في أزقة البلدة القديمة في القدس الشرقية، حل الصمت محل أجواء الفرح والبهجة التي اعتادها المؤمنون المسيحيون المحتفلون بعيد الفصح، إذ طغت أجواء الحرب وقيودها على المشهد ومنعت الوصول إلى قبر السيد المسيح في كنيسة القيامة.
عيد الفصح بالقدس
على طول الطريق المؤدي إلى الكنيسة، حيث صلب المسيح ودُفن وقام من بين الأموات وفقا للتقليد المسيحي، أقامت الشرطة الإسرائيلية حواجز وفتشت عددا من المصلّين سُمح لهم بالاقتراب من الكنيسة.
وبعيد الفجر، وصل بطريرك اللاتين الكاردينال بيرباتيستا بيتسابالا برفقة عدد من رجال الدين وحيّا المؤمنين الموجودين في المكان وهنّأهم بعيد الفصح، بحسب صحفيي وكالة "فرانس برس".
وداخل كنيسة القيامة، أقام قداسا خلف الأبواب المغلقة وأمام جمهور محدود جدا، في أجواء لا تشبه احتفالات عيد الفصح في السنوات السابقة.
وحاول عدد من المسيحيين الذين كانوا ينتظرون خارج الكنيسة دخولها، لكن قوات الأمن الإسرائيلية حالت دون ذلك.


ولطالما حضر أوتمار واسرمان (65 عاما) احتفالات عيد الفصح. غير أنّ هذا الكاثوليكي الذي وصل من تل أبيب، لم يتمكّن من دخول الكنيسة هذه المرة.
وقال: "كيف يمكن إبلاغي أنني لا أستطيع الذهاب إلى الكنيسة؟ هذا غير مقبول".
ومنذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط بعد هجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير، تشهد مدينة القدس التي تضم مواقع دينية مقدسة لليهود والمسلمين والمسيحيين، تدابير أمنية مشددة.
وخلال قداس عيد الفصح داخل كنيسة القيامة، قال الكاردينال بيتسابالا: "هنا، داخل هذا القبر، نحن لسنا أمام رمز فقط، نحن نستشعر فراغًا حقيقيًا. نحن نقف في المكان الذي دُحرج منه الحجر، ومع ذلك نعلم جيدًا أن العديد من القبور ما زالت مغلقة حولنا. الكثير من القبور حُفرت مرة أخرى بالكراهية والعنف والانتقام".
والأسبوع الماضي، منعت الشرطة الإسرائيلية بطريرك اللاتين من دخول كنيسة القيامة لإقامة قداس أحد الشعانين، ما أثار غضبا واسعا، قبل أن يعود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عن قرار المنع، ويسمح له بالوصول إلى الكنيسة.
ومنذ اندلاع الحرب، سقطت شظايا صواريخ إيرانية أو صواريخ اعتراضية في البلدة القديمة، بما في ذلك بالقرب من قبر المسيح والمسجد الأقصى والحي اليهودي.
والأحد، قال نتانياهو في رسالة لمناسبة عيد الفصح: "في هذه الأرض التي بدأت فيها القصة، نواصل حماية حرية العبادة لجميع الأديان بثبات، خصوصا في هذا الزمن المقدس".
ينتمي معظم المسيحيين الفلسطينيين إلى الطائفة الأرثوذكسية، التي تحتفل بعيد الفصح في 12 أبريل.
ويرى الجزء الأكبر منهم أنّ الحرب والقيود التي ترافقت معها، منعتهم من الاحتفال بعيد الفصح وانتزعت من هذه المناسبة مضمونها الروحي.
وقالت كريستينا توديراس (44 عاما) التي وصلت من رومانيا: "هذا الأمر صعب جدا على الجميع لأن هذا عيدنا، من الصعب حقا أن ترغب في الصلاة وأن تأتي إلى هنا ولا تجد شيئا. كل شيء مغلق".
وازدادت مشاعر الإحباط مع إغلاق المحال التجارية المستمر منذ الأيام الأولى للحرب.
ومثل مؤمنين كثر، اكتفت توديراس بمتابعة القداس الذي أقيم في موقع قبر المسيح عبر شاشة التلفزيون.
أما هدى الإمام وهي فلسطينية من القدس الشرقية فأوردت: "لم أتخيل يوما أن نمنع من الوصول إلى الكنيسة. إغلاق القبر المقدس يعني أن يتوقف قلب حياتنا الثقافية والروحية".
وأضافت :"عيد الفصح ليس مجرد حدث نحضره، إنه جزء من كياننا".
أما واسرمان الذي لم يتقبّل بسهولة فكرة عدم التمكن من دخول الكنيسة، فقال لـ"فرانس برس": "يجب أن أعترف بأنني شعرت ببعض الإحباط".
واستذكر الاحتفالات السابقة بعيد الفصح، مشيرا إلى أنّ "الأجواء كانت مذهلة. والناس الذين كانوا يذهبون إلى هناك لديهم إيمان عميق".
وعلى الرغم من خيبة أمله، رأى أنّ القيود المفروضة مبرّرة؛ لأنّها تتعلّق بأسباب أمنية، مشيرا الى أن حديث السلطات عن خطر "يعني أنّ هناك خطرا" بالفعل.
كذلك بالنسبة إلى الأب برنارد بوجي، الذي كان يستعد لحضور قداس في كنيسة أخرى قرب قبر المسيح، فقد أبدى تفهما للإجراءات الأمنية، معربا في الوقت ذاته عن اعتقاده بأنّ هناك "تفاوتا في تطبيق القوانين".