hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 سباق الجغرافيا بين تركيا وإسرائيل في سوريا الجديدة

التنافس الإقليمي يقسّم سوريا إلى مناطق نفوذ بعد سقوط الأسد (أ ف ب)
التنافس الإقليمي يقسّم سوريا إلى مناطق نفوذ بعد سقوط الأسد (أ ف ب)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • سقوط نظام الأسد أطلق شرارة صراع نفوذ إقليمي بين تركيا وإسرائيل في سوريا.
  • كاتب تركي: من الناحية القانونية، تركيا، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، تُعتبر قوة احتلال في سوريا.
  • باحث سياسي: التطورات الأخيرة أخرجت موسكو من المعادلة، والصراع الحقيقي بات بين إسرائيل وتركيا.

مع سقوط نظام بشار الأسد، دخل صراع النفوذ في سوريا مرحلة جديدة لتجد حكومتها الانتقالية بقيادة "هيئة تحرير الشام" نفسها عالقة بين مساعي أنقرة وتل أبيب بتعزيز مواقعهما الإستراتيجية في المنطقة، إلى جانب محاولة موسكو الحفاظ على مصالحها في خضمّ التنافس المحتدم، لتستمر سوريا في كونها ساحة صراع إقليمي ودولي بين مختلف القوى.

سقوط الأسد وعودة التنافس الإقليمي

تسبّبت الضربات الجوية الإسرائيلية الأخيرة في تصعيد حاد للتوتر مع أنقرة، في وقت يسعى فيه الطرفان لتعزيز نفوذهما في الساحة السورية المتزعزعة. ورغم أنّ الغارات استهدفت مواقع سورية، إلا أنّ هدفها الأساسي كان تقويض الطموحات العسكرية التركية في المنطقة.

أجرت تركيا عمليات مسح لثلاث قواعد جوية على الأقل في سوريا، وهي قواعد T4 وتدمر وحماة، تمهيدًا لنشر محتمل للقوات ضمن اتفاق دفاع مشترك قيد الإعداد بين أنقرة ودمشق، ضمن إطار استراتيجية تركية أوسع تهدف إلى تعزيز نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة، بدءًا من سوريا والعراق.

وزارت فرق عسكرية تركية مؤخرًا قواعد T4 وتدمر لتقييم بنيتها التحتية، بما في ذلك المدارج وحظائر المقاتلات، استعدادًا لاحتمال نشر قوات، إلا أنّ زيارة كانت مقررة أُلغيت بعد ساعات من تنفيذ إسرائيل ضربات جوية جعلت من قاعدة T4 غير صالحة للاستخدام.

في الوقت ذاته، اتّهم مسؤولون إسرائيليون تركيا بمحاولة تحويل سوريا إلى "محميّة" واقعة تحت نفوذها، ما يعكس المخاوف الإسرائيلية الأوسع من الدور التركي في المنطقة وإمكانية مساهمته في تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي.

أدان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الغارات الإسرائيلية على سوريا، معتبرًا إياها انتهاكًا لسيادة الأراضي السورية، مشددًا على عدم سعي بلاده لمواجهة مع إسرائيل وأنّ إدارة دمشق تُعتبر حليفة لأنقرة، وأيّ تفاهمات مستقبلية بين إسرائيل وسوريا يجب أن تكون قرارًا سياديًا بين البلدين.

في المقابل، صرّح مسؤول إسرائيلي أنّ بلاده "لا تبحث عن صراع مع تركيا، ونأمل ألا تسعى تركيا إلى صراع معنا"، ما يعكس نية البلدين احتواء التوترات وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

تشير التقارير الغربية إلى أنّ الجيش الإسرائيلي نفّذ أكثر من 600 غارة جوية على سوريا خلال الأيام العشرة الاولى من سقوط الأسد، مستهدفة مستودعات ذخيرة، وأنظمة دفاع جوي، وطائرات في مطارات عسكرية، بهدف إضعاف القدرات العسكرية للنظام الجديد في دمشق.

