ما تزال معضلة نزع "حماس" لسلاحها تفرض تعقيدات جمّة على جهود تطبيق خطة ما بعد الحرب، وتجنب استئناف القتال، خصوصًا في ظل تقارير استخباراتية إسرائيلية تؤشر إلى أن الحركة تواصل إعادة تموضعها وتمتين صفوفها، وكذلك ترميم بنيتها وجاهزيتها العسكرية والأمنية.
وثيقة لإسرائيل
وكانت هيئة البث الإسرائيلية أوضحت، الاثنين، أن الولايات المتحدة بعثت بوثيقة لإسرائيل تدفع نحو المضي لجهة إعادة إعمار القطاع حتى من دون نزع سلاح "حماس".
وبحسب تقرير هيئة البث الإسرائيلية، فإن الولايات المتحدة بصدد انتظار موافقة خطية من الجانب الإسرائيلي على المقترح الوارد بالوثيقة، والذي يفترض أن تنطلق عملية إعادة الإعمار بمشروعات بنية تحتية تتضمن قطاعات حيوية مثل المياه والكهرباء، ونقل السكان بالمناطق الواقعة تحت نفوذ "حماس" إلى مناطق تقع ضمن مسؤولية "مجلس السلام" بحلول نهاية العام الحالي.
العقبة الأكثر تعقيدًا
إلا أن مراقبين وقيادي بحركة "فتح" أجمعوا على أن ملف سلاح "حماس" سيظل العقبة الأكثر تعقيدًا أمام أي تسوية مستدامة في غزة.
وبينما يرى فريق في حديثه لقناة ومنصة "المشهد" أن الحركة لن تتخلى عن سلاحها في ظل استمرار الحرب، وكذلك تعقيدات ارتباطاتها الإقليمية بطهران، أكد آخرون أن هذا الإصرار يعيق جهود إعادة الإعمار، كما يطيل أمد الصراع، بل ويعكس تغليب اعتبارات إقليمية وأيديولوجية على الأولويات الفلسطينية.
في المقابل، تبدو الطروحات الأميركية بشأن إعادة إعمار غزة، رهينة بتحقيق ترتيبات أمنية وسياسية تضمن منع تجدد المواجهة، في وقت تواصل فيه إسرائيل التعامل مع نزع سلاح "حماس" باعتباره شرطًا غير قابل للتفاوض، ما يجعل مستقبل القطاع معلقًا بين استحقاقات التسوية ومتطلبات الأمن الإسرائيلي وحسابات الأطراف الإقليمية.
أولويات الحركة
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، اعتبر المحلل السياسي الفلسطيني والقيادي في حركة "فتح" المستشار زيد الأيوبي، أن استمرار تمسك "حماس" بسلاحها، رغم تأزم الظروف الإنسانية والسياسية التي يعيشها قطاع غزة، يعكس أن أولويات الحركة لا تتمحور حول مصلحة الشعب الفلسطيني أو مستقبل القضية الفلسطينية، وإنما الحفاظ على سلاح يخدم أجندات إقليمية.
وقال الأيوبي إن الحركة، لو كانت ترى في السلاح أداة لـ"حماية القضية الفلسطينية"، لبادرت من تلقاء نفسها إلى البحث عن صيغة لمعالجة هذا الملف، من دون انتظار ضغوط من أي طرف، سواء من الوسطاء أو السلطة الفلسطينية أو إسرائيل أو الدول العربية.
وأضاف أن إصرار "حماس" على الاحتفاظ بسلاحها، رغم ما يترتب عليه من استمرار الصراع وتعثر جهود إعادة الإعمار، يؤكد طبيعة "الدور الوظيفي لسلاح الحركة"، وأنه بات مرتبطًا، بأهداف تتجاوز الساحة الفلسطينية.
هيمنة الجناح العسكري
كما ألمح المحلل السياسي الفلسطيني والقيادي في حركة "فتح"، إلى أن ملف السلاح يكشف أيضًا عن تباينات داخل بنية الحركة؛ حيث إن الوفد السياسي الذي يقود المفاوضات لا يمتلك القرار النهائي، وأن "الكلمة الفصل" تبقى للجناح العسكري، مشيرًا إلى ما جرى خلال جولات التصعيد السابقة، عندما دعا الناطق العسكري باسم "كتائب القسام" الوفد المفاوض إلى مغادرة المباحثات، بما يؤكد هيمنة القيادة العسكرية على القرار السياسي داخل الحركة.
