شهدت روسيا في الأشهر الثلاثة الأخيرة تصاعداً للعنف في البلاد مهدداً بتقويض جهود موسكو في التركيز على الجبهة الأوكرانية خارجياً، واستمرار التقدّم الذي أحرزته قوّاتها على مختلف الجبهات هناك.
تمتلك روسيا تاريخاً حافلاً من التوترات طويلة الأمد مع عرقيات إسلامية من سكّان آسيا الوسطى وشمال القوقاز، ما يشير إلى خطر ظهور تصدّعات اجتماعية في الجبهة الداخلية الروسية في حال استمرار هذه الهجمات من جهة وتشدّد موسكو في إجراءاتها الأمنية من جهة أخرى.
التنظيمات المتطرفة في روسيا
الشهر الفائت، اقتحمت قوات الأمن الروسية مركز احتجاز في مدينة روستوف أون دون وقتلت 6 مسلحين من تنظيم داعش كانوا يحتجزون 2 من الحراس الروس كرهائن.
العملية جاءت بعد قتل مسلّحين مدججين بالأسلحة الحربية أكثر من 140 شخصاً وإصابة المئات في قاعة للحفلات الموسيقية بضواحي موسكو، في هجوم تبنّى تنظيم "داعش" مسؤوليّته بشهر مارس الماضي.
وتلا الحادثة هجوماً إرهابياً آخر، أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 19 شخصاً وإصابة 25 آخرين في استهداف متزامن لأماكن عبادة مختلفة في جمهورية داغستان بأقصى جنوب روسيا.
الشيشان وداغستان
تحتضن روسيا أكثر من 200 أقلّية عرقية، بمساحة تمتد على 11 منطقة زمنية، وقد عاشت سنوات طويلة تحت وطأة الهجمات الإرهابية، التي جاءت أغلبها في أعقاب الحربين اللذين خاضهما الجيش الروسي ضد الانفصاليين في الشيشان، المنطقة ذات الأغلبية المسلمة في شمال القوقاز، وداغستان، التي تعرّضت لهجمات وتفجيرات، اتّهمت موسكو المقاتلين الإسلاميين المتشددين بالوقوف وراءها.
وشهدت هذه المناطق احتجاجات بدءاً من العام 2022 رفضاً لأوامر التعبئة التي أصدرها بوتين لدعم صفوف جيشه في الحرب الأوكرانية.
يؤكد الباحث في شؤون الإرهاب أحمد سلطان، في حوار مع منصّة "المشهد" توفر معلومات لديه "عن قيام تنظيم داعش خلال الفترة الأخيرة بتجنيد العديد من الخلايا داخل روسيا، خصوصاً في مناطق القوقاز، حيث يتم تحريكها لتنفيذ هجمات معينة وقد تم اسقاط بعضها من قبل أجهزة الأمن الروسي".
ويشير سلطان، الخبير في تتبع المجموعات الراديكالية في المنطقة والعالم، إلى أن "التنظيم يركز على روسيا ولديه بعض الخلايا، لكن ما زال التهديد من منخفض إلى متوسط ولم يصبح تهديدا عاليا، رغم أن الهجوم الأخير في كوروكس سيتي كان دامياً، لأنه استهدف أهدافا رخوة والمدنيين وبالتالي كانت الخسائر كبيرة".
الإرهاب والمجتمعات الروسية المسلمة
خلال غزو أفغانستان في العقد الأخير من القرن الماضي، واجهت روسيا إسلاميين أفغانا سلّحتهم الولايات المتحدة، أسسوا فيما بعد نواة تنظيم القاعدة. ثم جاءت حروب الشيشان التي حوّلت فئة من المجتمع الشيشاني إلى الجهادية القوقازية تحت مسمّى "إمارة القوقاز" ضد روسيا.
ومع انتهاء حروب الشيشان غادر العديد من المتطرفين المحليين للانضمام إلى "داعش" في كل من العراق وسوريا، فيما حرّض الانسحاب الأميركي المفاجئ من أفغانستان نشاط داعش خراسان، الذي بدأ بشن هجمات جديدة على روسيا.
حرب غزة
كما أدت الحرب الإسرائيلية على غزة إلى تغذية المشاعر المعادية لليهود خصوصاً والمجتمع الغربي بشكل عام وشكّلت أرضية خصبة لاستقطاب المزيد من المتطرفين تحت عنوان "المظلومية الإسلامية".
لكن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف نفى تزايد "التطرف الإسلامي المسلح" في داغستان، وأصر على أن "هذا النوع من السلوك الإجرامي الذي رأيناه في داغستان لا يحظى بدعم المجتمع، سواء في روسيا أم في داغستان".
كل ذلك أثار تساؤلات حول إمكانية أن يؤدي الواقع "الجهادي" الجديد إلى ظهور انشقاقات في الجسم الاجتماعي الروسي على أساس النعرات الدينية، وهي من أكثر المسائل حساسية بالنسبة لموسكو، التي دأبت على الدوام على معالجة المسائل ذات الجذور الدينية كحالات فردية مبدية الحرص على عدم إسقاط ذلك على الفئات الواسعة من المواطنين الروس المسلمين.