التدخل التركي: قواعد وخرائط

بعد تسلمه السلطة، أعرب الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وأركان نظامه بدءًا من وزير الخارجية وصولًا إلى محافظ دمشق ذات الطبيعة الإدارية لمنصبه عن رغبتهم في تحقيق السلام والتأكيد على عدم تمثيل سوريا تهديدًا لأيٍّ من دول الجوار، بما فيها إسرائيل.

لكنّ هذه التطمينات لم تحل دون استمرار تل أبيب في الاحتفاظ بوجودها العسكري داخل سوريا وتنفيذ عمليات ضد ما تعتبره تهديدات قادمة من قوى خارجية كتركيا، وجماعات داخلية كالجهاديين.

وأدّت التوغلات الإسرائيلية الأخيرة في جنوب سوريا إلى سقوط ضحايا مدنيين، حيث تشير التقارير إلى مقتل 9 مدنيين في قصف استهدف محافظة درعا. وأثارت هذه الحوادث موجة غضب في الشارع السوري، حيث دعت المساجد في درعا وريف دمشق إلى الجهاد ضد القوات الإسرائيلية، في تغيّر للخطاب الذي كان يرى في التدخلات الإسرائيلية عاملاً مفيداً وأداة فاعلة للإطاحة بنظام الأسد.

إردوغان يستغل الوضع

وفي حين تبرر تل أبيب تحرّكاتها بالقلق من صعود الجماعات الإسلامية المسلحة في سوريا والتي تعتبرها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، إلا أنّ الضربات الأخيرة لناحية توقيتها ومواقعها تشير إلى التنافس الجيوسياسي مع أنقرة، حيث يسعى كل طرف إلى توسيع نفوذه ضمن المشهد السوري المتغير.

مع استمرار الاضطرابات الإقليمية، يسعى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لاستغلال تراجع نفوذ منافسيه إيران وروسيا في سوريا.

هدف أنقرة هو إعادة فرض النفوذ التركي في الشرق الأوسط ضمن ما بات يسمّى بإستراتيجية "العثمانية الجديدة"، وإعادة تشكيل المشهد الإقليمي.

هذا التوجّه قد يدفع تل أبيب إلى تعديل قواعد الاشتباك العسكري لمواجهة النفوذ التركي المتزايد.

يعتبر الكاتب والخبير التركي في ملفات الشرق الأوسط، فهيم تاشتيكين:

  • إنّ حزب العدالة والتنمية شريك رئيسي في انهيار نظام الأسد ووصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة، وحشد إردوغان كل الإمكانيات الاقتصادية والعسكرية لدعمها، ويرى نجاحها كنجاح له.

يقول تاشتيكين في حديثه إلى منصّة "المشهد": "من الناحية القانونية، تركيا، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، تُعتبر قوة احتلال في سوريا، وبالتالي يستند الإسرائيليون في احتلالهم للأراضي السورية إلى المبرر نفسه الذي استخدمته تركيا لناحية ضمان أمنها القومي، كما يمكن للإسرائيليين أن يقولوا لأنقرة كنا في الفريق نفسه الذي عمل على إسقاط النظام".

ووفق تاشتيكين فإنّ "السعي التركي المستعجل لعقد اتّفاقية دفاع مشترك مع دمشق هو لتغيير وضع قوة الاحتلال من الناحية الفنية، بشكل شبيه لتغطية وجود القوات الروسية في عهد الأسد بالاتّفاق مع دمشق، وهذا يتطلب وجود اتّفاقات ثنائية سارية وفقًا للقوانين الداخلية للبلدان".

4 مناطق نفوذ فعلية في سوريا

تشير خريطة توزّع القوى في الميدان السوري إلى انقسام البلاد لمناطق جغرافية مختلفة من دون وجود خطوط تماس ساخنة في ما بينها (عدا منطقة سد تشرين وحولها شمال البلاد)، حيث تتركز سلطة الحكومة المركزية في مناطق سيطرة الأسد سابقًا يضاف إليها مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام في إدلب ومحيطها، فيما لا تزال قوات سوريا الديمقراطية تحافظ على سيطرتها الميدانية على مناطق شمال وشرق سوريا، وقوات العودة في درعا، والمجموعات الدرزية في السويداء، إلى جانب جيش سوريا الحرة، التي تمددت مؤخّرًا من قواعدها في التنف باتجاه الضمير.