وتابع: "الجناح العسكري للحركة يرتبط بصورة وثيقة بإيران، الأمر الذي يجعل قرار الاحتفاظ بالسلاح أو التخلي عنه مرتبطًا بحسابات إقليمية، وليس بقرار فلسطيني مستقل".
الخطاب البراغماتي
وعليه، فإن التصريحات التي تصدر عن بعض قيادات "حماس" بشأن الانفتاح على مناقشة مستقبل السلاح لا تعكس، والحديث للمصدر ذاته، استعدادًا حقيقيًا للتخلي عنه، وإنما تندرج في إطار الخطاب السياسي البراغماتي والانتهازي، مؤكدًا أن الحركة لن تقدم على هذه الخطوة طالما ظل السلاح يؤدي "دورًا إستراتيجيًا في إطار التحالف مع إيران".
وثمّة تناقضات أخرى يشير لها الأيوبي، تكشف عن أغراض الحركة الانتهازية وارتباطاتها الخارجية وتبعيتها لطهران على حساب المصالح الفلسطينية، ومنها قبول الحركة بفكرة وجود قوة دولية في القطاع، إذا كان ذلك سيتم على حساب عودة مؤسسات السلطة الفلسطينية.
وأردف: "قبول وجود قوات دولية لإدارة الوضع في غزة، مقابل رفض عودة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، يؤشر إلى تفضيل الحركة لترتيبات دولية على استعادة الإدارة الفلسطينية الرسمية للقطاع".
وختم الأيوبي حديثه قائلا إن استمرار هذا المسار، إلى جانب بقاء السلاح خارج إطار السلطة الفلسطينية، من شأنه، أن يكرس الانقسام الفلسطيني ويقوض فرص استعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني".
التفاؤل السياسي
إلى ذلك، أوضحت الكاتبة والباحثة السياسية هديل عويس أن الحديث الأميركي عن إعادة إعمار قطاع غزة يعكس قدرًا من التفاؤل السياسي أكثر مما يعكس خطة قابلة للتنفيذ، مشيرة إلى أن نجاح أي مشروع لإعادة الإعمار يظل مرهونًا بتحولات سياسية وأمنية لم تتوافر حتى الآن.
وقالت عويس، في تصريحات لمنصة "المشهد"، إن الطرح الأميركي ينسجم مع النهج الذي يتبناه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والقائم على توظيف التنمية الاقتصادية والاستثمارات كمدخل لتحقيق الاستقرار والسلام، وهو النهج الذي سبق أن طرحه في ملفات أخرى، من بينها كوريا الشمالية، كما ظهر في مقترحات استثمارية ضخمة تجاه إيران.
وأضافت أن هذه الرؤى، رغم طموحها، تصطدم بواقع سياسي وأمني معقد، حيث تبدو الظروف الحالية في غزة لا تسمح بتحويلها إلى مشاريع قابلة للتطبيق.
وتابعت: "مجرد إعلان واشنطن رغبتها في إعادة إعمار القطاع، حتى مع تجاوز مسألة نزع سلاح حركة "حماس"، لن يكون كافيًا لدفع الدول العربية إلى تمويل مشاريع بمليارات الدولارات، في ظل غياب الضمانات التي تحول دون اندلاع جولة جديدة من الحرب تؤدي إلى تدمير ما سيتم بناؤه".
مخاطر كبيرة
وذكرت عويس أن استمرار تمسك "حماس" بسلاحها، إلى جانب غياب تسوية سياسية مستقرة، يجعل أي استثمارات واسعة النطاق محفوفة بمخاطر كبيرة، الأمر الذي يحدّ من فرص انطلاق عملية إعادة إعمار حقيقية في المستقبل القريب.
وثمّة متغير على مستوى تعاطي الإدارات الأميركية أو بالأحرى مقاربة واشنطن، تحديدًا ترامب وقبله جو بايدن، لملفات غزة ولبنان، وحتى سوريا، بحسب ما تشير الكاتبة والباحثة السياسية، موضحة أن هذه الملفات بات ينظر لها باعتبارها قضايا ترتبط بـ"الأمن القومي الإسرائيلي"، وهو ما منح إسرائيل هامشًا واسعًا في إدارة هذه الملفات عقب هجمات 7 أكتوبر.
