إعادة صياغة جذرية يعيشها النظام الإيراني منذ أشهر، لا تقتصر على تبديل الوجوه السياسية أو إعادة توزيع الصلاحيات داخل مؤسسات الحكم، بل تمتد إلى شكل الدولة نفسها، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع، وبين السلطة والشارع. فإيران اليوم تعيش حالة "اللاسلم واللاحرب"، وهي مرحلة تستنزف الدولة داخلياً، وتدفعها نحو مزيد من المركزية الأمنية، فيما تتوسع الهوة بين النظام والمجتمع.
منذ مقتل الزعيم الأعلى علي خامنئي، دخلت إيران مرحلة غير مسبوقة من التنافس داخل مراكز القرار، ولم تعد السلطة محصورة في مؤسسة دينية سياسية واضحة، بل باتت موزعة بين أجنحة أمنية وعسكرية وسياسية متصارعة، يتقدم فيها الحرس الثوري تدريجياً إلى مركز الحكم، فيما تتراجع المؤسسات المدنية إلى أدوار شكلية أو هامشية.
ولهذا، بدا لافتاً اضطرار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى نفي وجود خلافات مع الحرس الثوري، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تصدع فعلي داخل بنية النظام. فالرئيس الذي يفترض أنه يمثل رأس السلطة التنفيذية، وجد نفسه مضطراً للدفاع علناً عن "وحدة النظام"، وهو ما اعتبرته فصائل معارضة مؤشراً على وجود توتر حقيقي داخل دوائر القرار.
يرى الكاتب والباحث السياسي مروان الأمين في حديثه مع منصة "المشهد" أن إيران دخلت فعلياً مرحلة "تعدد مراكز القرار"، مشيراً إلى أن إيصال مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد "شكّل انقلاباً من جانب الحرس الثوري على بقية المؤسسات السياسية والدينية والاقتصادية". ويعتبر أن الحرس الثوري "أحكم قبضته على مؤسسة المرشد نفسها"، فيما أصبح القرار السياسي يُصاغ عملياً داخل المؤسسة الأمنية.
ويضيف الأمين أن سبب عدم إعلان هذه الخلافات بشكل واضح يعود إلى خشية النظام من تعميق الانقسام الداخلي وإضعاف موقع إيران التفاوضي في الخارج، خصوصاً مع غياب شخصية تمتلك القدرة على تحمل كلفة أي تسوية كبرى كما كان يفعل علي خامنئي سابقاً، فـ"أي شخصية تقدم تنازلاً قد تتعرض للحرق السياسي والانقضاض من بقية الأجنحة".
إبعاد قاليباف
هذا المشهد يفسر أيضاً تهميش رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإبعاده عن ملف التفاوض مع الولايات المتحدة، خصوصاً بعدما لمّح دونالد ترامب إلى وجود مسؤول إيراني "يمكن التفاهم معه". ولذلك "داخل بيئة سياسية يحكمها الشك والصراع بين الأجنحة، جرى التعامل مع هذا التلميح باعتباره محاولة أميركية لخلق شريك سياسي بديل داخل النظام، ما أدى إلى سحب صلاحيات التفاوض من قاليباف وإبعاده عن دوائر القرار"، وفق ما يقول الأمين في حديث مع موقع "المشهد".
أما وزير الخارجية عباس عراقجي، فقد تحول إلى نموذج جديد للدبلوماسي الإيراني المرتبط مباشرة بالحرس الثوري. الرجل الذي كان يُحسب سابقاً على التيار الإصلاحي وفريق محمد جواد ظريف، بات اليوم أقرب إلى "واجهة تفاوضية للميدان"، حيث تتداخل الدبلوماسية مع الحسابات العسكرية والأمنية. هذا التحول منح عراقجي ثقة الحرس الثوري، لكنه في المقابل عمّق عزلة الرئاسة والحكومة والتيار السياسي المدني داخل النظام.
