hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 "لن أتخلى عن أرضي".. المستوطنون يشنّون حربا على قاطفي الزيتون الفلسطينيين

القدس - المشهد

موسم قطف الزيتون في فلسطين من المواسم التي تحمل الفرح والبهجة (رويترز)
موسم قطف الزيتون في فلسطين من المواسم التي تحمل الفرح والبهجة (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • مركز التراث الفلسطيني: موسم الزيتون عرس وطني ومصدر رزق ويدخل في صناعات عدة.
  • مزارعة فلسطينية: طقوس وأكلات وأغان شعبية قديمة ترافقنا طوال موسم قطف الزيتون.
  • هيئة الجدار والاستيطان: عنف الجيش الإسرائيلي والمستوطنين تسبب بصعوبات بالغة على المزارعين.

في هذه الأيام من كل عام، تتزاحم أقدام الكبار والصغار في الأراضي الزراعية، يجددون الطقوس والحكايات التي توارثوها عن أجدادهم وقت الحصاد، في لوحة فنية تمتزج فيها الأحاديث والأهازيج ويطلق عليها فلسطينياً "العرس الوطني التراثي"، لتجدد فصول الحكاية ورمزية تمسك الفلسطينيين بشجرة الزيتون التي لا تكاد تخلو حديقة أو حقل منها، فهي عنوان "الصمود" و"الوجود".

تشتهر بلدة بيت جالا الملاصقة لمدينة بيت لحم، بأجود أنواع زيت الزيتون وتعد الأغلى سعراً، وتغدو أشجار الزيتون في ربوعها الخلابة فرداً من أفراد العائلات، وتعيش معهم عشرات السنين، ويتوارثون صكوك ملكيتها جيلاً بعد جيل، مها السقا الناشطة الثمانينية في مجال التراث الفلسطيني والحفاظ على الهوية والموروث الثقافي الشعبي، تعبر لمنصة "المشهد" عن شدة فرحتها وعائلتها وأحفادها بمجرد بروز حبات الزيتون الخضراء والسوداء، للبدء بالاحتفاء البهيج بالموسم السنوي الذي ينتظرونه بلهفة وشغف.

تقول الناشطة السقا من بيت جالا لمنصة "المشهد" إن "أغصان الزيتون رمز السلام و المحبة واقترن اسمها بفلسطين، وهي شجرتها القومية، وسفيرة هويتها الوطنية للعالم، وهذا الموسم بمثابة عرس وطني يجمع كل الفلسطينيين على شجرة واحدة، وفيه الكثير من المظاهر الفلكلورية المتوارثة منذ زمن الكنعانيين، وشجرة الزيتون قديمة ومعمرة، نستفيد من الزيت والخشب والجفت والأوراق، كذلك تدخل في صناعة الدواء والغذاء والمنتجات الحرفية والتراثية"، وختمت بالقول: "في نظر الفلسطيني، الزيتون قيمة لملكية الأرض والتشبث بها، وتكسو جبالنا وطبيعتنا بخضرتها وروعتها، وحاضرة معنا في كل المناسبات ".

رمزية تاريخية

أثناء التنقل بين البلدات والمرور بالقرى الفلسطينية، يمكن ملاحظة أن أشجار الزيتون تغطي مساحات ساشعة من السهول والجبال على مد البصر، في صورة تبقى بمخيلتك للأبد، وبحسب وزراة الزراعة الفلسطينية، تمثل 45% من الأرض الفلسطينية المزروعة، وتضرب جذورها عميقاً منذ آلاف السنين، ويعمل بها قرابة 100 ألف أسرة تشكل لهم مصدر غذاء ودخل رئيسي، وتعتبر شجرة الزيتون عامل صمود وثبات يرتبط بها الفلسطينيون منذ الأزل، وجدانياً، وتاريخياً، وثقافياً.

وحول تمسك الفلسطينيين بالموسم السنوي رغم الصعاب والتحديات المحدقة بهم، وأشهر العادات الشعبية التي ترافق موسم قطف ثمار الزيتون، ترويها لمنصة "المشهد" المزارعة محفوظة اشتية (75 عاماً)، من قرية سالم شرق مدينة نابلس، صاحبة الصورة الشهيرة في العام 2004، أثناء التحامها واحتضانها لشجرة الزيتون التي اقتلعها الجيش الإسرائيلي من أرضها ونكل بها، فلقبت بـ"سيدة الزيتون".

