رغم مشاهد الوحدة التي طغت على جنازة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، إلا أنها لم تخف الانقسام المتصاعد داخل أروقة السلطة في طهران.
فخلف مراسم التشييع، يحتدم صراع بين أجنحة النظام حول مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، في معركة قد تعيد رسم موازين القوة داخل إيران.
جنازة المرشد الإيراني
وأشارت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير إلى أنه عندما قدّم قادة إيران وكبار القادة العسكريين التحية للمرشد الراحل علي خامنئي، في جنازة استمرت أسبوعًا كاملًا وبدأت يوم الجمعة، كان من المفترض أن تكون استعراضًا للقوة والصمود والوحدة بعد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وعزفت فرقة عسكرية النشيد الوطني، وسار المسؤولون الذين لم يظهروا معًا علنًا منذ بدء الحرب قبل أشهر جنبًا إلى جنب وهم الرئيس، ورئيس البرلمان، ورئيس السلطة القضائية، وكبار جنرالات الحرس الثوري.
وكان من اللافت للنظر غياب مجتبى خامنئي، الذي خلف والده كمرشد أعلى جديد، والذي لم يظهر علنًا منذ تعيينه في مارس الماضي.

وفرت هذه اللحظة استراحة من الأسابيع والأيام التي سبقت الجنازة، حيث خاض كبار المسؤولين الإيرانيين والشخصيات السياسية البارزة صراعًا علنيًا وحادًا حول المفاوضات مع الولايات المتحدة. وتبادلوا الاتهامات بالوهم والخيانة والتخطيط للانقلاب وعصيان المرشد الأعلى الجديد والتلاعب به.
وحاول خامنئي تهدئة هذا الغضب بإصدار بيان مكتوب مُصاغ بعناية، وهي خطوة لم تُسفر إلا عن تأجيج الموقف.
وقد تغيب يوم الأربعاء عن مراسم تأبين زوجته في طهران، التي قُتلت مع ابنهما المراهق وأقارب آخرين في اليوم الأول للحرب، عندما قصفت القوات الإسرائيلية والأميركية مجمع العائلة.

أفاد 2 من أعضاء الحرس الثوري وشخصٌ مُشارك في التخطيط للجنازة، في مقابلاتٍ صحفية، أن مجتبى خامنئي أبلغ المسؤولين برغبته في المشاركة.

