أكثر من 4 عقود من الانقطاع أعادتها جملة واحدة إلى الواجهة. ففي 21 من يوليو الجاري، وعقب لقائه الرئيس اللبناني جوزيف عون في البيت الأبيض، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيوجّه بإتاحة عودة الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان.
حمل الإعلان رمزية سياسية كبيرة، وأعاد فتح ملف ظل مغلقًا منذ عام 1985. لكنه لم يتحول حتى الآن إلى التزام تجاري أو جدول تشغيلي. فإدارة مطار رفيق الحريري الدولي تتحدث عن مسار من الإجراءات لا يزال قيد الاستكمال، فيما لم يُحدَّد موعد لأول رحلة أو اسم شركة مستعدة لتشغيل الخط.
وبين الإعلان السياسي والقرار التجاري، تبقى الخطوة معلّقة على استكمال الإجراءات الفنية والأمنية اللبنانية والأميركية، وعلى تقييم الشركات نفسها لجدوى الخط ومخاطره.
حادثة لم تُنسَ
تعود بداية القصة إلى 14 يونيو 1985، عندما اختُطفت رحلة "تي دبليو إيه 847" بعد إقلاعها من أثينا متجهة إلى روما. وكان على متنها 153 راكبًا وأفراد الطاقم، فيما استمرت أزمة الرهائن 17 يومًا، هبطت خلالها الطائرة في بيروت 3 مرات.
وفي اليوم التالي للاختطاف، قُتل عنصر البحرية الأميركية روبرت ستيثم على متن الطائرة.
وبعد أسبوعين، في 1 يوليو 1985، أصدرت إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية حظرًا يمنع شركات النقل الأميركية من التشغيل عبر مطار بيروت الدولي. ومن حيث الجوهر، يشكّل القرار الذي أعلنه ترامب محاولة لإنهاء أثر ذلك الحظر بعد أكثر من 4 عقود.
سوق جوي ليس هامشيًا
تنبع الأهمية الاقتصادية للملف من حجم السوق التي يُفترض أن يستهدفها الخط. فقد مرّ عبر مطار رفيق الحريري الدولي في عام 2025 نحو 7.01 ملايين مسافر، مقابل 5.62 ملايين في العام السابق، أي بزيادة سنوية قاربت 24.65%.
ومن بين هؤلاء، وصل إلى لبنان نحو 3.59 ملايين مسافر، بزيادة بلغت 30%، فيما غادره نحو 3.42 ملايين، بزيادة نسبتها 19.6%.
وبذلك، فإن أي خط جوي جديد بين الولايات المتحدة وبيروت لن يدخل إلى سوق نائمة، بل إلى مطار تجاوزت حركته سبعة ملايين مسافر خلال عام واحد.
وعلى الضفة الأميركية، تقدّر بيانات المسح المجتمعي الأميركي لعام 2024 عدد الأشخاص الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم من أصل لبناني بنحو 625 ألف شخص، فيما تشير بيانات السنوات الـ5 إلى رقم أقرب إلى 597 ألفًا.
وتمثّل هذه الجالية، إلى جانب رجال الأعمال والمستثمرين والطلاب، الكتلة الأساسية التي يراهن عليها أي تحليل اقتصادي للقرار، لا السائح العابر.
وحتى تاريخه، لا يستطيع أي من هؤلاء الوصول إلى بيروت من دون التوقف في محطة وسيطة، سواء في باريس أو لندن أو إسطنبول أو الدوحة أو دبي أو عمّان، إذ لا يتضمن جدول مطار بيروت أي رحلة أميركية مباشرة.
الأسعار تحسم الجدوى الاقتصادية
في هذا الإطار، يقدّر الكاتب والباحث محمد شمس الدين، في حديث لمنصة "المشهد"، عدد اللبنانيين الذين يسافرون إلى الولايات المتحدة، خصوصا عبر نيويورك وبوسطن وهيوستن، بنحو 100 ألف شخص، يتوجه قسم منهم لاحقًا إلى ولايات أخرى. فيما يضع إجمالي حركة السفر السنوية المرتبطة بالولايات المتحدة وكندا عند نحو 400 ألف مسافر.
