في أعقاب جلسة المحادثات الأولى بسويسرا لطي صفحة الحرب التي اندلعت في فبراير، تلقى الرئيس اللبناني جوزيف عون اتصالا من الجانبين الأميركي والقطري بخصوص تثبيت وقف إطلاق النار، ومن ثم، تدشين خلية أزمة لإنهاء الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل.
نزع سلاح "حزب الله"
وجاء في بيان للرئاسة اللبنانية الإثنين، أنّ الرئيس عون تلقى "اتصالا هاتفيا من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وكبير مستشاري الرئيس الأميركي جاريد كوشنير ورئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني"، بحثوا خلاله "مسألة تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان ووقف التصعيد العسكري الإسرائيلي والخطوات الواجب اتخاذها في هذا الصدد، ومنها إمكانية تشكيل خلية لهذه الغاية".
كما عقّب وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي على هذه الخطوة، وقال إنّ الخلية الوقائية التي من شأنها إدارة الصراع في لبنان ستكون "أول اختبار حقيقي".
وبالتزامن، صرح نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أنّ واشنطن تريد وقفًا لإطلاق النار في المنطقة، وقد ألمح إلى وضع آلية لنزع سلاح "حزب الله" في لبنان.
وقال دي فانس اليوم في مؤتمر صحفي، إنّ الوضع في لبنان "موضع نقاش مستمر"، لكن "نريد وقفًا إقليميًا لإطلاق النار". وتابع: "حريصون على أمن إسرائيل وسيادة لبنان".
وفي ما يخص موقع إيران من هذا النزاع، شدد دي فانس على ضرورة أن تتولى طهران "كبح جماح حزب الله".
إنهاء النزاع مع إسرائيل
وفي ما يبدو أنّ مستقبل ملف "حزب الله" وإنهاء النزاع مع إسرائيل، يظل مرتبطًا بفصل الجبهة اللبنانية عن المسار أو بالأحرى "الوصاية الإيرانية"، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، مؤكدين أنّ ذلك يتحقق عبر فرض الدولة اللبنانية لسيادتها.
وجعل ارتباط "حزب الله" بطهران لبنان ضمن معادلات الصراع كما التفاوض الإقليمية، بحسب المصادر ذاتها، غير أنّ الدولة تسعى اليوم من خلال حراكها السياسي والدبلوماسي، إقليميًا ودوليًا، إلى تقليص النفوذ الإيراني عبر خطوات عملية أبرزها تعزيز سلطة الجيش وحصر السلاح بيد الدولة.
وبذلك، يواجه لبنان لحظة حاسمة ومفصلية بين تكريس الدولة كمرجعية وحيدة للقرار الأمني والسياسي، أو البقاء ورقة ضمن الترتيبات الإقليمية بشكل قسري ولحساب الوصاية الخارجية.
عزل لبنان عن الوصاية الإيرانية
وفي حديثها لمنصة "المشهد"، أوضحت الأكاديمية اللبنانية المختصة في الشؤون السياسية حياة الحريري، أنّ العلاقة بين لبنان والمفاوضات الإيرانية الأميركية تستوجب التمييز بين مستويين مختلفين، موضحة أنه لا يمكن عزل لبنان بالكامل عما يجري في مسار التفاوض بين واشنطن وطهران، نظرًا للارتباط الوثيق أو بالأحرى تبعية "حزب الله" وإيران.
وقالت الحريري، إنّ الحزب المدعوم من إيران هو من أدخل لبنان في دائرة الحرب والتصعيد، كما أنّ قراراته العسكرية والسياسية ظلت مرتبطة بالموقف الإيراني طوال مراحل المواجهة، سواء في توقيت الانخراط في الحرب أو في مسار العمليات العسكرية ووقفها.
ومن بين أبرز الشواهد على هذا الارتباط، والحديث للأكاديمية اللبنانية المختصة في الشؤون السياسية، توصل الدولة اللبنانية، خلال إحدى جولات التفاوض المباشر مع إسرائيل، إلى تفاهم أولي يقوم على وقف التصعيد الإسرائيلي مقابل توقّف "حزب الله" بالمقابل عن تنفيذ عملياته العسكرية، إلا أنّ الحزب رفض تلك الصيغة، معتبرة أنّ ذلك "عكس تمسكه بإبقاء القرار اللبناني مرتبطا بالحسابات الإيرانية وعدم اعترافه عمليًا بمرجعية الدولة اللبنانية وقراراتها السيادية".
لبنان أمام احتمالين
وأشارت إلى أنّ لبنان يقف اليوم أمام احتمالين؛ الأول أن تستفيد الدولة اللبنانية من المناخ الذي قد تفرزه المفاوضات الإيرانية الأميركية لدفع طهران إلى تقليص نفوذها داخل لبنان ورفع يدها عن القرار اللبناني، ولو بالحد الأدنى، مستندة في ذلك إلى الدعم العربي والدولي، خصوصًا الأميركي.
أما الاحتمال الثاني، فهو أن يبقى الملف اللبناني جزءًا من التفاهمات الإيرانية الإقليمية، بما يعيد تكريس حالة التبعية والوصاية السياسية، ولكن هذه المرة تحت المظلة الإيرانية.