الدكتور أحمد الشحات، أستاذ العلوم السياسية واستشاري الأمن الإقليمي والدولي، يرى أن نفي بزشكيان وجود خلافات مع الحرس الثوري يندرج ضمن "تكتيك داخلي لإدارة الموقف داخل دوائر صنع القرار الإيرانية"، خصوصاً في ظل غياب المرشد عن المشهد بصورة مؤثرة، وفي لحظة تحتاج فيها إيران إلى قرارات سريعة وسط الصراع العسكري المفتوح. ويشير في حديثه مع "المشهد" إلى أن مختلف الأجنحة تدرك خطورة إظهار الانقسامات أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، لأن أي تصدع علني قد يتحول إلى مدخل لاستهداف النظام من الداخل.
ويؤكد الشحات أن القرار السياسي في إيران يُصاغ فعلياً داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية المرتبطة بالحرس الثوري، رغم استمرار وجود مؤسسات مثل مجلس الأمن القومي ومجلس الخبراء ورئاسة الجمهورية. لكنه يشدد على أن الحرس الثوري يبقى "الطرف الحاسم" ضمن مقاربة أمنية وعسكرية قبل أن تكون سياسية.
ويلفت إلى أن "تهميش قاليباف من ملف التفاوض في هذه المرحلة يعود إلى اختلاف في المواقف والرؤى، وإلى تقييمات تتعلق بأدائه التفاوضي خلال محطات سابقة. وربما امتلك قاليباف وجهة نظر لا تتوافق مع رؤية الحرس الثوري، الذي يُعد الطرف الأكثر قدرة على فرض رؤيته داخل إيران".
الشارع المغيّب
لكن الصراع داخل إيران لم يعد سياسياً فقط، بل تحول تدريجياً إلى صراع على الشارع نفسه. فخلال السنوات التي سبقت الحرب، كانت المدن الإيرانية تشهد تحولات اجتماعية هادئة، حيث بدأ الإيرانيون يستعيدون تدريجياً الفضاء العام من قبضة الدولة الأيديولوجية، مثل المقاهي المختلطة، تخفيف قيود الحجاب، التجمعات الشبابية، والانفتاح الاجتماعي النسبي، كلها كانت تعكس ما وصفه عالم الاجتماع الإيراني آصف بيات بـ"التمدد الهادئ"، أي مقاومة النظام عبر الممارسات اليومية الصغيرة لا عبر المواجهة المباشرة.
غير أن الحرب أعادت خلط المشهد بالكامل، فمع تصاعد المواجهة العسكرية والضغوط الخارجية، دفع النظام بقوات الباسيج والمجموعات المرتبطة بالحرس الثوري إلى الشوارع والأحياء السكنية، ليس فقط لضبط الأمن، بل لإعادة فرض الهيمنة على المجال العام الذي كان يخرج تدريجياً من السيطرة الأيديولوجية للدولة.
في طهران ومدن كبرى أخرى، لم يعد حضور الباسيج مقتصراً على المناسبات الدينية أو المراكز الأمنية، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية. مجموعات شبابية موالية للنظام تجوب الشوارع ليلاً، تنظم مسيرات متنقلة، ترفع شعارات دينية وسياسية، وتستخدم مكبرات الصوت في الأحياء السكنية. وفي الوقت نفسه، تنتشر نقاط التفتيش داخل المدن، حيث تفتش السيارات والهواتف المحمولة بحثاً عن محتوى معارض أو رسائل تنتقد النظام.
الأكثر حساسية أن هذا التمدد لم يعد محصوراً في البيئات المحافظة التقليدية أو المناطق المعروفة بولائها للنظام، بل وصل إلى أحياء شعبية وطبقية لم تكن تُحسب تاريخياً على المتشددين. وهنا يشعر كثير من السكان بأن الحرس الثوري والباسيج لا يراقبون الشارع فقط، بل يحاولون إعادة هندسة المجتمع نفسه.
