ثمّة مؤشرات عديدة على وجود انعطافة لافتة في مسارات النفوذ الإيراني بالإقليم، وتعرض شبكاته الميلشياوية بالمنطقة إلى صدمات وانحسار بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
هذه الانعطافة، التي تتباين درجاتها وحدّتها في محاور إقليمية عدة، تتماس مع مؤثرات عدة، بعضها سياسي وأمني على خلفية الاستهدافات التي تعرضت لها الأذرع العسكرية لـ"الحرس الثوري" كما هو الحال مع "حزب الله" في لبنان، وبعضها الآخر اقتصادي نتيجة ما طاول بنى ومؤسسات إيران التمويلية من هجمات مدوية وفي قطاعات حيوية وإستراتيجية، خصوصًا قطاعي الصلب والبتروكيماويات.
فك الارتباط مع إيران
ومن اللافت أن الحرب التي اندلعت في نهاية فبراير الماضي، بعثت باحتجاجات عديدة سياسية، ولدى قطاعات وحواضن اجتماعية متفاوتة، تطالب بضرورة حلحلة الارتباطات البنيوية بين هذه القوى الميلشياوية وسلاحها المتفلت وغير الشرعي مع إيران، خصوصًا مع الأثمان الهائلة التي تكبدتها بلدان مثل لبنان والعراق في ظل تقويض سيادتهما، وتعريض مساحات من جغرافيتها إلى خروقات جمّة تحت وطأة النزاعات الدموية، وحالات النزوح والقتل المتكررة.
وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون قد صرح اليوم بأن الهدف من المسار التفاوضي مع إسرائيل هو إنهاء الحرب، مشددًا على أن من جرّ البلاد للحرب هو من يرتكب "الخيانة"، في إشارة من دون تسمية لـ"حزب الله" الذي يواصل تعميم اتهامات تلفيقية بأن التفاوض "خطيئة".
رغم أن تقييم تداعيات الحرب الأخيرة على إيران لا يزال مبكرًا، فإن مؤشرات اقتصادية وعسكرية وسياسية متراكمة تشير إلى تحولات عميقة في بنية الدولة ونفوذها الإقليمي. فقد تكبد الاقتصاد الإيراني خسائر كبيرة، خصوصًا في قطاعي البتروكيماويات والصلب اللذين يشكلان ركيزتين أساسيتين للإيرادات وفرص العمل، ما أدى إلى تراجع الإنتاج وارتفاع البطالة واحتمال تفاقم الاحتقان الاجتماعي، بحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".
وقد أظهرت الحرب استنزافًا في القدرات العسكرية وتراجعًا في فاعلية بعض أدوات الردع، بحسب المصادر ذاتها، وذلك إلى جانب تضرر شبكة الحلفاء الإقليميين، ما انعكس على توازن ما يُعرف بـ"محور النفوذ" الإيراني.
مؤشرات يصعب تجاهلها
وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول مدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات الدكتور محمد الزغول، إنه الحديث عن تداعيات الحرب الأخيرة لا يزال مبكرًا نسبيًا، خصوصًا على المديين المتوسط والبعيد، لكن بعض المؤشرات الميدانية والاقتصادية بدأت ترسم ملامح أولية لتحولات عميقة داخل إيران، يصعب تجاهلها في أي قراءة مستقبلية.
ويوضح الزغول أن الحرب، إلى جانب سنوات طويلة من العقوبات الدولية، خلّفت آثارًا بالغة على بنية الاقتصاد الإيراني، تحديدًا في قطاعين يُعدّان من ركائزه الأساسية، وهما البتروكيماويات والصلب. إذ يُعد قطاع البتروكيماويات أحد الأعمدة الرئيسة للاقتصاد الإيراني في ظل العقوبات المفروضة على صادرات النفط الخام. ومع تراجع عائدات النفط بفعل القيود الدولية، لجأت طهران خلال الأعوام الماضية إلى تعزيز هذا القطاع باعتباره بديلًا إستراتيجيًا أكثر مرونة، نظرًا لصعوبة إخضاع منتجاته بالكامل لمنظومة العقوبات، ما جعله مصدرًا مهمًا للإيرادات وفرص العمل.
غير أن الضربات التي طالت هذا القطاع خلال الحرب، بحسب تقديرات متداولة داخل إيران، وجهت له خسائر كبيرة انعكست مباشرة على الإنتاج وفرص التشغيل بما ضاعف حجم البطالة، بحسب مدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات.
الأمر ذاته ينطبق على قطاع الصلب، الذي يُصنّف كثاني أهم قطاع صناعي في البلاد بعد البتروكيماويات، لما يوفره من وظائف واسعة وارتباطه المباشر بعدد كبير من الصناعات الثقيلة والخفيفة. وقد تعرض بدوره لأضرار وصفت بالجوهرية، ما أدى إلى تراجع قدرته الإنتاجية.
تقديرات رسمية
فيما تشير تقديرات رسمية إيرانية إلى خسارة نحو مليون فرصة عمل نتيجة تداعيات الحرب، إلا أن توزيع هذه الخسائر على القطاعين الرئيسيين السابقين يكشف أن ما يزيد على 60% منها يتركز فيهما، ما يعكس حجم التأثير الهيكلي على الاقتصاد.
من ثم، يمثل فقدان هذا العدد من الوظائف تحديًا اجتماعيًا مباشرًا، خصوصًا في ظل دخول نحو 500 ألف باحث جديد عن العمل سنويًا إلى سوق العمل الإيراني، إلى جانب تراكم معدلات البطالة السابقة، وهو ما يرفع عدد العاطلين إلى أكثر من مليوني شخص في بعض التقديرات.
