hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 الحرس الثوري أم المرشد.. من سيحكم إيران بعد الحرب؟

المشهد

ما بعد الحرب في إيران.. هل يبدأ عصر "الحرس الثوري"؟ (رويترز)
ما بعد الحرب في إيران.. هل يبدأ عصر "الحرس الثوري"؟ (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • نظام "الولي الفقيه" يشهد ضغوطًا عنيفة داخلية بفعل سياساته.
  • من اللافت صعود الاحتجاجات في مدن إيرانية عدة ضد الفريق التفاوضي.
  • مراقبون: مآلات نظام "الولي الفقيه" هي الانحسار نظرًا للتآكل في شرعيته.

ثمّة معضلة رئيسة تعترض النظام في إيران مع انحسار الحرب، إثر الاتفاق المرتقب مع الولايات المتحدة، وهي تداعيات أو مآلات المرحلة التي تعرضت فيها البلاد لاهتزازات بنيوية، وقد شكلت تداعيات جمّة، بعضها خفي والآخر معلن، على جسد السلطة.

تحولات مزمنة

ورغم أنّ الجسد السياسي للسلطة في طهران، قد يملك القدرة على المقاومة، موقتًا، ويُبرز مناعة تجاه الحوادث التي تعرّض لها، ولا تتضح بالتبعية الآثار والخروقات بالكلية في اللحظة الراهنة، إنما هناك جملة حوادث تشي بأعراض وتحولات مزمنة.

وليس خافيًا أنّ نظام "الولي الفقيه" يشهد ضغوطًا عنيفة داخلية بفعل سياساته التي راكمت احتجاجات لدى فئات عديدة، سياسية ومجتمعية، وتقف على النقيض من ممارساته التي استنزفت موارد البلاد في الصراعات المحلية كما الإقليمية، وكذلك دعم وكلائه الميلشياويين بالمنطقة.

إلا أنّ المتغير الذي شكّل انعطافة قصوى مع الحرب التي اندلعت نهاية فبراير الماضي، ومقتل قادة مركزيين في صفوف النظام في قمّتهم المرشد الإيراني علي خامنئي، هو خفوت منصب "الولي الفقيه" وصعود "الحرس الثوري" وأجهزته العسكريتارية المتشددة، بما يؤشر إلى تحول جوهري في طبيعة العقد السياسي والاجتماعي الذي حكم سلطة الملالي منذ 4 عقود.

ومن اللافت صعود الاحتجاجات قبل أيام في مدن إيرانية عدة، منها العاصمة طهران، بعد الإعلان عن التوصل لاتفاق يُفضي إلى إنهاء الحرب وكذلك الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز.

فالاحتجاجات، التي اتهمت الفريق التفاوضي ومنهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي بالتفريط في مصالح طهران، تُبرز ما هو أبعد من مجرد تباينات في الرؤى أو تناقضات داخل أجنحة السلطة، بل هي خروقات سمحت بتدفق آلاف الإيرانيين في تظاهرات تبعث برسالة واضحة، مفادها إضعاف طرف في الحكم يتم تهميشه عمدًا أو قسرًا مقابل طرف آخر يتسيّد قمة الهرم السياسي ويعلن عن نفوذه.

وقد تزامنت الاحتجاجات مع تصريحات للنائب محمود نبويان، نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، قال فيها إنّ مسوّدة الاتفاق المقترحة، تمنح واشنطن دورًا فاعلًا في تحديد مستقبل البرنامج النووي الإيراني. كما عدّ بعض البنود المتعلقة بمخزون اليورانيوم المخصب، بأنها تمثل تنازلات كبيرة.

تآكل شرعية النظام

وفي حديثه لمنصة "المشهد"، أكد المعارض الإيراني رئيس لجنة القضاء في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية الدكتور سنا برق زاهدي، أنّ مآلات نظام "الولي الفقيه" هي الانحسار بفعل تآكل شرعيته، خصوصًا في ظل الانهيارات المتتالية المتسببة فيها سياسات الملالي، ووصلت ذروتها إلى الحرب التي اندلعت في نهاية فبراير، بما كبّد المواطنين خسائر فادحة برزت تداعياتها على الاقتصاد، وكذلك تدنّي مستوى المعيشة وتسريح المؤسسات في القطاعين العام والخاص للعاملين، الأمر الذي ضاعف من الأزمات.