حيث تتعرض مقاهٍ ومحال تجارية لضغوط أمنية بسبب الموسيقى أو الاختلاط. نساء يواجهن مضايقات مرتبطة بالحجاب. شباب يتم توقيفهم في الشوارع أو تفتيش هواتفهم. وأحياء كاملة باتت تعيش حالا من التوتر الصامت بين السكان المحليين والمجموعات الموالية للنظام التي تتحرك فيها باستمرار.
ويعتبر الأمين أنه "بفعل الضغط الاقتصادي والحصار البحري المفروض على إيران، فإن هذه التوترات مرشحة للتفاقم مع الوقت، وقد تؤدي إلى صراعات داخلية أكثر وضوحاً وربما أكثر عنفاً، سواء بين الأجنحة الأمنية أو العسكرية أو الدينية وغيرها". وهذا الأمر سيمتد للشارع "ما يؤدي لمزيد من التفكك وغياب المركزية في اتخاذ القرار، مع استمرار تعدد الأجنحة حتى داخل الحرس الثوري الإيراني نفسه".
هذا المشهد خلق شعوراً واسعاً داخل المدن الإيرانية بأن البلاد تعيش نوعاً من "العسكرة الاجتماعية"، حيث لم تعد الأجهزة الأمنية تكتفي بحماية النظام، بل باتت تتدخل في تفاصيل الحياة اليومية، ومحاولة إعادة تشكيل الفضاء العام وفق النموذج الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية.
المرحلة الأخطر
وبالنسبة للحرس الثوري، فإن هذه المعركة ليست هامشية، فالنظام يدرك أن أخطر ما واجهه خلال السنوات الماضية لم يكن فقط العقوبات أو الضربات الخارجية، بل فقدانه التدريجي للسيطرة على المجتمع والثقافة اليومية، خصوصاً بعد احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022.
ولهذا، تبدو الحرب بالنسبة إلى المؤسسة الأمنية فرصة لإعادة فرض السيطرة على المدن والشارع، عبر استعادة الحضور الأيديولوجي والديني داخل الفضاء العام. انتشار الرايات والشعارات، إقامة صلوات جماعية قرب منصات الصواريخ، وتحويل بعض الساحات إلى منصات تعبئة سياسية، كلها رسائل تقول إن النظام يحاول استعادة الأرض التي خسرها اجتماعياً خلال العقد الأخير.
لكن هذه العودة تحمل تناقضاً خطيراً. فكلما تمددت الأجهزة الأمنية داخل الحياة اليومية، ازداد شعور قطاعات واسعة من الإيرانيين بالاختناق والعزلة. كثير من العائلات باتت تتجنب الخروج ليلاً، وشباب يفضلون البقاء في المنازل؛ خوفاً من الاحتكاك مع الدوريات أو نقاط التفتيش. وفي المقابل، يشعر أنصار النظام أنفسهم أنهم يخوضون "معركة بقاء" في مواجهة مجتمع يبتعد تدريجياً عن الأيديولوجيا الرسمية.
ومن هنا، لم يعد الصراع داخل إيران مجرد مواجهة بين إصلاحيين ومحافظين، بل تحول إلى صراع أعمق على شكل الدولة والمجتمع معاً: بين نموذج يريد إعادة المجتمع إلى الانضباط الثوري الصارم، وآخر نشأ خلال العقود الماضية ويسعى إلى حياة أكثر طبيعية بعيداً عن هيمنة الدولة الأمنية.
وفي ظل استمرار الحرب والحصار والانقسام داخل مؤسسات الحكم، تبدو الشوارع الإيرانية اليوم ساحة موازية للصراع على المستقبل، صراع لا يدور فقط في المفاوضات أو غرف العمليات، بل أيضاً في الأحياء الشعبية، والمقاهي، والجامعات، والفضاءات العامة التي يحاول كل طرف السيطرة عليها وإعادة تعريفها.