عندما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نهاية خطاب استمر 100 دقيقة الثلاثاء تعليق مشاركة روسيا في معاهدة "ستارت" الجديدة - آخر اتفاقية باقية للحد من التسلح بين أكبر قوتين نوويتين - كان ذلك بمثابة أحدث علامة على أن حقبة السيطرة الرسمية على الأسلحة التي استمرت لعقود قد تكون على وشك النهاية.
أوضح بوتين أنه لن ينسحب من المعاهدة التي تنتهي صلاحيتها في فبراير 2026، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.
وبعد ساعات من الخطاب، أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن موسكو لا تنوي نشر المزيد من الأسلحة النووية الاستراتيجية - من النوع الذي يمكن أن يعبر القارات - خارج حدود المعاهدة التي تبقي على الجانبين 1550 سلاحا نوويا.
وضع ذلك جانبا على الأقل في السنوات القليلة المقبلة، احتمالية استئناف سباق التسلح بين أكبر قوتين نوويتين.
لكن الفرص تتضاءل بسرعة في أن تجد روسيا والولايات المتحدة في خضم الحرب في أوكرانيا والاتهامات المتبادلة على نطاق لم نشهده منذ عقود، طريقهما للجلوس للتفاوض بشأن معاهدة بديلة.
إعلان بوتين أوضح أنه سيمنع المفتشين الأميركيين من التحقق من الامتثال للمعاهدة مرة أخرى أنه يعتبر ترسانته النووية عنصرًا رئيسيًا من عناصر القوة.
وأوضحت الصين أنها عازمة على بناء ترسانة بحجم ترسانة واشنطن وموسكو، حيث اكتشف المفتشون الدوليون الآن دليلاً جديدًا على أن إيران تحرز تقدمًا سريعًا في صنع وقود نووي شبه قنبلة.
أمضت كوريا الشمالية عطلة نهاية الأسبوع في اختبار صواريخها الباليستية العابرة للقارات، في حين تشير كل علامة إلى أن العالم قد يكون على وشك الدخول في حقبة جديدة من الاختراق النووي.
سباق تسلّح
قد يواجه كل من يجلس في البيت الأبيض عندما تنتهي المعاهدة في أكثر من 1000 يوم بقليل عالماً جديداً سيبدو للوهلة الأولى مشابهاً لما كان عليه قبل نصف قرن عندما كان العالم يتسابق للتسلح.
لقد كان تذكيرًا بمدى هشاشة القيود القليلة المتبقية على الأسلحة النووية في جميع أنحاء العالم، بعد 14 عامًا من دعوة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في خطاب توقيعه في براغ جميع القوى للعمل نحو "عالم خالٍ من الأسلحة النووية".
وقال جون ولفستال، وهو أحد كبار مستشاري مجموعة "غلوبال زيرو" التي تعمل على إلغاء الأسلحة النووية إنه يخشى إعلان بوتين، في حين أن الإعلان سياسي أكثر منه عسكري.
وأضاف ولفستال الذي عمل مع الرئيس بايدن عندما كان نائبًا للرئيس أنه "من المرجح تأجيج الدعوات المتزايدة للولايات المتحدة لتوسيع ترسانتها النووية للتنافس مع روسيا وإظهار الصين أنها لا تستطيع اللحاق بنا".
تفتيش
وبحسب التقرير، تم تعليق عمليات التفتيش النووية خلال جائحة كوفيد-19 عندما لم يتمكن المفتشون من أي من الجانبين من الوصول إلى روسيا أو الولايات المتحدة.
لكن خلال العام الماضي، ومع رفع قيود السفر توصّل الروس إلى أسباب لرفض عمليات التفتيش واتهموا كما فعل بوتين مرة أخرى الثلاثاء، أن الولايات المتحدة لا تفي بمتطلبات التفتيش الخاصة بها أيضًا.
المسؤولون الأميركيون أصروا قبل أشهر عدة على أنهم حلّوا مشكلات الوصول للمواقع النووية وسيسمحون بدخول المفتشين الروس طالما أن المفتشين الأميركيين يتمتعون بحقوق متبادلة.
تحتفظ الولايات المتحدة برؤية كبيرة للترسانة الروسية، خصوصا مع الأقمار الصناعية التي تتعقب التحركات النووية لموسكو.
إن التمديد لمدة 5 سنوات لمعاهدة ستارت الجديدة التي وافق عليها الرئيسان بايدن وبوتين في الشهر الأول من رئاسة الرئيس الأميركي هو التمديد الوحيد المسموح به بموجب الاتفاقية التي تم التفاوض عليها خلال فترة أوباما.
وهذا يعني أنه يجب صياغة معاهدة جديدة تمامًا، بينما يصر المسؤولون الأميركيون على أنهم يريدون التفاوض على اتفاقية جديدة فمن الصعب بشكل متزايد تخيل حدوث ذلك في 3 سنوات مقبلة.
ما هي الأسباب؟
- السبب الأول:
لا يوجد اتصال فعلي بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث بدأت " محادثات الاستقرار الاستراتيجي " التي اتفق عليها بايدن وبوتين في يونيو 2021 خلال اجتماعهما الوحيد وجهاً لوجه كرئيسين بحوار واعد.
اتفق الجانبان لفترة وجيزة على التحدث عن الحد من التسلّح التقليدي وما يجب فعله بأسلحة "جديدة" بما في ذلك مجموعة من الأجهزة النووية الجديدة قيد التطوير من قبل روسيا.
بدورهم، فإن الروس يريدون قيودًا على ما تسميه الولايات المتحدة "ترقيات" لأسلحتها، لكن تلك المناقشات لم تبدأ وجرة تعليقها بعد بدء الحرب في أوكرانيا.
- السبب الثاني:
الثقة بين البلدين شبه معدومة، حيث لم يتحدث بوتين وبايدن بشكل مباشر منذ أكثر من عام.
في الفترة التي تلت ذلك، وصف بايدن الرئيس الروسي بأنه مجرم حرب، فيما وصف بوتين الرئيس الأميركي بالمعتدي في أوكرانيا.
في السرّ، يقر المسؤولون الأميركيون أحيانًا أنه حتى لو تفاوضوا على معاهدة جديدة فسيكون من المستحيل تقريبًا تخيل مجلس الشيوخ يصادق عليها في ظل هذه الظروف.
- السبب الثالث:
لا تغطي المعاهدة بصيغتها الحالية الأسلحة النووية التي يقلقها العالم كثيرًا في النزاعات مثل أوكرانيا - "الأسلحة النووية في ساحة المعركة" أو الأسلحة النووية التكتيكية التي هدد بوتين بشكل عرضي بتوظيفها ضد القوات الأوكرانية.
- السبب الرابع:
لم تعد معاهدة أخرى بين موسكو وواشنطن منطقية للعديد من الخبراء النوويين.
ويقدّر البنتاغون الآن أن الصين التي تعمل على توسيع ترسانتها بسرعة، يمكن أن تنشر 1500 سلاح في 10 سنوات مقبلة، بما يضاهي الترسانات الأميركية والروسية.
ومع ذلك، قال وزير الخارجية أنتوني بلينكن الثلاثاء بعد خطاب بوتين إنه سيكون على استعداد للتفاوض بشأن معاهدة جديدة "من الواضح أنها تصب في المصالح الأمنية لبلدنا".
وأضاف أن إعلان بوتين كان "مؤسفًا للغاية وغير مسؤول"، وأشار إلى أن الولايات المتحدة لن تغير التزامها بالمعاهدة بغض النظر عما فعلته روسيا.