غير أنّ نقطة رئيسة تسببت فيها الحرب، تتمثل في التحول البنيوي داخل النظام الذي يشهد ميلًا حادًا نحو صعود الجهاز العسكريتاري ويمثله "الحرس الثوري"، ثم ضعف نفوذ المرشد الإيراني وفي قمته مجتبى خامنئي، والأخير يكاد أن يكون مجرد "رمز" من دون فاعلية أو قدرة على إدارة الأمور السياسية، المحلية والإقليمية، وفق ما يقول زاهدي.

ولهذا، يوضح المعارض الإيراني رئيس لجنة القضاء في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، أنّ شروط تغيير النظام باتت "واقعية أكثر من أيّ وقت مضى"، لافتًا إلى أنّ الاحتجاجات مرشحة في إيران أن تعاود التموضع من جديد وتتصاعد حدتها، الأمر الذي برز مع عودة الإنترنت الذي شهد انقطاعًا مع اندلاع الحرب، وقد ساد الفضاء الرقمي مواقف جمّة، تُبرز امتعاض فئات عديدة سياسية ومجتمعية من استنزاف موارد البلاد في الحروب كما في دعم الوكلاء.

وتابع: "التغيير بات ضرورة حتمية في إيران. فالنظام في طهران لن يكون بمقدوره الاستمرار في مقاومة المعارضة الوطنية التي تتشكل ضده، من خلال توسيع دائرة العنف والملاحقات الأمنية والإعدامات المتواصلة، خصوصًا في ظل انحسار نفوذه وتنامي التناقضات والفجوات بين أجنحته التي تفضحها الصراعات المحتدمة ورغبة "الحرس" في الاستحواذ والهيمنة".

عوامل حاسمة

ومن جهته، قال مدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، الدكتور محمد الزغول، إنّ مستقبل النظام الإيراني خلال السنوات المقبلة، سيتحدد إلى حد كبير بفعل مجموعة من العوامل الحاسمة، وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي الذي تعرّض لضغوط غير مسبوقة نتيجة سنوات من العقوبات الدولية، والحروب التي خاضتها طهران خلال العامين الماضيين، فضلا عن الأضرار التي لحقت بالبنية الاقتصادية من جرّاء استهداف منشآت حيوية، من بينها مرافق البتروكيماويات وبرامج إستراتيجية أخرى.

وأوضح الزغول في تصريحات لمنصة "المشهد"، أنّ العامل الاقتصادي سيكون الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل المشهد السياسي الإيراني، وقد يُفضي إلى صعود قوى سياسية جديدة وتراجع أخرى، في ظل حاجة النظام الملحة إلى احتواء التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للحرب ومنع عودة موجات الاحتجاج الداخلي.

وأضاف أنّ العامل الثاني يتمثل في التغييرات القسرية التي طرأت على بنية القيادة الإيرانية، نتيجة سياسة الاغتيالات التي استهدفت شخصيات بارزة في المؤسستين العسكرية والسياسية، ما أدى إلى إعادة "رسم موازين القوة" داخل النظام، وصعود مراكز نفوذ جديدة، وفي مقدمتها "الحرس الثوري".

نفوذ "الحرس الثوري"

كما أشار إلى أنّ الحرب وما ترتب عليها من غياب أو تحييد لعدد من القيادات التقليدية، عززا من نفوذ "الحرس الثوري" في عملية صنع القرار، خصوصًا بعض المؤسسات التابعة له، مثل مقر "خاتم الأنبياء"، الذي تولى إدارة جانب كبير من المواجهة العسكرية خلال فترة الحرب، ما جعله أحد أبرز مراكز التأثير في المرحلة الراهنة.

ولفت مدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، إلى أنّ عددًا من المؤسسات السيادية التي كانت تضطلع بأدوار رئيسة في إدارة الدولة، تراجع حضورها أو توقفت عن ممارسة وظائفها بصورة طبيعية، سواء بسبب استهداف قياداتها أو نتيجة الظروف الأمنية.