واعتبرت الحريري أنّ نجاح الخيار الأول مرتبط بقدرة الدولة اللبنانية على ترجمة مواقفها السياسية إلى إجراءات عملية، مؤكدة أنّ البيانات الرسمية والخطابات السياسية لم تعد كافية في هذه المرحلة، وأنّ المطلوب هو تنفيذ القرارات التي سبق أن اتخذتها الحكومة والتي تعثّر تطبيقها خلال الأشهر الماضية تحت عنوان الحفاظ على السلم الأهلي.
الخطوة الأساسية
كما شددت على أنّ "الخطوة الأساسية" تتمثل في تعزيز سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية عبر نشر الجيش اللبناني بصورة فاعلة وتنفيذية، والبدء تدريجيًا بمسار حصر السلاح بيد الدولة وفق آلية واضحة ومتدرجة. في حين دعت إلى استكمال المفاوضات مع إسرائيل انطلاقًا من موقع الدولة القادرة على تنفيذ التزاماتها، وكذلك فرض سيادتها، لا من موقع الطرف الذي ينتظر التسويات الخارجية أو الضمانات الدولية.
وختمت الحريري بالتأكيد أنّ "مستقبل موقع لبنان في أيّ تسوية إقليمية يتوقف على قرار الدولة اللبنانية نفسها. فالكرة باتت في ملعب المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية بوصفها المرجعية الدستورية والرئيس كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة. حيث إنّ نجاح الدولة في فرض قراراتها وتنفيذها، كفيل بفصل الملف اللبناني عن التجاذبات الإيرانية، أما استمرار التردد فسيجعل لبنان ضمن أيّ صفقة أو تسوية إقليمية مقبلة، بما قد يفتح الباب أمام عودة أشكال جديدة من الوصاية على القرار الوطني".
استعادة القرار الوطني
من جهته، يرى الكاتب والباحث السياسي اللبناني باسل صالح، أنّ الدولة اللبنانية كانت قد أحرزت خلال المرحلة الماضية تقدمًا ملحوظًا في مسار فصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات الإيرانية الأميركية، عبر تكريس نفسها طرفًا وحيدًا مخولًا بإدارة التفاوض بشأن وقف إطلاق النار والتطورات الأمنية المرتبطة بلبنان.
وقال صالح لـ"المشهد"، إنّ الحكومة اللبنانية سعت، خلال الأشهر الماضية، إلى فرض هذا الواقع السياسي والدبلوماسي، من خلال حصر ملف التفاوض بيد الدولة اللبنانية، بما يعكس توجهًا نحو استعادة القرار الوطني المستقل وإبعاد الساحة اللبنانية عن الارتباط المباشر بالتجاذبات الإقليمية، خصوصًا بين واشنطن وطهران.
المفاوضات اللبنانية الإسرائيلي
وأضاف أنّ المناخ الدولي كان داعمًا إلى حد كبير لهذا التوجه، إلا أنّ التطورات الأخيرة المرتبطة بتسريع مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية أعادت "خلط الأوراق". واعتبر أنّ التوصل إلى "ورقة نوايا" بين الجانبين خلال الفترة الماضية، أدى عمليًا إلى إعادة إدراج الملف اللبناني ضمن الإطار التفاوضي الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.
وأوضح الكاتب والباحث السياسي اللبناني، أنّ طهران كانت تنظر منذ البداية إلى ملف وقف إطلاق النار في لبنان باعتباره جزءًا من "سلة الملفات" المرتبطة بمفاوضاتها مع واشنطن، مشيرا إلى أنّ الإدارة الأميركية، في إطار سعيها إلى تسريع التفاهمات، وفتح آفاق لمفاوضات إضافية خلال المرحلة المقبلة، وافقت بصورة أو بأخرى على إعادة ربط المسارين اللبناني والإيراني.
وبحسب صالح، فإنّ هذا المسار جاء على حساب استقلالية القرار اللبناني، وأضعف المكاسب التي كانت قد حققتها الدولة اللبنانية في ملف التفاوض مع إسرائيل. وتساءل عن جدوى استمرار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بصيغتها الحالية إذا كانت القرارات الأساسية المتعلقة بوقف إطلاق النار والتهدئة باتت مرتبطة بمسار التفاهمات الأميركية الإيرانية.
المؤشرات الميدانية والسياسية
كما أشار صالح إلى أنّ المؤشرات الميدانية والسياسية الأخيرة، بما فيها تثبيت وقف إطلاق النار والحديث عن ترتيبات أمنية وانسحابات إسرائيلية جزئية من بعض المناطق، تعكس عودة الدور الإيراني "كلاعب أساسي" في إدارة الملف اللبناني، بعد أن كان هناك مسعى داخلي ودولي لإعطاء الدولة اللبنانية مساحة أوسع في إدارة هذا الملف.
وفي ما يتعلق بقدرة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها السيادي، أكد المصدر ذاته أنّ التحديات لا تزال كبيرة ومعقدة، وقد شدد على أنّ المؤسسة العسكرية اللبنانية لا تزال بحاجة إلى دعم مالي وعسكري واسع يمكّنها من القيام بالمهام المطلوبة منها، في وقت تواجه فيه الدولة إرثًا ثقيلًا من النفوذ السياسي والأمني الذي راكمه "حزب الله" داخل مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة على مدى أعوام طويلة.
وختم بالقول إنّ استعادة القرار اللبناني المستقل تتطلب "معالجة بنيوية للأزمات التي يعاني منها لبنان، وتعزيز مؤسسات الدولة وقدراتها، بما يسمح لها بإدارة الملفات السيادية بعيدًا عن تأثيرات المحاور الإقليمية وصراعاتها".