تمثّل الوثيقة الإستراتيجية الأميركية لعام 2025 "تحوّلًا جوهريًا" في أولويات واشنطن، إذ تُعيد الولايات المتحدة رسم دورها العالمي وترتيب ساحات نفوذها وفق مبدأ جديد يمكن تلخيصه في "أميركا أولًا.. ونصف الكرة الغربي أولًا"، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، موضحين أن الإشارة لـ"نظام عالمي جديد" قد يقوِّض النفوذ الأميركي ويفتح المجال للصين وروسيا.
ووفق المصادر ذاتها، فإن السياسة "أحادية الجانب" كما برزت في الوثيقة الأميركية، قد تساهم في تسريع "الانحدار الإستراتيجي" للولايات المتحدة داخليًا وخارجيًا.
وثيقة الأمن القومي الأميركي
وكان الرئيس الأميركي قد أعلن الجمعة الماضية عن وثيقة الأمن القومي الأميركية، لرئاسته في الولاية الثانية، حيث شهدت انعطافة حادة في بعض القضايا والملفات، حيث لم يعد التركيز كما في السابق على آسيا ومواجهة الصعود الصيني.
وبدا لافتا إشارة ترامب إلى ضرورة حلحلة وضع النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية، والذي صاغت أسسه الولايات المتحدة، وإعادة تعريف النظام الجديد من خلال مبدأ "أميركا أولا".
الوثيقة المكونة من 29 صفحة تقر بأن سياسات ترامب تنبني "قبل كل شيء بما يصلح لأميركا". وترى في مواجهة القوى الصاعدة والمهيمنة مثل الصين ضرورة، لكن من دون أن "يعني هدر الدماء والأموال للحدّ من نفوذ جميع قوى العالم العظمى والمتوسطة".
فيما تشير الوثيقة إلى تراجع نصيب أوروبا في الاقتصاد العالمي، لافتة إلى أن "التراجع الاقتصادي يطغى عليه احتمال حقيقي وأكثر وضوحًا يتمثل بالمحو الحضاري.. إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فلن يعود من الممكن التعرّف على القارة في غضون عشرين عاما أو أقل".
إلى ذلك، عرجت الوثيقة على الشرق الأوسط الذي تراجع الاهتمام به، وقد صاغت قطيعتها مع "هدف أميركا التاريخي للتركيز على الشرق الأوسط" وقالت إنه "سيتراجع".
فالوثيقة حددت الأميركيتين والكاريبي ضمن المجال الإستراتيجي الأكثر حيوية وأهمية، بينما ركزت في هذا السياق على منع توغل بكين أو موسكو فيه، وذلك مع التأكيد على خفض التزاماتها العسكرية والسياسية التقليدية في أوروبا كما الشرق الأوسط وآسيا، لحساب الأمن الداخلي.
مبدأ "أميركا أولًا"
ترى المحللة السياسية الأميركية وعضو الحزب الجمهوري إيرينا تسوكرمان أن وثيقة الأمن القومي لترامب في ولايته الثانية هي "أقرب إلى بيان حملة انتخابية من لغة لها حمولة إستراتيجية حول الأمن القومي"، موضحة في حديثها لـ"المشهد"، أن الوثيقة تمزج بين "سياسات تحمل نبرة عدائية وتهديدات عشوائية"، ومن دون وضوح تنبني عليه سياسات وشراكات عملية في العالم ومع حلفاء واشنطن، ما يجعل "الحلفاء يظهرون أحيانًا كأعداء إلى جانب الصين وإيران".
وتردف: "التركيز على "السيادة" و"القوة" يفتقر إلى الوضوح، حيث تبالغ الوثيقة في تقدير قدرة الضغوط الأحادية على إحداث أثر عالمي، والانعزال إلى الأمن الداخلي من مبدأ "أميركا أولا" لا يبدو كافيًا، خصوصًا مع التقليل من أهمية التحالفات والقواعد الدولية".
تشير الإستراتيجية أيضًا إلى فكرة "نظام عالمي جديد" والانفصال عن النظام القائم منذ عام 1945، ما قد يقوض "البنية التي عززت النفوذ الأميركي" لأكثر من ثمانية عقود، ويتيح للصين وروسيا تحديد المعايير الجديدة التي تضمن لهم النفوذ البديل في التكنولوجيا والتمويل واستخدام القوة، وفق المحللة السياسية الأميركية وعضو الحزب الجمهوري.
4 تهديديات رئيسية
النتيجة المرجحة، وفق تسوكرمان، هي تسريع "الانحدار الإستراتيجي للولايات المتحدة"، حيث تتم "التضحية بالقيادة المستدامة" لصالح "عروض مسرحية قصيرة المدى" على حد توصيفها.
