرب شاملة.
والحرب، إن وقعت، هل ستكون "ضربة خاطفة" بالمعنى التقليدي، أم عملية تُدار على أسابيع، لأنّ الخصم ليس هدفًا واحدًا بل منظومة مترابطة. وفي هذا السياق، يلفت العميد المتقاعد الدكتور حسن جوني، إلى أنّ "السيناريو الأكثر ترجيحًا في حال اندلاع مواجهة عسكرية، لا يتضمن غزوًا برّيًا أو احتلالًا للأراضي الإيرانية". ويؤكد أنّ الحديث عن حرب برية واسعة النطاق يبدو مستبعدًا، ليس فقط بسبب الكلفة السياسية، بل أيضًا بسبب تعقيدات الجغرافيا الإيرانية، وحجم الدولة وطبيعة بنيتها العسكرية.
وهذا ما يتفق معه المتخصص بالدراسات الأمنية والإستراتيجية الدكتور إيلي الهندي، فيعتبر أنّ "خيار العملية البرية غير مطروح إطلاقًا لدى الأميركيين، لأنه يعني عمليًا احتلال إيران، ولا أحد في واشنطن مستعد لتحمل كلفة ومسؤولية خطوة من هذا النوع". بما أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يبدو مستعدًا لتحمل كلفة الفوضى داخل إيران أو في المنطقة، إذن، ما هي الخطوات المطروحة وهل ستؤدي لتغيير ميداني؟
هذا السؤال يعاود طرح فكرتين، "ضربة خاطفة" أم "حملة تمتد لأسابيع"، فكل السيناريوهات العسكرية قيد الدرس، معيار الفاعلية هو مدى استعداد النظام الإيراني للعودة إلى طاولة المفاوضات، وتوقيع اتفاق يتناول النووي والصواريخ البالستية والميليشيات الحليفة. ويرى الهندي أنه بحسب التجربة، "من غير المرجح أن يرضخ النظام لضربة محدودة، بل قد يزداد تشددًا، ما يجعل المفاوضات أكثر تعقيدًا. لذلك، فإنّ أيّ ضربة لا تؤدي إلى تغيير جذري في سلوك طهران، ستكون مكلفة وغير فعالة".
ولكنّ الضربة "الفعالة" تعني عمليًا إما تغييرًا جوهريًا في موقف إيران، أو الأمر الأصعب أي إضعاف كبير للنظام يؤدي لانهياره، وهو سيناريو لا يرغب فيه ترامب حاليًا، لما يحمله من تبعات لا يريدها.
ويشرح جوني أنّ المواجهة في الغالب ستقتصر على حملة جوية مكثفة تنطلق من حاملات الطائرات، وربما بدعم لوجستي من بعض القواعد البرية في المنطقة.
تحركات داخلية واسعة
غير أنّ الشكل العسكري، يبقى مسألة ثانوية أمام الهدف السياسي من هذه الحرب؟ فإذا كان يتجاوز الإخضاع إلى تغيير النظام نفسه، فإنّ المعادلة تختلف جذريًا. ففي هذه الحالة، لن تكون الضربات مقتصرة على أهداف عسكرية تقليدية، بل ستتسع لتطال بنية النظام ومؤسساته وقياداته العليا. ويذهب جوني إلى أنّ الحديث عن تغيير النظام يقتضي، من حيث المنطق، استهداف "مفاصل القرار" لا "الأطراف"، بدءًا من رأس الهرم، وصولًا إلى القيادات الأمنية والعسكرية، غير أنّ هذا المسار، في رأيه، لا يمكن أن يتحقق بالقوة الجوية وحدها، بل يتطلب تزامنًا مع تحركات داخلية واسعة ومنظمة داخل إيران، بما يشمل احتجاجات ممنهجة ومنسقة تستطيع أن تلتقط أثر الضربة الخارجية وتحوله إلى دينامية سياسية داخلية.