ويرى الأستاذ المحاضر في جامعة موسكو، والخبير في السياسات الدولية، د. إقبال دوري في حديثه مع منصة "المشهد" أن:
- روسيا الحذرة جداً في هذا الموضوع، تميز من ناحية تشديد الإجراءات وممارسة المزيد من الرقابة بين مواطنيها المسلمين وبين الوافدين من جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً.
- فبالنسبة للفئة الأولى لا جديد يذكر ولن يحدث أي اختلاف في التعاطي الأمني معهم، فيما شهدنا إجراءات أكثر تشدداً وقوانين جديدة تخص الفئة الثانية.
حرب أوكرانيا
تعتبر الحرب الأوكرانية الأولوية بالنسبة للرئيس الروسي، الذي يركّز كل جهوده من أجل حسم "المعركة الوجودية" على حدود بلاده الغربية.
ويرى سلطان أن "هناك نوعاً من الارتباط المباشر بين الحرب الأوكرانية والهجمات الإرهابية داخل روسيا، ودرجة الارتباط تختلف باختلاف المجموعات المتطرفة. بالنسبة للخطر الإرهابي فإنه لم يقتصر الأمر على داعش فقط، فالهجوم الأخير في مدينتين داغستانيتين نفّذته مجموعة موالية لتنظيم القاعدة".
يقول سلطان "إذا نحن أمام نوع من التنفس الجهادي لاستهداف روسيا. لم يرق للمقربين من تنظيم القاعدة أو للموالين للتنظيم أن يستأثر داعش وفرعه في أفغانستان وولاية خرسان، الذي يمثّل قيادة إقليمية في وسط آسيا بالنسبة لداعش، أن يستأثر بالعمل في هذه المنطقة التي كانت أرضاً جهادية محسوبة على القاعدة منذ القديم".
يؤيدّه في الرأي د. دوري الذي يؤكد على "وجود ارتباط زمني على الأقل بين الحرب الأوكرانية والهجمات الإرهابية، إن لم نأخذ بعين الاعتبار التصريحات الروسية الرسمية التي ربطت التصعيد الأخير بكييف بشكل مباشر".
ويشرح سلطان أن "هناك نوعا من التوظيف للحركة الجهادية ضد روسيا. نحن نتحدث عن مجموعات كانت موجودة في سوريا، فكيف انتقل مقاتلو هذه المجموعات المعروفين والمدرجين على قوائم الإرهاب بأسلحتهم من شمال غرب سوريا إلى أوكرانيا؟".
ويؤكد سلطان على وجود "تسهيل استخباراتي لعملية الانتقال، والدعم الذي قدم لهذه المجموعات للانتقال والقتال ضد روسيا خلق أيضاً نوعاً من التنفس الجهادي".
الهجمات الإرهابية
تركت الحرب في الشيشان بصماتها على المنطقة بأكملها، ومع الأخذ بعين الاعتبار "العائدين" من الحرب في سوريا بعد هزيمة "داعش"، يمكن التنبؤ باستمرار الهجمات الإرهابية على روسيا خلال الأسابيع والأشهر القادمة.
تعمل الحركات الإسلامية المتطرفة والجهاديون على إثارة مشاعر السكان في جميع أنحاء آسيا الوسطى، مما يدفع الحكومات إلى اتّخاذ المزيد من إجراءات الحيطة والتعاون بشكل أوسع مع الدول الفاعلة في المنطقة مثل روسيا والصين، ما يهدد البنية التوافقية السائدة في المجتمعات المحلية في المنطقة منذ عقود.
ويتّفق كل من دوري وسلطان على احتمالية تصاعد الهجمات الإرهابية ضد روسيا.
وبرأي سلطان "إذا استطاع الجهاديون كسب زخم وتأمين الموارد الكافية سيتحوّل الموضوع إلى تهديد عال للدولة الروسية المنشغلة بالحرب في أوكرانيا. ويمكن بالطبع أن تلقى بعض الجماعات الجهادية دعما من الاستخبارات الغربية ومن غيرها من الدول المعادية لروسيا، وبالتالي يمكن أن يتصاعد ويتعاظم خطر التهديد الإرهابي خلال الفترة المقبلة في روسيا".
مضيفاً "فالتنظيم خطر وسيظل موجودا وستظل الحركة الجهادية تمثل تهديدا لروسيا، لأنها لم تنته تماما رغم أنها تلقت ضربات قوية خلال العقدين أو الثلاث عقود الماضية".
قبل ربع قرن تقريبا، تميزت بداية حكم الرئيس بوتين بتصاعد العنف والانفجارات التي شهدتها موسكو وحرب الشيشان. ومنذ اليوم الأول، قدّم بوتين نفسه باعتباره الزعيم القادر على إنهاء دوّامة العنف في البلاد، وهو الوعد الذي كرره في مناسبات عديدة حيث وعد بوتين بمنع تكرار الفوضى التي شهدتها البلاد في حقبة التسعينيات.
ويشير سلطان إلى أن "التهديدات الإرهابية تؤثر على صورة روسيا إقليمياً وعالمياً، لأنها تأتي في توقيتات متزامنة، وهذا يدل على عدم تأمين الجبهة الداخلية بما يكفي. وفضلا عن ذلك هناك عمليات تنفذها بعض الخلايا الموجهة من الاستخبارات الأوكرانية أو الغربية بشكل عام ضد المصالح الروسية داخل روسيا. فكل هذا يؤثر على صورة روسيا القوية".