هذا الوضع مرشح لإعادة إنتاج موجات احتجاج اجتماعي، والحديث لمدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، خصوصًا في القطاعات الصناعية الكبرى، حيث شهد قطاع الصلب حركات احتجاجية متكررة خلال السنوات الماضية بسبب الأجور وظروف العمل، قبل أن تتفاقم الأزمة مع فقدان الوظائف نفسها.
ويردف: "لا تقتصر التداعيات على الجانب الاقتصادي، إذ تشير المعطيات إلى تراجع ملموس في القدرات العسكرية الإيرانية خلال الحرب، سواء على مستوى منظومات الصواريخ أو الدفاع الجوي أو القدرات البحرية. ورغم استمرار قدرة إيران على إطلاق صواريخ قصيرة المدى، فإن وتيرة الهجمات الصاروخية تراجعت في المراحل الأخيرة من المواجهة، في مؤشر على استنزاف نسبي في القدرات الهجومية.
كما تكبدت شبكة الحلفاء الإقليميين خسائر مؤثرة، خصوصًا "حزب الله"، ما انعكس على توازنات "محور النفوذ" الإيراني في المنطقة، في ظل ضغوط سياسية متزايدة على أذرع أخرى في العراق ولبنان واليمن".
آثار الحرب
ومن المتوقع أن تمتد آثار الحرب إلى قطاع الطاقة، خصوصًا مع تضرر قطاع الغاز، ما قد ينعكس على قدرة البلاد على توفير الكهرباء خلال الصيف المقبل. كما أن تراجع إنتاج الصلب والبتروكيماويات سينعكس على سلاسل صناعية واسعة، من بينها صناعة السيارات والإنشاءات، ما يعمّق التحديات الاقتصادية.
في المحصلة، تواجه إيران مشهدًا مركبًا يجمع بين ضغط اقتصادي متزايد، وتحولات داخلية في مراكز السلطة، وتراجع في القدرة على إدارة شبكات النفوذ الإقليمي. غير أن مستقبل هذا المشهد لا يزال مرهونًا بتطورات مفتوحة، سواء على مستوى استمرار المواجهة العسكرية أو توقفها، فضلًا عن طبيعة الموقف الأميركي، الذي قد يتراوح بين التصعيد والحسم أو إدارة الأزمة عبر العقوبات والاحتواء.
والثابت أن الوضع في إيران سيشهد درجة من السيولة السياسية والاقتصادية، تجعل أي محاولة للتنبؤ بمسار استقراره النهائي مبكرة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن ما بعد الحرب لن يشبه ما قبلها.
خسائر فادحة
إلى ذلك، يقول الباحث المختص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية محمد خلفان الصوافي، إن مسار الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، من جهة، وإيران، من جهة أخرى، وما خلّفته من خسائر عسكرية واقتصادية قد يقود حتمًا إلى تراجع ملحوظ في نفوذ إيران الإقليمي، الذي اعتمد، خلال العقود الماضية، على مزيج من القوة العسكرية غير المباشرة، والدعم السياسي والعقائدي لشبكات حليفة في عدد من دول المنطقة.
وعليه، فإن الضربات التي طاولت البنية العسكرية الإيرانية، إلى جانب خسارة عدد من القيادات البارزة داخل المنظومة الأمنية والعسكرية، خصوصًا في أوساط "الحرس الثوري"، قد تُضعف قدرة طهران على إدارة نفوذها الخارجي بالشكل الذي اعتادت عليه سابقًا، وفق الباحث المختص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، لافتًا في حديثه لـ"المشهد" إلى تراجع أداء عدد من الأذرع الإقليمية المرتبطة بإيران، سواء عبر الاستنزاف العسكري أو الضغوط السياسية، بما ساهم في تقليص هامش الحركة الاستراتيجية لطهران في ساحات عدة، من بينها فلسطين ولبنان والعراق.
ففي السياق الفلسطيني، والحديث للمصدر ذاته، تواجه حركة "حماس" تحديات غير مسبوقة بعد الحرب الأخيرة، فيما يتعرض "حزب الله" لضغوط متزايدة نتيجة التحولات الميدانية والسياسية في لبنان والمنطقة. أما في العراق، فإن الضغوط الحكومية والدولية على "الحشد الشعبي" تعكس اتجاهًا متصاعدًا لإعادة ضبط دوره داخل الدولة.
واقع جديد
بالتبعية، فإيران سوف تجد نفسها أمام واقع جديد يوصف بأنه "تراجع في أدوات التأثير الإقليمي"، بما يجعل قدرتها على استخدام نفوذها الميلشياوي الخارجي والإقليمي أو "شبكة الوكلاء" أقل فاعلية مما كانت عليه في السابق، حتى في حال استمرار تماسك النظام الداخلي.
اقتصاديًا، يُعد العامل المالي أحد أهم محددات هذا التراجع المحتمل، إذ تعتمد السياسة الخارجية الإيرانية بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية والالتفاف على العقوبات. غير أن استمرار العقوبات الدولية، وتراجع الصادرات النفطية، إلى جانب القيود على النظام المصرفي، قد يقلص بشكل أكبر من قدرة طهران على تمويل أنشطتها الخارجية.
وبناءً على هذه المعطيات كافة، يرى خلفان الصوافي أن إيران قد تواجه تحولًا تدريجيًا من فاعل إقليمي "هجومي" إلى فاعل أكثر انكفاءً، في ظل تآكل أدوات النفوذ العسكري والمالي، ما قد يعيد رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.