أكدت الحاجة المزارعة لـ"المشهد" ارتباطها الوثيق بأرضها وأشجار الزيتون التي سعت وتسعى السلطات الإسرائيلية لمصادرتها، وأشارت إلى أنه "على الرغم من كل الصعاب والعراقيل التي يضعونها أمامي، أعود في كل موسم حصاد إلى أرضي ولن أتخلى عنها مهما بلغت التحديات"، وأكملت حديثها عن الطقوس التي ترافق الموسم الذي ينتظره الجميع بفارغ الصبر، "في كل عام من موسم حصاد الزيتون، يستغل الفلاحون والمزارعون، أيام الجني من أجل إحياء الفعاليات التراثية القديمة، فعلى سبيل المثال لا تغيب الملابس التراثية التقليدية التي يرتديها المزارعون وعائلاتهم عن اليوم الأول، وطوال الموسم نقوم بصنع الطعام الفلاحي القديم، وهو عبارة عن خبز الصاج، وقلاية البندورة، وزيت الزيتون والزعتر، والجبنة البلدية، وطبخة المقلوبة، وتظل طقوس الحصاد قائمة حتى يوم عصر الزيت في المعصرة، والمتمثلة بترديد الأغاني الشعبية والوطنية، من أجل التغلب على الإرهاق والتعب".

تحديات ومضايقات وخسائر

اعتبرت المؤسسات الحقوقية الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية، أن "الموسم الحالي هو الأخطر على محاصيل الفلسطينيين وحياتهم، في ظل ما تعيشه مختلف المناطق من اعتداءات دامية وغير مسبوقة"، وبفعل تصاعد اعتداءات الجيش الإسرائيلي وهجمات المستوطنين، تتوقع وزارة الزراعة الفلسطينية، عدم قدرة المزارعين من الوصول لـ80 ألف دونم من المساحة المزروعة بالزيتون، وبالتالي خسارة 15% من الإنتاج.

وفي هذا السياق، أكد المسؤول في هيئة الجدار والاستيطان مراد اشتيوي لـ"المشهد"، "يواجه قطاع الزيتون في فلسطين مخاطر كثيرة، أبرزها وأكثرها تأثيراً الإجراءات الإسرائيلية وهجمات المستوطنين العنيفة، خلال هذا الموسم تعرضت أكثر من 46 قرية فلسطينية لاعتداءات شرسة من قبل القوات الإسرائيلية والمستوطنين المسلحين، مما تسبب بإتلاف نحو 600 شجرة زيتون منذ بداية شهر أكتوبر 2024، ومنع المزارعين من جني المحاصيل وحرمانهم من الوصول لأراضيهم، يضاف إلى ذلك سلسلة الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون الإسرائيليون على المزارعين الفلسطينيين، من بينها تدمير ممتلكاتهم، وسرقة أدوات القطف وثمار الزيتون، وتحطيم مركباتهم، والاعتداء عليهم بالترهيب والضرب واطلاق النار صوبهم، كما أن عشرات المواقع شهدت تحطيم وحرق وتسميم أشجار الزيتون مما تسبب بخسائر اقتصادية فادحة، يأتي ذلك وسط إنتاجية ضعيفة للآلاف من أشجار الزيتون التي تقع خلف جدار الفصل العنصري، حيث تمنع السلطات الإسرائيلية الفلسطينيين من دخول أراضيهم".

قطف الزيتون يغيب في غزة

على وقع التضييق والهجمات، تعيش أغلب المناطق في الضفة الغربية حالة من التوتر، وتصاعداً في حجم وتوسع الانتهاكات الإسرائيلية، وتسببت سلسلة الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون الإسرائيليون المسلحون في ارتقاء أكثر من مزارع ومزارعة بنيرانهم، وجرح عشرات الشبان حيث يقومون بمهاجمتهم أثناء قطف الزيتون.

حال المزارع الفلسطيني ماهر عودة (53 عاماً) من بلدة قصرة جنوبي مدينة نابلس، كحال بقية الفلاحين الذين يعانون الويلات من جراء الممارسات الإسرائيلية بحقهم، حيث واجه عودة خطر الموت الحقيقي أثناء هجوم المستوطنين المسلحين عليه وعائلته أثناء وجودهم في الحقل لقطف الزيتون، قائلاً لـ"المشهد": "لولا لطف الله لكنت الآن في عداد الموتى، بفعل كمية الرصاص الذي أطلقه علينا مجموعة المستوطنين المسلحين الذين هاجمونا، يسعون لتهجيرنا من القرية والاستيلاء على أراضينا بهدف التوسع الاستيطاني على حسابنا، لكن ذلك لن يمر إلا على أجسادنا، نحن نعتني بشجرة الزيتون طوال العام، من أجل هذه اللحظات الجميلة، لكن الفرح يتحول لقلق وحزن" وأضاف "هذا الموسم تعرضنا لسرقة المحصول، ووضع العراقيل لكي لا نصل أراضينا، والأوضاع آخذة بالتعقيد أكثر فأكثر".

وحرم أهالي قطاع غزة للعام الثاني على التوالي من زيت وزيتون الموسم، بفعل استمرار الحرب الإسرائيلية، واتساع رقعة دمار الحقول الزراعية بنسبة وصلت لأكثر من 85% وتقلص المساحات المزروعة، وانعدام المقومات الحياتية للأهالي وتهجيرهم من أماكن سكنهم ونزوحهم المتواصل، وعدم مقدرتهم على التنقل والحركة بفعل القصف والحصار الإسرائيلي.