لم يكن 7 أكتوبر 2023 يوما عاديا على إسرائيل أو الفلسطينيين، خصوصا أنّ صباح السبت حمل أخبارا سيّئة للحكومة الإسرائيلية التي تفاجأت بهجوم نفذته حركة حماس في غزة على مدن وبلدات غلاف القطاع.
وبعد ساعات عدة، أحصت وزارة الصحة الإسرائيلية عشرات القتلى، لتستفيق على إعلان الحركة المسلّحة بإطلاقها عملية "طوفان الأقصى" التي ووفق محللين عسكريّين وسياسيّين ومؤرخين، تعدّ الأكثر قوة ودموية منذ عقود.
وعقب توالي سقوط القتلى من كلا الجانبين، سارع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو إلى إعلان "الحرب" على "حماس".
وقال في أحدث تصريحاته، إنّ ردّ إسرائيل على هجوم حماس سيغيّر الشرق الأوسط وسيغيّر معالم قطاع غزة.
وفي أكثر من مناسبة، حذّرت إسرائيل من أنّ "حماس" تحاول جرّها نحو حرب بريّة، وهو ما كانت تل أبيب تحاول تفاديه، إلا أن الأنباء الأخيرة باتت تلقي إشارات عن قرب تنفيذ "دخول برّي للجيش الإسرائيليّ في قلب القطاع".
وصباح الاثنين، وجّه نتانياهو تعليماته للجيش بطلب استدعاء 300 ألف جندي احتياط، في إشارة إلى أنّ الحرب باتت أمرا واقعا خصوصا أنّ الطائرات الحربية لم يهدأ قصفها على غزة منذ الأحد.
وسقط في الأحداث الأخيرة، نحو 800 قتيل إسرائيلي بالإضافة إلى عشرات الأسرى، فيما قُتل أكثر من 600 فلسطينيّ في قطاع غزة.
وصرّح نتانياهو، "أمرت بتعبئة واسعة النطاق لقوات الاحتياط ونردّ على إطلاق النار بحجم لم يعرفه العدو".
حرب غير مُعلنة
اللواء الطيار المتقاعد والمحلل الاستراتيجي مأمون أبو نوار، قال في تصريح لمنصة "المشهد"، إن ما قامت وتقوم به إسرائيل من ممارسات على الأرض هو "حرب من دون أن تُعلن عنها".
وأضاف أنّ إسرائيل "تُحاصر قطع غزة وباقي مدنها وتقطع عنها المياه والغذاء. هذا كلّه يعدّ حربا وإن لم تُعلن عنها بشكل صريح".
وتابع: "من النادر جدا أن تعلن إسرائيل الحرب بطريقة صريحة، ولكن كل ما تقوم به في الأيام العادية هو بمثابة حرب".
وحول قرار الكابينت الأخير بإعلان الحرب على غزة، أكد أبو نوار أنّ ذلك "كان إعلانا صريحا من إسرائيل"، وهو من المرّات القليلة جدا التي تصدر عن الحكومة الإسرائيلية.
حرب أم عملية عسكرية؟
وقال أبو نوار إنّ ما جرى بعد إطلاق "طوفان الأقصى" يُعدّ إعلان حرب من قبل الحكومة الإسرائيلية.
وأضاف الخبير العسكري أنّ هناك فرقا واضحا بين الحرب والعمليات العسكرية.
وكشف أنه في العملية العسكرية، فإنّ العلاقات السياسية والاقتصادية تبقى كما هي بين الدول ولا تتأثر سوى جزئيا.
وأوضح أبو نوار أنه بإعلان الحرب "ينتهي كل شيء. بدءا من الاتصالات إلى مبادرات اتفاقيات السلام وغيرها من المبادئ التي كانت تحكم الأطراف المتنازعين".
ولفت إلى أنّ إعلان نتانياهو الحرب على "حماس"، هو إعلان حرب على قطاع غزة بأكمله، كما أنه "لا يُفهم منه سوى الحرب على السلطة الفلسطينية، لأنّ الحركة هي بالنهاية جزء من المكوّن الشعبي الفلسطيني، وإن كانت السلطة ليست على وفاق مع حماس".
واعتبر أبو نوار أنّ الممارسات الإسرائيلية خصوصا في السماح للمتسوطنين اقتحام الأقصى في أكثر من مناسبة، وتنفيذ عمليات في مدن الضفة الغربية ومخيماتها، وأخيرا ما يجري في قطاع غزة "يُظهر النيّة التوسعية الإسرائيلية وتجاوز الاتفاقات والمواثيق الدولية".
ما أسباب إعلان الحرب؟
أكد الخبير العسكري أنّ سبب الحرب يكمن في أنّ إسرائيل تريد تسجيل ولو نصر يمكّن الحكومة أن تسوّقه للرأي العام.
وأضاف المصدر ذاته أنّ "نجاح حماس في التكّتم عن المعلومات قبل نشوء عمليّتها وقبل الاقتحام الخاطف، كان في منتهى الدقة على الرغم من قلّة الإمكانات".
واعتبر أبو نوار أنّ "حماس" تفوقت على مختلف قدرات الاستشعارات والمجسّات الإسرائيلية كالأقمار الاصطناعية وبرامج التجسّس المتطورة.