قناعة واشنطن
إذ تنطلق واشنطن تنطلق من قناعة مفادها أن لإسرائيل الحق في اتخاذ ما تراه من إجراءات لضمان أمنها، بحسب ما توضح عويس، ولذلك فمن غير المتوقع أن تمارس ضغوطًا على الحكومة الإسرائيلية لوقف عملياتها العسكرية إذا كانت ترى أن حركة "حماس" ما تزال تحتفظ بقدرات عسكرية أو تعمل على إعادة بناء قوتها.
ورجحت أن ما يجري في غزة حاليًا يعكس عودة تدريجية للعمليات العسكرية، وإن كانت بوتيرة أقل من المراحل السابقة، لافتة إلى أن إسرائيل أصبحت تفرض سيطرة أو قيودًا واسعة على مساحات كبيرة من القطاع، الأمر الذي غيّر طبيعة العمليات العسكرية، لتتركز بصورة أكبر على المناطق المتبقية وعلى استهداف ما تعتبره بقايا البنية العسكرية لـ"حماس".
وأضافت أن الموقف الأميركي لا يُظهر اعتراضًا على هذا النهج، حيث إن هذا التوجه يحظى بإجماع واسع داخل إسرائيل، بغض النظر عن هوية الحكومة، سواء كانت يمينية أو يسارية؛ لأن التعامل مع سلاح "حماس" لا يخضع للمساومات السياسية.
مؤشرات واقعية
يتفق والرأي ذاته، الباحث المختص في الشؤون السياسية والإقليمية الدكتور هاني سليمان، والذي يرى أن الحديث عن استعداد حركة "حماس" لتسليم سلاحها لا يستند إلى مؤشرات واقعية، في ظل التعقيدات التي تحيط باتفاق وقف إطلاق النار واستمرار الخلافات بشأن تنفيذ بنوده.
وأوضح سليمان لـ"المشهد"، أن اتفاق التهدئة يقوم على مراحل متشابكة والتزامات متبادلة، لافتًا إلى أن سلاح "حماس" لم يُطرح بصورة واضحة وحاسمة ضمن بنود الاتفاق، وإنما جرى تأجيله أو تضمينه بصورة غير مباشرة في المراحل النهائية، تجنبًا لنسف الاتفاق منذ بدايته.
عودة الحرب
وفي حين أشار الباحث المختص في الشؤون السياسية والإقليمية إلى أن مواقف الحركة، منذ انطلاق المفاوضات وصولًا إلى الإعلان عن الاتفاق، اتسمت بالتحفظ إزاء هذه القضية، فإن تسليم السلاح يظل ملفًا شديد التعقيد لدى "حماس" تحيط به اعتبارات سياسية وأمنية وأيديولوجية، بجانب قناعة الحركة بأن الصراع لم يُحسم بعد، وأن البيئة الحالية لا تسمح باتخاذ قرار بهذا الحجم، وذلك في إشارة باحتمال أن تعاود الحرب دورتها من جديد.
وقد شدد على أن استمرار الأوضاع الراهنة، وبقاء الملفات الأساسية عالقة، يجعل أي حديث عن تسليم السلاح سابقًا لأوانه.
محور إيران
واتفق سليمان مع القيادي في حركة فتح المستشار زيد الأيوبي على نقطة رئيسة، تتمثل في الارتباط بين "حماس" والمحور الذي تقوده طهران، بما يمثل "عاملًا إضافيًا" يضاعف من تعقيدات اتخاذ قرار مستقل بشأن السلاح؛ حيث إن الحركة تتحرك في إطار "توازنات إقليمية" أوسع، ترتبط بمبدأ "وحدة الساحات"، الأمر الذي يجعل أيّ خطوة من هذا النوع مرتبطة بحسابات تتجاوز الساحة الفلسطينية وحدها.
وختم سليمان حديثه مؤكدًا أن سلاح "حماس" يمثل "خطًا أحمر" بالنسبة للحركة، ليس فقط من منظور سياسي أو عسكري، وإنما أيضًا من منطلق أيديولوجي يرتبط بمفاهيم "الجهاد" في أدبيات الإسلام السياسي.
بالمحصلة؛ فإن أيّ إشارات أو تلميحات بخصوص إمكانية إدراج هذا الملف ضمن مسارات التفاوض لا تعكس تحولًا إستراتيجيًا في موقف الحركة، وإنما هي بمثابة مناورات سياسية تكتيكية، من دون وجود قناعة أو موقف جاد بالتخلي عن السلاح في المرحلة الراهنة.