ويرى شمس الدين أن تشغيل خط مباشر قد يخفض مدة السفر بين بيروت والولايات المتحدة إلى نحو 10 ساعات، بدلًا من 16 أو 18 ساعة عبر محطات الترانزيت، حيث يضطر المسافر إلى تبديل الطائرات والانتظار 3 أو 4 ساعات، وأحيانًا أكثر.
وفي المرحلة الأولى، يتوقع شمس الدين أن تعتمد الحركة بصورة أساسية على اللبنانيين المقيمين في الولايات المتحدة وكندا، لأن لبنان لا يشكّل حاليًا وجهة رئيسية للسياح الأميركيين. إلا أن توفير خطوط مباشرة قد يساعد مستقبلًا في استقطاب فئات إضافية من الزوار.
لكن القرار يطرح، في رأيه، سؤالًا أساسيًا لم تتضح إجابته بعد: هل سيُسمح فقط لشركات الطيران الأميركية بالوصول مباشرة إلى بيروت، أم سيُتاح أيضًا لشركة طيران الشرق الأوسط تسيير رحلات إلى الولايات المتحدة؟ فالسماح المتبادل للشركات بالتشغيل قد يؤثر مباشرة في عدد الرحلات ومستوى المنافسة والأسعار.
ومن حيث المبدأ، لا يرى شمس الدين ما يحول دون استئناف الرحلات، معتبرًا أن المسألة ترتبط بالدرجة الأولى بقرار سياسي، إلى جانب استكمال المتطلبات الأمنية والتقنية. وإذا نُفذت الخطوة ضمن خطة اقتصادية مدروسة، فقد تزيد حركة السفر، وتخفف أعباء الوقت والمال، وتعزز ارتباط المغتربين بلبنان.
الإجراءات لم تكتمل بعد
وضع رئيس مطار رفيق الحريري الدولي المهندس إبراهيم أبو عليوي، في مقابلة مع "المشهد"، الإعلان الأميركي في إطاره التنفيذي الفعلي: خطوة مهمة، لكنها لا تعني أن عودة الرحلات باتت وشيكة، إذ لا يزال المسار مرتبطًا بسلسلة من الإجراءات والموافقات على جانبي العلاقة.
ويوضح أبو عليوي أن إعادة تسيير الرحلات المباشرة تستلزم استكمال مسار متكامل من التدابير اللبنانية والأميركية، بما يضمن الالتزام بالمعايير الدولية للسلامة وأمن الطيران.
فعلى الجانب الأميركي، لا بد من استكمال الموافقات والقرارات التنظيمية الصادرة عن السلطات المختصة. أما على الجانب اللبناني، فتواصل الجهات المعنية العمل على استيفاء المتطلبات الفنية والأمنية اللازمة.
وتعمل وزارة الأشغال العامة والنقل، بالتعاون مع الهيئة العامة للطيران المدني والأجهزة الأمنية وإدارة المطار وسائر الإدارات المعنية، على تنفيذ الإجراءات الضرورية للحفاظ على أعلى مستويات السلامة والأمن والامتثال لمتطلبات منظمة الطيران المدني الدولي.
ويشير أبو عليوي إلى أن مطار بيروت شهد خلال السنوات الماضية تطويرًا مستمرًا في منظومة أمن الطيران، شمل تحديث إجراءات التفتيش، وتعزيز مراقبة الدخول إلى المناطق الحساسة، وتأهيل الكوادر، إلى جانب إدخال تقنيات حديثة لرفع مستوى الجاهزية التشغيلية والأمنية.
باب مفتوح وتحذيرات قائمة
يتوافق توصيف رئيس المطار مع ما تكشفه الوثائق الدولية. فقد أصدرت الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران، في الثامن من تموز، نشرة مخاطر تغطي كامل المجال الجوي اللبناني وعلى جميع الارتفاعات حتى 31 أغسطس 2026، ما لم تُراجَع قبل ذلك.