من جهته، يقول الباحث المختص في الشؤون الأميركية الدكتور كمال الزغول إن الوثيقة تحمل 4 تهديدات رئيسية:
- الصين باعتبارها منافسًا اقتصاديًا عالميًا ومهددًا لسلاسل التوريد.
- روسيا بوصفها تهديدًا إقليميًا ينبغي احتواء نفوذها خارج أوروبا.
- الهجرة وتهريب المخدرات بوصفهما تهديدات مباشرة للأمن القومي.
- الاعتماد الاقتصادي على الخارج بوصفه ثغرة إستراتيجية يجب معالجتها.
وعلى هذا الأساس، تقترح الوثيقة موازنة النفوذ الصيني عبر إعادة التصنيع إلى الداخل الأميركي، ومنافسة مشروع "الحزام والطريق"، وتفكيك النفوذ الصيني في أميركا اللاتينية، مع تشديد الرقابة على تقنيات الاتصالات والطاقة، وفق الزغول في حديثه لـ"المشهد".
ويتابع: "أما في أوروبا، فتؤكد الوثيقة ضرورة أن تتحمّل الدول الأوروبية عبئها الدفاعي، في ظل ما تعتبره واشنطن "تعثر النمو الأوروبي وانحرافاته السياسية". فالاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة لم يعد ممكنًا كما في السابق".
الوجود في الشرق الأوسط
وفي الشرق الأوسط، تعيد الوثيقة إنتاج التوجهات التي عبّر عنها ترامب سابقًا، من التركيز على الدولة الوطنية والانسحاب التدريجي من سوريا والعراق، إلى إعادة توجيه الاهتمام نحو آسيا وسباق التسلح مع الصين، والأمن السيبراني والفضائي، وفق الباحث المختص في الشؤون الأميركية.
فمع الوثيقة الجديدة، تسعى واشنطن إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الوجود العسكري والاكتفاء بمكافحة الإرهاب ومنع توسع النفوذ الإيراني–الصيني، مع تجنب الحروب الطويلة ومشاريع "التحويل الديمقراطي".
وتضع الوثيقة الأمن الاقتصادي في قلب الأمن القومي، من خلال دعم الصناعات الوطنية، خصوصًا التكنولوجيا والطاقة والصناعات الدفاعية، إلى جانب استخدام العقوبات الاقتصادية والتجارية كأداة رئيسية، بحسب الزغول، لافتًا إلى الانتقال من نموذج "القوات المنتشرة عالميًا" إلى قوة ردع مركّزة في مناطق مختارة، مع التركيز على التفوق الجوي والبحري والصاروخي، وتوسيع قدرات الذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفاع المتقدمة.
تحول جذري
وبذلك، تقدّم الوثيقة "تحوّلًا جذريًا" في موقع الولايات المتحدة داخل النظام الدولي، إذ تقلل أدوارها التقليدية خارج القارة، وتعظم نفوذها داخل الأميركيتين، وتدير علاقتها مع الصين بمنطق "المنافسة لا الحرب". ويعاد دمج عناصر من عقيدة جيمس مونرو مع عقيدة ثيودور روزفلت في إطار جديد يمكن وصفه بـ"عقيدة ترامب".
انعكاسات الإستراتيجية تبدو واسعة، إذ تؤدي إلى تجميد الصراعات بدلًا من حلّها، وتمكين دول إقليمية من بناء دفاعات أقوى وربما امتلاك تكنولوجيا تسليحية متقدمة، وفق المصدر ذاته، ذلك بما يمهّد لمرحلة توازنات أكثر تعقيدًا بعد انتهاء ولاية ترامب.
كما تمثل خطوة إضافية نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب تتحدد قوته بالاقتصاد أكثر من السلاح. وقد "نشهد سباقًا خفيًا للتسلح وفجوات مفاجئة في العقدين المقبلين، مع تحولات في سياسات الدول على أساس مصالحها العليا لا على أساس التحالفات التقليدية".
ويختتم الزغول حديثه قائلاً: "ورغم أن الولايات المتحدة تعود إلى نزعة انعزالية واضحة، فإن التجارب التاريخية تُظهر أن الانعزال الأميركي لم يصمد في الحربين العالميتين، وأن الانكفاء غالبًا ما أنتج قوى تكنولوجية وعسكرية هائلة. والمفارقة اليوم أن الصين كانت تعمل في الخفاء، بينما الولايات المتحدة تذهب الآن إلى إدارة الصراع من خلف الستار، وهو ما يضاعف احتمالات المفاجآت المقبلة".