وبما أنّ التغيير لا يعني فقط إزاحة النظام القائم، بل يفتح فورًا على معضلة البديل: فإسقاط السلطة مسألة، أما إدارة الدولة في مرحلة انتقالية فمسألة أشد تعقيدًا، خصوصًا في ظل التعددية الداخلية الإيرانية، وتشابك البنى الاجتماعية والسياسية، وصلابة الأجهزة الأمنية التي أثبتت قدرتها على التماسك حتى الآن. وبرأي الهندي، فإنّ "السيناريو الأكثر واقعية قد يكون مرحليًا: تبدأ الولايات المتحدة بضربة تهدف إلى إخضاع النظام، ثم تتحول لاحقًا إلى استهداف أوسع إذا لم تحقق الضربة أهدافها السياسية. لكنّ هذا المسار يحمل معه مخاطر تصعيد متدرج قد يخرج عن السيطرة".
إذًا، كيف تبدأ الحرب "من الجو"؟ منطق الحرب الحديثة يقول إنك لا تبدأ بضرب القلب إن كان الصدر ما يزال مدرعًا. لذلك في الساعات الأولى، إذا اتخذ القرار، تكون الأولوية لشل "العيون والأعصاب": الرادارات، وشبكات الدفاع الجوي، ومراكز القيادة والسيطرة، والاتصالات. الهدف تحقيق أمر واحد وهو فتح ممر آمن في السماء، يسمح بتكرار الضربات لاحقًا بأقل خسائر. هذه الضربة الافتتاحية تشبه قطع الكهرباء عن نظام كامل، فإذا نجحت فتحت الباب لحملة طويلة تعيد تشكيل ميزان القوة، وإذا تعثرت تحولت الحرب إلى مقامرة مكلفة.
الردع الإيراني.. ليس نظريًا
أما الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة الإيرانية فتأثيرها المحتمل يكمن في الرأي العام، إذا نجحت في إحداث خسائر بشرية كبيرة وخصوصًا في إسرائيل. ويرى إيلي الهندي أنّ "مقتل أعداد محدودة من الجنود الأميركيين، قد يخلق أزمة سياسية داخلية لواشنطن، حتى لو لم يؤثر في المسار العسكري. لهذا تسعى الولايات المتحدة، عبر الحشد الجوي والبحري والبري والتنسيق مع إسرائيل وربما أطراف أخرى، إلى تقليص احتمالات سقوط خسائر مؤثرة في الرأي العام، حتى في حال إطلاق موجات كثيفة من الصواريخ الإيرانية".
ويلفت حسن جوني إلى أنّ قدرات إيران الصاروخية والمسيّرات، تشكل عنصر توازن إستراتيجي لا يمكن تجاهله. فالمواجهة التي استمرت 12 يومًا بين إسرائيل وإيران في يونيو، أظهرت قدرة الصواريخ البالستية الإيرانية على الوصول إلى أهدافها رغم وجود منظومات دفاع صاروخي متطورة إسرائيلية وأميركية. صحيح أنّ نسبة الاختراق لم تكن مرتفعة، لكنها كانت كافية لإثبات أنّ الردع الإيراني ليس نظريًا.
أما المسيّرات، وخصوصًا من طراز "شاهد"، فهي دخلت معادلات الحرب بسبب انخفاض كلفتها وسهولة إنتاجها بكميات كبيرة. وهي، أداة فاعلة لاستنزاف منظومات الدفاع الصاروخي وفتح المجال أمام الصواريخ البالستية للعبور.
بعد تحييد جزء مهم من الدفاعات، تنقسم الحملة عادة إلى مسارين متوازيين، الأول نوويًا، وهنا تستهدف مواقع ذات رمزية ووظيفية مثل نطنز في محافظة أصفهان، وفوردو قرب قم، بوصفه هدفًا بالغ التحصين داخل الجبل، وبارشين جنوب شرق طهران بصفته عقدة عسكرية حساسة، وأراك وخنداب في محافظة مركزي باعتبارهما مرتبطين بمسار المياه الثقيلة والنظائر.
