تدخل الحرب في أوكرانيا مرحلة جديدة عنوانها "الإنهاك المتبادل"، بعدما انتقلت المواجهات من ساحات القتال التقليدية إلى ضربات إستراتيجية تستهدف العمق، في وقت تراهن فيه موسكو على تعزيز قدراتها الصناعية العسكرية، بينما تحاول كييف إرباك خطوط الإمداد الروسية عبر استهداف منشآت حيوية داخل الأراضي الروسية.
وخلال نقاش الإعلامي مالك علاوي في برنامج "المشهد الليلة" عبر قناة ومنصة "المشهد"، قال مدير مركز "فيجن" للدراسات الإستراتيجية من كييف، الدكتور سعيد سلام، إن الهجمات الأوكرانية داخل العمق الروسي بدأت منذ خريف عام 2025، وتطورت لاحقاً إلى إستراتيجية تقوم على "الاستنزاف الإستراتيجي المستمر" للقدرات الصناعية والطاقة الروسية.
وأضاف سلام أن هذه الهجمات جاءت أيضاً كرد على استهداف روسيا المستمر لمنشآت الطاقة والمناطق المدنية داخل العمق الأوكراني، موضحاً أن الحرب الخاطفة التي أرادها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحولت إلى حرب استنزاف بنيوية متبادلة، يسعى خلالها الطرفان إلى إنهاك بعضهما على مستويات عسكرية وصناعية وبشرية واقتصادية.
وأشار إلى أن طبيعة الحرب تغيرت من صراع تقليدي للسيطرة على مساحات جغرافية محددة إلى معركة تركز على السيطرة على سلاسل الإمداد والقدرة على تمويل العمليات العسكرية والحفاظ على استدامتها.
الرهان على إنهاك روسيا
من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة موسكو، الدكتور نزار بوش، إن الرهان على إنهاك روسيا أو دفعها إلى طلب وقف القتال هو "وهم"، مؤكداً أن موسكو تمتلك قدرة كبيرة على تحمل الخسائر ومواصلة الحرب لفترة طويلة.
وأضاف بوش أن روسيا تستعد لما هو أبعد من المعارك الحالية، مشيراً إلى أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة على الحدود الأوكرانية، بل أصبح مرتبطاً باستخدام تقنيات جديدة مثل الطائرات المسيرة، التي وصفها بأنها تمثل شكلاً جديداً من أشكال الحروب الحديثة.
وعن تأثير الضربات الأوكرانية على الاقتصاد الروسي والمنشآت النفطية، قال بوش إن أي حرب بين طرفين تؤدي حتماً إلى خسائر، لكن روسيا مستعدة لتحمل هذه الخسائر مقابل ما تعتبره حماية لأمنها القومي.
وفي المقابل، أوضح الدكتور سعيد سلام أن تراجع الدعم الغربي لأوكرانيا خلال الفترة الماضية دفع كييف إلى تطوير قدراتها التكنولوجية، خصوصاً في مجال الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن أوكرانيا تمكنت من تعزيز إنتاجها من المسيّرات واستخدامها لتنفيذ ضربات بعيدة المدى.
وقال سلام إن الهجمات الأوكرانية على قطاع النفط الروسي خلال الشهرين الماضيين تسببت في أزمات داخلية، بينها ارتفاع أسعار الوقود وحدوث نقص في بعض المناطق، معتبراً أن هذه الضربات تهدف إلى الضغط على الاقتصاد الروسي وإضعاف قدرة موسكو على تمويل الحرب.
ورداً على ذلك، أكد الدكتور نزار بوش أن روسيا لا تخشى تحول اقتصاد الحرب إلى عامل ضغط داخلي، مشيراً إلى أن موسكو تمتلك الإمكانيات اللازمة للاستمرار في القتال لسنوات، وأن المجتمع الروسي، بحسب قوله، يدعم القيادة السياسية والعسكرية في هذه المرحلة.
وبينما تراهن كييف على ضربات نوعية في العمق الروسي لإرباك خطوط الإمداد وإضعاف القدرات الاقتصادية والعسكرية، تعتمد موسكو على تفوقها الصناعي العسكري وقدرتها على الإنتاج المستمر، ما يترك الحرب مفتوحة على سيناريوهات طويلة الأمد في ظل غياب مؤشرات واضحة على تسوية قريبة.