من بين هذه المؤسسات المجلس الأعلى للدفاع، والمجلس الأعلى للعلاقات الإستراتيجية، ومجمّع تشخيص مصلحة النظام، بالإضافة إلى مجلس الشورى ومكتب المرشد، وهي مؤسسات كانت تشكل منظومة صناعة القرار في "الجمهورية الإسلامية".

إذًا، المشهد الحالي يكشف عن تمركز السلطة الفعلية في 3 أطراف رئيسة، وفق الزغول، هي: المجلس الأعلى للأمن القومي، و"الحرس الثوري"، والقيادة العليا الجديدة مع الدائرة الضيقة المحيطة بها، في حين تراجعت أدوار المؤسسات الأخرى أو أصبحت محدودة التأثير مقارنة بما كانت عليه في السابق.

ولفت الزغول إلى أنّ الحكومة ووزارة الخارجية، رغم أهميتهما التنفيذية، لا تمثلان مراكز مستقلة لصنع القرار الإستراتيجي، بل تضطلعان أساسًا بتنفيذ السياسات التي ترسمها المؤسسات السيادية والأمنية العليا.

وختم حديثه قائلًا، إنّ مستقبل النظام الإيراني سيتحدد وفق طبيعة التوازنات والتنافس بين مراكز القوة الـ3 الرئيسة. غير أنّ العامل الاقتصادي سيظل المحدد الأبرز لمسار المرحلة المقبلة، نظرًا لارتباطه المباشر بقدرة النظام على الحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع تجدد الاحتجاجات، وهو ما يمثل أولوية قصوى بالنسبة إلى دوائر صنع القرار في طهران.

واقع راهن

إلى ذلك، يشير الأكاديمي والمحلل السياسي عيسى العميري، إلى أنّ احتمالات التغيير في طهران باتت واقعًا راهنًا في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجهها البلاد، وتتراكم منذ أعوام.

ويقول لـ"المشهد": "رغم صعوبة التنبؤ بمسار الأحداث بشكل دقيق، إلا أنّ العديد من المؤشرات الحالية، تسمح برسم بعض السيناريوهات المحتملة لمستقبل النظام الإيراني، وشكل السلطة خلال المرحلة المقبلة. فمنذ عام 1979، تأسس النظام على مبدأ "ولاية الفقيه"، حيث يحتل المرشد الأعلى موقع السلطة العليا في الدولة، بينما تتوزع الصلاحيات بين المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية. 

من اللافت أنّ العقود الماضية شهدت تناميًا ملحوظًا في نفوذ المؤسسات العسكرية، وفي مقدمتها "الحرس الثوري" الإيراني، الذي تحوّل من قوة أمنية وعسكرية، إلى لاعب رئيسي في الاقتصاد والسياسة وصناعة القرار".

انتقال تدريجي

بالتالي، فمن المرجح أن يشهد المستقبل السياسي في طهران "انتقالا تدريجيًا" لمركز الثقل داخل النظام، من المؤسسات الدينية التقليدية إلى المؤسسات العسكرية والأمنية، وفق العميري.

وقد عزا ذلك إلى تمفصل "الحرس" بمؤسسات الدولة، فضلا عن دوره المؤثر في الملفات الإقليمية والإستراتيجية. كما أنّ التحديات الأمنية التي تواجهها إيران تدفع النظام بصورة متزايدة إلى الاعتماد على الأجهزة العسكرية لضمان الاستقرار الداخلي وحماية مصالحه.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، قد يصبح النظام الإيراني أكثر ميلا إلى الطابع العسكري، مع بقاء الغطاء الديني قائمًا من الناحية الشكلية والدستورية، بحسب العميري.

كما رجح تراجع النفوذ المباشر للمرشد الإيراني لصالح مؤسسات جماعية أو مراكز قوى متعددة، يكون لـ"الحرس" أن يؤدي فيها دورًا أكبر من السابق، مع الأخذ في الاعتبار أنّ الحديث عن تآكل كامل لسلطة المرشد، يبدو "أمرًا غير مرجح" في المدى القريب.