لكن ثمة خريطة نفوذ أكثر ديمومة باتت تظهر بشكل أكثر وضوحًا في الأيام الأخيرة، قد تكون مقدّمة لتشكيل المشهد الجيوسياسي السوري في المستقبل.

تستمر تركيا في الاحتفاظ بنقاطها العسكرية في شمال سوريا، والتي أسستها بناء على توافقات سوتشي وأستانا مع موسكو وطهران وبموافقة ضمنية من دمشق منذ عام 2017، وهي تحاول التوسّع جنوبًا وصولًا إلى دمشق.

قوات ترامب شرق الفرات

في المقابل، رغم التقارير الإعلامية التي تحدّثت عن إمكانية سحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب لقوّاته من شرق الفرات، إلا أنّ التوتّرات الإقليمية والتهديدات الأخيرة الموجّهة لطهران، تستبعد مثل هذا السيناريو، في المستقبل القريب على الأقل، مع ترسيخ وجود قوات سوريا الديمقراطية التي تصر على الاندماج ضمن هيك الجيش السوري الجديد كبنية عسكرية موحّدة.

كما لا تزال روسيا تحتفظ بقواعدها العسكرية في الساحل السوري، ووجد رمزي في شمال شرق البلاد، وتفاوض على استمرارية وجودها العسكري، متسلّحة بأوراق ضغط وقوة كموقعها في مجلس الأمن وتأثيرها على المجتمع السوري وخصوصًا الأقلّيات، إلى جانب الرغبة الإسرائيلية المتزايدة للبقاء الروسي كعامل موازن للنفوذ التركي المتصاعد.

لكنّ مدير مركز خبراء رياليست الروسي، د. عمرو الديب، يرى أنّ "روسيا ونفوذها في أفول داخل سوريا، فبعد أن كان التنافس بين روسيا وايران، بات الصراع الآن بين إسرائيل وتركيا ومن وراءها".

ويقول الديب، الأستاذ المساعد في معهد العلاقات الدولية والتاريخ العالمي في حديثه إلى منصّة "المشهد"، إنّ "التطورات الأخيرة في سوريا أخرجت روسيا إكلينيكيا منها، موسكو تواجه ضياع كل مكاسبها السابقة في منطقة الشرق الأوسط وليس سوريا فقط".

روسيا في الصراع التركي - الإسرائيلي

تمثل روسيا لاعباً أساسيًا في الصراع التركي - الإسرائيلي على سوريا، وترى في الحفاظ على قواعدها العسكرية في سوريا تعزيزًا لنفوذها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأداة لمنافسة النفوذ الأميركي والغربي.

أما الجنوب السوري، فقد أعلنته إسرائيل امتداداً لأمنها القومي، محذّرة قوّات دمشق من الاقتراب من هذه المنطقة، في رسالة مبطّنة أيضًا إلى حليفتها تركيا.

الانقسامات الداخلية في سوريا، والتي تجذّرت خلال سنوات الحرب الأهلية، تجعل البلاد عرضة للتدخلات الأجنبية. وتشير المجازر التي ارتكبتها الفصائل المسلّحة المنضوية تحت مظلة الجيش السوري الجديد ضد العلويين في الساحل، إلى هشاشة الوضع.

في ظل تسابق القوى الإقليمية لملء الفراغ في سوريا بدأت الآمال التي صاحبت سقوط الأسد بانتقال سلمي ووحدة وطنية تتبدد، وسط خطر حقيقي من تحول سوريا مجددًا إلى ساحة صراع بالوكالة.

تشكلّ الأوضاع الراهنة في سوريا مزيجًا معقدًا من الصراعات الإقليمية، والانقسامات الداخلية، تبقى آفاق السلام والاستقرار في البلاد غامضة. وتسلّط هذه الديناميكيات المتغيرة الضوء على التحديات الكبرى التي تواجهها سوريا، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل البلاد.