وأوضح المسؤولون أنه يرغب في حضور مراسم الدفن في مدينة مشهد، والمقرر إقامتها في 9 يوليو، وأن يؤدي صلاة الجنازة على جثمان والده.
مخاوف من إسرائيل
وقال الإيرانيون، الذين طلبوا جميعاً عدم الكشف عن هويتهم لعدم تخويلهم مناقشة تفاصيل حساسة تتعلق بالجنازة علناً، إن المسؤولين الأمنيين رفضوا الفكرة حتى الآن خشية أن تحاول إسرائيل اغتيال خامنئي خلال المراسم أو تتبع تحركاته إلى مكان اختبائه.
أثار غياب آية الله خامنئي تساؤلاتٍ حول من يدير البلاد فعلياً، وسمح بتفاقم انقساماتٍ علنية غير مسبوقة.
في الأسبوع الماضي، قُطِعَ البث التلفزيوني المباشر فجأةً على محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الذي قاد المفاوضات مع الولايات المتحدة وبرز كشخصية سياسية رئيسية، بينما كان يشرح تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار.
وأثار ذلك عاصفة من الانتقادات، حيث طالبت الأصوات بإقالة مدير الإذاعة والتلفزيون الحكومي، الذي عيّنه المرشد الأعلى خامنئي وينتمي إلى التيار المتشدد.
على مدى شهور، كثّف التلفزيون الرسمي هجماته ضد فريق التفاوض. وفي التجمعات الليلية التي تُعقد في ساحات طهران، دعا المحافظون إلى محاكمة المفاوضين بل وحتى إعدامهم.
تعرض وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي شارك أيضاً في المفاوضات، للمضايقة أثناء زيارته لمزار شيعي في العراق، حيث كان يُشرف على جزء من مراسم الجنازة، من قِبل حجاج إيرانيين هتفوا "الموت للمُسترضين".
وفي الأسبوع الماضي، وصف المحلل السياسي المعروف بمواقفه المتشددة، فؤاد إيزادي، الحكومة وفريق قاليباف على التلفزيون الرسمي بأنهم "أغبياء بلا عقول" و"مُضلّلون".
انقسامات علنية
ووفقًا لـ4 مسؤولين إيرانيين كبار وعضوين في الحرس الثوري، فإن هذه الانقسامات العلنية لا تُمثل سوى غيض من فيض الانقسامات العميقة التي تتجلى بعيدًا عن الأنظار. ويصفون صراعًا شرسًا يخوضه كل جانب لكسب تأييد المرشد الأعلى الجديد كحليف، والسيطرة على مستقبل إيران السياسي.
في الأشهر التي تلت اندلاع الحرب، عزز جنرالات الحرس الثوري سلطتهم، وأصبحوا يديرون شؤون البلاد فعلياً.
وفي دلالة على تحول عملية صنع القرار من السلطة المطلقة للأب إلى عملية أكثر جماعية تحت قيادة الابن، صرّح نائب الرئيس الإيراني للشؤون التنفيذية، محمد جعفر قائم بناه، مؤخراً بأن المرشد الأعلى الجديد ليس له الكلمة الأخيرة.
أثار غياب خامنئي عن الأنظار وعجزه عن تهدئة القتال تساؤلاتٍ داخل الأوساط السياسية الإيرانية حول مدى استدامة حكمه عن بُعد على المدى الطويل، وذلك بحسب 4 مسؤولين إيرانيين كبار.
أثار غياب مجتبى خامنئي وعدم قدرته على تهدئة القتال تساؤلات داخل الأوساط السياسية الإيرانية حول ما إذا كان حكمه عن بعد مستداماً على المدى الطويل، وذلك وفقاً لـ4 مسؤولين إيرانيين كبار.
اختبار كبير
كان أكبر اختبار يواجهه المرشد الأعلى حتى الآن هو تعامله مع المفاوضات مع الولايات المتحدة.
خلال المراحل الأخيرة من المحادثات، عندما خامنئي كان مترددًا بشأن الموافقة على اتفاق وقف إطلاق النار المبدئي، زاره الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وفقًا لـ4 مسؤولين مطلعين على تفاصيل الاجتماع.
وأبلغ الرئيس المرشد الأعلى أن الوضع الاقتصادي مزرٍ، وأن الحصار البحري الأميركي يُشلّ إيران، وأنه سيتنحى عن منصبه إذا رفض الاتفاق، بحسب المسؤولين.
أفاد مسؤولون بأن رئيس البنك المركزي، عبد الناصر همتي، وجّه رسالة إلى خامنئي، أوضح فيها أن البلاد تواجه أزمة مالية حادة، وأن الإمدادات الغذائية والطبية الأساسية ستنفد بحلول نهاية أغسطس إذا استمر الحصار البحري.
وبيّن همتي في رسالته استحالة بيع إيران نفطها وإيجاد طرق تجارية بديلة بالكمية المطلوبة.
قال المسؤولون الـ4 إن هذه الاتصالات كانت حاسمة في قرار خامنئي النهائي بدعم الاتفاق.وفي بيان مقتضب، قال إنه رغم معارضته للاتفاق "من حيث المبدأ"، فقد أصدر تعليماته للرئيس بالمضي قدمًا فيه إذا حصل على موافقة المجلس الأعلى للأمن القومي.
وقد صرّح بزشكيان بأن المجلس صوّت بأغلبية 12 صوتًا من أصل 13 لصالح الاتفاق.
بعد انتهاء الجنازة، يتعين خامنئي اتخاذ قرارات هامة بشأن تعيينات رئيسية لقيادة السلطة القضائية، والإذاعة والتلفزيون الرسميين، وقوات الباسيج، بالإضافة إلى منصب رئيس الأركان.
وأوضح مسؤولون إيرانيون أن هذه القرارات ستُشير إلى الجانب الذي يُفضّله.
يُذكر أن الحرس الثوري الإيراني ومحمد باقر قاليباف من أقرب حلفائه، وقد ساهما في صعوده إلى السلطة، بينما دعمت الفصائل المتشددة مرشحًا آخر.
قال ولي نصر، الخبير في الشؤون الإيرانية والأستاذ بجامعة "جونز هوبكنز": "إننا نشهد وضعاً سياسياً متوتراً وحقيقياً، وصراعاً من أجل مستقبل البلاد. إذا غلبت الاعتبارات العملية، فسوف يُدفع المتشددون إلى الهامش، وهم يقاومون ذلك".