يشكّل انتهاء العمل بمعاهدة "نيو ستارت"، آخر اتفاقية كبرى للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا، نقطة تحوّل حساسة في منظومة الأمن الدولي حسب تقرير لمجلة فورين بوليسي.
ومثّلت المعاهدة طوال أكثر من عقد صمام أمان لتنظيم الترسانتين النوويتين الأكبر في العالم، ولم تعد قائمة، وسط تراجع فرص تمديدها أو التوصل إلى بديل سريع، في ظل تصاعد الشكوك الأميركية بشأن التزام موسكو، ورغبة الإدارة الأميركية في صياغة إطار جديد يشمل الصين.
الخطر الحقيقي
ويفتح غياب المعاهدة الباب أمام الطرفين حسب التقرير، لتوسيع ترسانتيهما من دون قيود قانونية من الناحية النظرية.
غير أن الواقع العملي يشير إلى أن سباق تسلح واسع وفوري على نمط الحرب الباردة ليس مرجحا حسب التقرير.
وتواجه كل من واشنطن وموسكو تحديات كبيرة في تحديث بنيتهما النووية ومنشآت الإنتاج، كما أن قدراتهما الصناعية لا تسمح بزيادة سريعة في أعداد الصواريخ أو الرؤوس الحربية.
ورغم استثمارات الصين الضخمة خلال السنوات الأخيرة، تواجه بدورها عقبات تقنية في إنتاج المواد الانشطارية.
وتكمن أهمية "نيو ستارت" وسابقاتها من اتفاقيات الحد من التسلح حسب التقرير في أنها لم تضع فقط سقفا رقميا، بل أسست أيضا منظومة مفصلة للشفافية والرقابة المتبادلة.
وحددت تعريفات دقيقة للصواريخ والقواعد ومواقع الانتشار، كما ألزمت الطرفين بالإفصاح عن أماكن قواتهما النووية، ومنعت تشغيلها من مواقع غير معلنة أو إخفاءها عمدًا عن الأقمار الصناعية، إضافة إلى السماح بعمليات تفتيش ميدانية دورية.
وهذه الآليات حسب فورين بوليسي، كانت ضرورية لأن التحقق من الالتزام النووي مسألة معقدة بطبيعتها.
وخلال الحرب الباردة، كانت وسائل المراقبة التقنية محدودة، ما جعل التفتيش المباشر وتبادل المعلومات عنصرًا حاسمًا لبناء الثقة وتقليل احتمالات سوء التقدير.
إشراك الصين
وتغيّر المشهد جذريا حسب التقرير، فقد أصبحت تقنيات الاستشعار عن بعد أكثر دقة وانتشارا، سواء عبر الأقمار الصناعية الحكومية أو التجارية، كما برزت تهديدات سيبرانية قادرة على استغلال أي معلومات يتم كشفها خلال عمليات التفتيش أو تبادل البيانات، وبذلك تحولت الشفافية، التي كانت أداة للاستقرار، إلى مصدر قلق أمني محتمل.
ويزداد المشهد تعقيدا مع المساعي الأميركية لإشراك الصين في أي اتفاق جديد، إذ إن التفاوض بين 3 قوى نووية ذات عقائد مختلفة قد يستغرق سنوات طويلة، وربما عقدا كاملا حسب التقرير.
وخلال هذه الفترة، قد تترسخ ممارسات جديدة من السرية والمناورة تجعل أي نظام رقابي مستقبلي شبه مستحيل.
ويضيف التقرير أن الخطر الأكبر بعد "نيو ستارت" لا يتمثل في تضخم سريع للترسانات النووية، بل في التآكل البطيء للثقة والشفافية اللتين شكلتا أساس الاستقرار الاستراتيجي لعقود.
ومع تسارع التطور التكنولوجي وتنامي الشكوك السياسية، قد يصبح التوصل إلى اتفاق جديد لضبط التسلح أكثر تعقيدا من أي وقت مضى حسب التقرير، فيما يتجه العالم نحو بيئة نووية أكثر غموضًا وأقل قابلية للمراقبة، وأكثر عرضة لسوء الحسابات تضيف فورين بوليسي.