لا تزال عقبة اليوم التالي للحرب تفرض نفسها وبقوة على الحكومة الإسرائيلية التي لم تُقدّم حتى الآن رؤية واضحة لمصير الحرب الدائرة رحاها داخل قطاع غزة، أو على الأقل وضع تصور لليوم الذي يلي إنهاء هذه الحرب التي شارفت على عامها الثاني توالياً.
وفي ظل الرفض الإسرائيلي القاطع لوجود "حماس" والسلطة الفلسطينية في حكم قطاع غزة في اليوم التالي للحرب، قدم زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد، مقترحاً رسمياً لواشنطن مكملاً لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لليوم التالي للحرب على غزة، مفاده تولي مصر مسؤولية القطاع لمدة 15 عاماً، مقابل إلغاء الديون الخارجية لمصر والبالغة 155 مليار دولار من قِبَل المجتمع الدولي.
المقترح الذي قدمه لابيد خلال زيارته للولايات المتحدة الأميركية لكبار مسؤولي إدارة ترامب في البيت الأبيض وكبار أعضاء مجلس الشيوخ، وصفته وسائل إعلام عبرية بالثوري وغير التقليدي، والذي قد يخرج مصر من أزمتها الاقتصادية، وفي الوقت ذاته تتخلص إسرائيل من كابوس غزة حسب وصف تلك الوسائل.
"لا يُشترى بالأموال"
ويأتي مخطط زعيم المعارضة الإسرائيلية لابيد في ظل جهود مصرية حثيثة لوقف الاقتتال داخل غزة، والتي كان آخرها مقترح لوقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا، وافقت عليه الفصائل الفلسطينية ورفضه نتانياهو، كما أنه يتزامن مع استمرار رفض مصر القاطع لتهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم.
من جانبه، وصف المدير الأسبق لإدارة الشؤون المعنوية بالجيش المصري اللواء سمير فرج، خطة لابيد بتولي مصر مسؤولية قطاع غزة نظير إسقاط 155 مليار دولار من ديونها الخارجية، بالمرفوضة شكلاً وموضوعاً من قبل الدولة المصرية، مؤكداً أن القرار المصري لا يُشتري بالأموال وهذا مبدأ لن تحيد عنه مصر طوال الوقت.
وأكد فرج في حديثه مع منصة "المشهد" أن من سيدير غزة هم أهل فلسطين أنفسهم، مشيراً إلى أن هذا هو موقف مصر الثابت منذ اليوم الأول للحرب الإسرائيلية الشعواء على قطاع غزة.
وكشف أن مصر كانت لها تجربة سابقة في إدارة أمور غزة في الفترة ما بين عام 1948 وحتى عام 1967, وكان هناك حاكم عسكري مصري للقطاع، ورغم ذلك إلا أنّّ مصر لن توافق على إعادة هذه التجربة مرة أخرى، لأن الأوضاع تغيرت ولم تعد كما كانت، لأنّ سيطرة مصر آنذاك كانت مدفوعة بالصراع العربي الإسرائيلي، وتهدف إلى خدمة المصالح العربية والفلسطينية.
وأشار فرج إلى أن فكرة إدارة مصر لغزة في هذه المرحلة بمثابة مخطط إسرائيلي يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية برمتها وليس أيّ شيء آخر، والضرر الذي ستُلحق بمصر يفوق أي مكاسب مالية محتملة.
وكان المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية المصرية السفير تميم خلاف، قد أكد في وقت سابق رداً على استفسارات صحفية عن المقترحات المتداولة بشأن الحوكمة خلال المرحلة المقبلة في قطاع غزة، أن الارتباط العضوي بين قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، كونها أراضٍ فلسطينية تمثّل إقليم الدولة الفلسطينية المستقلة".
وفي هذا الإطار يشير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير عبدالله الأشعل، إلى أن بلاده قد تُقدّم المساعدة للفلسطينيين في إدارتهم للقطاع، لكنها لن تتدخل بمفردها لتحمل مسؤولية شؤونه، مشيراً إلى أن ما عرضه لابيد تكرر قبل ذلك عدة مرات لكن بصور مختلفة، مبيناً في الوقت ذاته أن حكم قطاع غزة هو حق أصيل للفلسطينيين وحدهم دون سواهم.
غير قابل للتطبيق
وبينّ الأشعل في حديثه لـ"المشهد" أن مقترح زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد ما هو إلا انعكاس لأفكار المسؤولين داخل إسرائيل، والرامية إلى الاستيلاء على الأراضي بالقوة وطرد سكانها، مؤكداً أن هذا المقترح غير قابل للتطبيق ولا يمكن أن تقبل به مصر أياً كان الثمن، مشيراً إلى أنه وعلى الرغم من أن الأوضاع الاقتصادية في مصر ليست في أحسن حال، إلا أنه لا يستطيع أحد استغلال هذا الأمر لصالحه مطلقاً.
وتجاهلت القاهرة الردّ على مقترح زعيم المعارضة يائير لابيد، ولم يصدر عنها أيّ رد رسمي حتى كتابة سطور هذا التقرير.
لكنّ المدير الأسبق لإدارة الشؤون المعنوية بالجيش المصري اللواء سمير فرج، يرى أنّ مقترح لابيد فخ إسرائيلي لا يمكن أن تنجرّ إليه مصر، فإسرائيل تريد أن تُدير مصر القطاع بعد فشلها الذريع سياسياً وعسكرياً فيه، وبالتالي تتورط مصر في مسؤولية تأمينه وبعدها تتحول مقاومة القطاع ضدها.
وأضاف أنه في حال موافقة القاهرة على تولي مسؤولية القطاع، وحدث أن الفصائل الفلسطينية أطلقت أي رصاصة على إسرائيل فسيكون هنا الخلاف مع مصر، ومن ثم تدخل مصر في دوامة الحرب.
ويتزامن إعلان مقترح لابيد بسداد ديون مصر مقابل إدارة قطاع غزة، مع الرفض المصري القاطع لتهجير الفلسطينيين سواء إلى مصر أو أي دولة أخرى.
ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير عبد الله الأشعل، أن هذا المقترح يعد التفافًا وبديلاً عن قضية التهجير التي لاقت رفضاً مصرياً وعربياً واسعاً، كما أنه محاولة إسرائيلية جديدة لنقل مسؤولية الأزمات التي تختلقها إسرائيل إلى دول المنطقة، والتنصل من مسؤولية إصلاح الدمار الذي تسببت به داخل غزة وترك هذه المهمة لمصر.
ولفت الدبلوماسي المصري إلى أن غزة جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية، كما أن مثل هذه المقترحات التي عرضها لابيد تمس السيادة الفلسطينية ولا تتماشى مع الموقف المصري الثابت على مدار التاريخ بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، موضحاً أن الرؤية المصرية تجاه غزة ما بعد الحرب واضحة ولن يطرأ عليها أي تغير، والمتمثلة في إعادة الإعمار من دون تهجير، وأن اليوم التالي للحرب في غزة لن يكون إلا فلسطينياً خالصاً، لا إدارة فيه لمصر أو أي دولة عربية أخرى.