وقال: "التكتم المطبق على مراحل إعطاء المعلومات والتدريبات والهجوم المختلفة، نتج عنه صدمة امتدت إلى داخل وخارج إسرائيل".
وأوضح أنّ خيارات إسرائيل محدودة وصعبة جدا في استعادة بلدات ومدن غلاف غزة، مبيّنا، "سوف ينتج عن عمليتها بالتأكيد حرب مبانٍ دموية، وستأخذ وقتا طويلا على الرغم من تزويد الجيش الإسرائيلي بالإمدادات والعتاد العسكري".
وأضاف أبو نوار، "الحديث عن تزوّد إسرائيل بألف دبابة و40 كتيبة عسكرية يُظهر مدى رغبتها في تحقيق نصر يُحسب لها أمام العالم".
وأكد أنّ "إسرائيل تملك أقوى جيوش المنطقة، إلا أنّ هذ الأخير ضعيف داخليا وهو ما استغلته حماس".
بروتوكول هانيبال
وفيما أكدت الولايات المتحدة الاثنين مقتل 9 أميركيين في إسرائيل، منذ بدء الهجوم المباغت الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل، بات هناك سؤال مطروح حول كيفية تحرير الأسرى.
وفي ظل قيام مسلحي "حماس" بأسر العشرات من الإسرائيليّين واقتيادهم نحو داخل القطاع، أكد أبو نوار أنّ ورقة الأسرى تشكّل ضغطا هائلًا على الحكومة الإسرائيلية.
وتساءل الخبير العسكري: "هل إسرائيل مستعدة لاستخدام بروتوكول هانيبال في الحرب التي أعلنتها؟".
وأكد أنّ البروتوكول يعطي الحقّ للجيش بقتل الخاطف والمخطوف.
والبروتوكول هو "كود" لتوجيه عسكريّ يطبّقه جيش الدفاع الإسرائيلي في كيفية ردّ الوحدات الميدانية عند أسر جنديّ منه من قبل قوات معادية.
وشدّد أبو نوار على أنّ المرحلة الثانية التي سيعمد إليها الجيش الإسرائيلي، هو تنفيذ هجوم برّي في غزة لحفظ ماء الوجه أمام شعبه، وهو ما خشيته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
هجوم برّي
وفي حديثه عن الحرب البرية، أكد أبو نوار أنّ العالم لن يسمح باستمرار إسرائيل في حرب برّية داخل قطاع غزة، "لأنها ستكون دموية أكثر من الحرب الجوية".
وقال إنّ هناك "غزّة فوقية وغزة تحتية، والمقصود بها الأنفاق وستكون حرب دموية لا يمكن لإسرائيل الخروج منها بسهولة".
وشدد على أنّ العالم لن يقف متفرّجا على الحرب البرية التي ستكون دموية.
وأضاف أبو نوار: "أعتقد أنّ الدول لن تتحمل رؤية الإسرائيليّين والفلسطينيين يذبحون بعضهم بعضا للوصول إلى جريمة إبادة جماعية بحق الطرفين".
جبهات أخرى
وبعد إطلاق بعض القذائق من الجنوب اللبناني على الواجهة الشمالية لإسرائيل، أكد أبو نوار أنه بات هناك احتمال قويّ لتوسيع الجبهات في الحرب الدائرة بين الجيش الإسرائيلي و"حماس".
وقال اللواء الطيار المتقاعد، إنّ من "المحتمل توسع جبهة داخلية في الضفة الغربية ونشوب حرب أهلية أكثر من تدخّل من قبل حزب الله اللبناني".
وأضاف أبو نوار أنّ هناك احتمالية ضعيفة حاليا، لأن يتدخّل "الناتو الإيراني" المكوّن من إيران و5 دول عربية لطهران مجموعات عسكرية فيها.
واعتبر أنّ كلّ ذلك بدأت إسرائيل تحسبه في الساعات الأخيرة، "لذلك قامت الولايات المتحدة بإرسال حاملة طائرات إلى شرق المتوسط، لأنّ هناك توقعات بأن تمتدّ الحرب لدول الجوار".
وانتهى أبو نوار بالتأكيد أنه "لا خيار لدى إسرائيل بضرب إيران عسكريا".
وتبنت سرايا القدس، الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، الهجوم على الحدود اللبنانية الإسرائيلية في وقت سابق من اليوم الاثنين، وقالت إنه جزء من عملية "طوفان الأقصى".
وكشفت "سرايا القدس" تفاصيل العملية حيث قالت إن 7 "جنود صهاينة" أصيبوا في العملية التي نفذت بعد ظهر الاثنين في جنوب لبنان عند الحدود مع إسرائيل.
وكانت "سرايا القدس" قد أعلنت عن توجيه ضربة صاروخية كبيرة نحو تل أبيب ردًا على الأحداث التي تحصل بحق المدنيين في قطاع غزة.
من جهة أخرى، نفى مسؤول في حزب الله، الاثنين، أن يكون الحزب قد نفذ أي عملية داخل إسرائيل، في إشارة إلى الاتهامات التي توجه للحزب بإطلاقه صواريخ من الجنوب اللبناني في اتجاه شمال إسرائيل.
وقال مصدران مقربان من حزب الله ومصدر أمني لبناني إن أحد عناصر حزب الله قُتل في قصف إسرائيلي على جنوب لبنان اليوم الاثنين.