"الضربة الثانية"
أما المسار الثاني فيستهدف المنظومة الصاروخية بهدف تجريد إيران من "الضربة الثانية"، هذا المسار هو الأكثر إلحاحًا، لأنّ الرد الإيراني ليس افتراضًا، بل جزء من العقيدة. إلا أنّ ضرب المنظومة الصاروخية لا يشبه ضرب مصنع واحد، إنها شبكة مبنية على التشتيت والأنفاق والتمويه والمنصات المتحركة، خصوصًا في أحزمة زاغروس غربًا، وفي عمق البلاد شرقًا ووسطًا.
وعند نقطة معينة، يقترب "الهدف السياسي"، فيدخل الحرس الثوري على الخط، هنا يصبح السؤال في واشنطن وتل أبيب أقل عسكرية وأكثر سياسية: هل المطلوب إضعاف القدرة العسكرية والنووية أم إضعاف النظام؟ استهداف عقد الحرس الثوري، من مقارّ قيادة ومخازن وأذرع تشغيل وشبكات تعبئة كالباسيج، قد يبدو منطقيًا لمن يريد كسر عمود النظام الفقري، لكنه يحمل فخًا: كثير من هذه المواقع متداخلة مع عمران كثيف. وإذا تحولت الحرب إلى صور ضحايا مدنيين داخل المدن، فإنك تمنح النظام ما يحتاجه في زمن الحرب: التلاحم القومي وشرعية "الدفاع عن الوطن".
ثم يأتي البحر، حتى لو بدأ الصراع في الجو، من شبه المؤكد أنه سينزلق سريعًا إلى البحر، لأنّ طهران تمتلك "زر تصعيد" لا يخص إسرائيل وحدها ولا القواعد الأميركية فقط، بل يخص الاقتصاد العالمي: مضيق هرمز. عند هذه النقطة تبرز عقد جغرافية شديدة الحساسية، بندر عباس في هرمزغان كعقدة بحرية ولوجستية، والجزر المفصلية في المضيق وحوله كمنصات سيطرة ونيران، ونقاط تصدير الطاقة الحساسة مثل خرج والنطاق الصناعي الساحلي في بوشهر وعسلويه. وإذا دخلت الحرب هذا الباب، فإنها لا تبقى عسكرية فحسب، تصبح حربًا على أسعار الطاقة، والتأمين البحري، وسلاسل الإمداد العالمية.
لهذا، "الحرب المحتملة" ليست قرارًا واحدًا، بل سلسلة قرارات تحت النار: كم هدفًا يُضرب؟ كم أسبوعًا تستمر الحملة؟ أين يوضع السقف؟ وكيف يُمنع البحر والوكلاء في اليمن ولبنان والعراق من تحويلها إلى أزمة عالمية؟ هنا تتضح الحقيقة، لأنه لا توجد ضربة نظيفة. يوجد فقط خياران، ضربة تدار لتبقى تحت العتبة، أو ضربة تطلق سلسلة أحداث تجبر الجميع على الصعود إلى أعلى سلّم التصعيد.
وفي هذا السلّم، ثمة نقاط إذا تم تجاوزها تصبح الحرب أقرب إلى "شاملة"، استهداف القيادة العليا مثل الزعيم علي خامنئي بوصفه خطًا أحمر يفتح باب التصعيد الواسع، أو ضربة مواقع نووية غير حاسمة تدفع طهران إلى خيارات أكثر تشددًا، أو ضرب الطاقة والبنى التصديرية الكبرى بما يعني تدويل الأزمة، أو حادث بحري كبير في هرمز يجر إلى اشتباك ممتد يصعب إيقافه. ولهذا من المتوقع أن تدار الحرب على قاعدة "كسر القدرة من دون كسر النظام"، لكنّ الخط الفاصل بينهما يظل رفيعًا، خصوصًا عندما تبدأ الصواريخ بالسقوط وتتعطل الملاحة.