كذلك، لا تزال وزارة الخارجية الأميركية تصنّف لبنان ضمن "المستوى الـ4: لا تسافر إليه إطلاقًا"، وفق آخر تحديث صدر في 6 مايو 2026.
وكانت واشنطن قد أمرت، في 23 فبراير 2026، بمغادرة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وعائلاتهم.
وتندرج هذه العناصر ضمن الإجراءات التي يتحدث عنها رئيس المطار، والتي يجب استكمالها أو مراجعتها قبل أن تتحول الخطوة السياسية إلى رحلة فعلية. وهي تساعد أيضًا في تفسير موقف شركات الطيران الأميركية حتى الآن؛ فالقرار السياسي قد يزيل عائقًا تنظيميًا، لكن الشركات تطرح أسئلة أخرى قبل تشغيل أي خط، تتعلق بمستوى الطلب الفعلي، وإمكانية التأمين على الطائرة، ودرجة المخاطرة، وجدوى الخط تجاريًا على المدى الطويل.
أما احتمال أن تكون شركة طيران الشرق الأوسط أول المستفيدين من أي إطار جديد، أو أن تنشأ ترتيبات شراكة ورمز مشترك مع ناقلات أميركية، فيبقى احتمالًا لا تدعمه حتى الآن وثيقة أو إعلان رسمي يحدّد شركة أو مدينة أميركية بعينها، وإن كان يتقاطع مع تفاؤل إدارة المطار بانفتاح السوق أمام شركات وأسواق جديدة.
ما يتجاوز السوق الأميركية
لا يحصر أبو عليوي أهمية الملف بالجانب التشغيلي أو الأمني. فهو يرى أن الربط المباشر مع الولايات المتحدة من شأنه تسهيل حركة أبناء الجالية اللبنانية ورجال الأعمال والطلاب والسياح، وتقليص التعقيدات المرتبطة بالسفر عبر المحطات الوسيطة، بما قد ينعكس إيجابًا على الحركة السياحية والاستثمارية والاقتصادية.
ويعتبر أن إعادة تشغيل الخط قد تحمل أثرًا يتجاوز السوق الأميركية، إذ يمكن أن تشكّل عامل جذب لشركات طيران دولية أخرى، وتعزز فرص إطلاق خطوط مباشرة بين بيروت وأسواق إضافية في القارة الأميركية، وفي مقدمتها كندا.
ومن موقع إدارة المطار، لا يُنظر إلى استئناف الرحلات الأميركية على أنه مجرد إعادة فتح لخط متوقف منذ عام 1985، بل اختبار لقدرة مطار بيروت على توظيف الخطوة في توسيع شبكة الربط الجوي للبنان، وزيادة تنافسيته، واستقطاب أسواق جديدة.
كلفة الحرب في الخلفية
يُفتح هذا الملف فيما لا يزال الاقتصاد اللبناني يحسب كلفة الحرب الأخيرة. ويقدّر البنك الدولي احتياجات لبنان لإعادة الإعمار والتعافي بنحو 11 مليار دولار، فيما قدّر الكلفة الاقتصادية الإجمالية للنزاع الذي شمله تقييمه بنحو 14 مليار دولار.
وتتوزع هذه الكلفة بين 6.8 مليارات دولار من الأضرار المادية المباشرة، و7.2 مليارات دولار من الخسائر الاقتصادية، بما يشمل الإيرادات الضائعة وانخفاض الإنتاجية والتكاليف التشغيلية. وفي اقتصاد بهذا الحجم من الاحتياجات، لا يبدو غريبًا أن يُستقبل القرار كإشارة أمل، حتى قبل أن يتحول إلى رحلة فعلية واحدة.
السؤال الذي لم يُحسم
فتحت واشنطن، من الناحية السياسية، سوقًا كانت مغلقة أمامها منذ 41 عامًا. لكن تحويل الإعلان إلى حركة فعلية للمسافرين والمستثمرين لا يزال مرتبطًا باستكمال الإجراءات التنظيمية والأمنية، وبقرار شركات الطيران دخول السوق وجدوى تشغيل الخطوط تجاريًا.



