في مطلع العام الجاري، بدا أنّ لبنان يقترب من تحقيق أحد أكثر أهدافه استعصاءً: نزع سلاح "حزب الله" المدعوم من إيران، والذي رسخ نفسه كدولة داخل الدولة.
إلا أنّ هذا المسار الذي بدأ بخطوات مترددة، سرعان ما تعثّر وتوقّف، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.
فبعد عام من التزام الحزب ضبط النفس رغم الضربات الإسرائيلية عبر الحدود، عاد ليظهر كلاعب رئيسي في المواجهة.
ومع اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران في مارس، بادر "حزب الله" إلى شن هجمات عبر الحدود دعمًا لراعيه الإقليمي، ما أسفر عن مقتل عدد من الجنود الإسرائيليين.
ويجد لبنان نفسه اليوم في مأزق مألوف: إسرائيل كثفت حملتها العسكرية ضد الحزب ما جعل فكرة نزع سلاحه أكثر بعدًا، فيما تراجعت الحكومة اللبنانية عن خيار المواجهة المباشرة خشية الانزلاق إلى صراع داخلي يعيد شبح الحرب الأهلية، على الرغم من الضغوط الغربية المتزايدة.
نافذة أُغلقت سريعا
فتحت الهدنة التي رعتها واشنطن نافذة نادرة أمام مشروع نزع السلاح، حيث أُزيلت آلاف الصواريخ من الجنوب وأعلن الجيش اللبناني مطلع 2026 استكمال المرحلة الأولى من تفكيك ترسانة الحزب بين نهر الليطاني والحدود.
لكنّ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في فبراير أطاح بكل التقدم، حيث ردّ "حزب الله" بإظهار قدرات جديدة عبر طائرات مسيّرة هجومية وصواريخ مضادة للدروع، ما أربك إسرائيل وحلفاءها.
ووجدت الحكومة اللبنانية التي منعت الحزب رسميًا من أيّ نشاط عسكري في مارس، نفسها عاجزة عن فرض القرار. فذكريات الحرب الأهلية تجعل أيّ مواجهة داخلية محفوفة بالمخاطر، فيما يربط كثيرون مصير نزع السلاح بتراجع النفوذ الإيراني في المنطقة.
وترى الباحثة لينا الخطيب، أنّ "لبنان سيظل ينتظر تغييرًا في طهران قبل أن يتمكن من طيّ صفحة تحدّي حزب الله للمصلحة الوطنية".
مأزق سياسي وأمني
أشار رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مرارًا، إلى اتفاق الطائف الذي نص على حل الميليشيات قبل أكثر من 3 عقود، مؤكدًا أنّ لبنان تأخر كثيرًا في تنفيذ هذا الالتزام.
لكنّ الانقسام السياسي وارتباط الحزب بالهوية الطائفية الشيعية، يعقّد أيّ خطوة عملية.
وفي ظل الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب اللبناني وتشريد مئات الآلاف، يزداد القلق من أنّ أيّ صدام بين الدولة والحزب، سيعمق الانقسام الداخلي ويضاعف معاناة اللبنانيين.
وتضع المحادثات التي ترعاها واشنطن بين إسرائيل ولبنان ملف نزع السلاح في صلبها، وسط مقترحات بإنشاء لجنة دولية مستقلة على غرار تجربة إيرلندا الشمالية، أو استخدام التمويل الخارجي كوسيلة ضغط.
وأشار التقرير إلى أنّ ضعف الجيش اللبناني وغياب الدعم المالي الكافي، يطرحان تساؤلات حول قدرة الدولة على مواجهة الحزب.
ويقول هايكو ويمن من مجموعة الأزمات الدولية، إنّ "لبنان أمام لحظة حقيقة"، مضيفًا أنّ طريقة تعامل بيروت مع ملف نزع السلاح ستحدد مستقبل البلاد في المرحلة المقبلة.