تشهد بلدة الطيبة في الضفة الغربية تراجعا متسارعا في الوجود المسيحي وسط تصاعد القيود على الحركة والاعتداءات المتكررة من المستوطنين، ما أدى إلى تفاقم حالة القلق بين سكانها ودفع بعض العائلات إلى التفكير في مغادرة البلدة.
وأكد تقرير صحيفة "لوموند" الفرنسية أن الطيبة المحاطة بالمستوطنات اليهودية تهجر من سكانها المسيحيين، الذين بات وصولهم إلى الأراضي الزراعية والموارد، بل وحتى منازلهم في بعض الأحيان، مقيدًا بشكل متزايد.
هجمات المستوطنين تتصاعد
يستحضر كاهن رعية الطيبة، بشار فؤادله، دون أي سخرية، التاريخ التوراتي لبلدة أفرايم الفلسطينية القديمة، ليصف الواقع اليومي الذي تواجهه هذه البلدة الصغيرة الواقعة على بُعد 30 كيلومترًا شمال القدس ويقول: "هجمات متواصلة من المستوطنين اليهود المحميين من قِبل الجيش الإسرائيلي"، وتابع: "جاء السيد المسيح إلى هنا ليلجأ قبل موته. لكن هذا المكان لم يعد ملجأً، حتى لسكانه".
وتُعدّ هذه البلدة المسيحية جزءًا صغيرًا من المعضلة الإقليمية التي خلقتها اتفاقيات أوسلو (1993-1995)، والتي حوّلت الضفة الغربية إلى متاهة من الجيوب الفلسطينية الصغيرة ذات أوضاع متباينة، بحسب التقرير.
وأضاف التقرير أن مركز المدينة وجزءا من أراضيها يقعان في المنطقة (ب) التي تخضع للإدارة الفلسطينية، ولكن الجيش الإسرائيلي مسؤول عن الأمن فيها، لافتا إلى أن غالبية أراضيها الزراعية (1,500 هكتار من أصل 2,400 هكتار)، مثل 60% من أراضي الضفة الغربية، تقع ضمن المنطقة (ج)، التي يسعى الجناح المتشدد في الحكومة الإسرائيلية إلى ضمها.
وفي هذه الأراضي الخاضعة بالكامل لسيطرة الدولة الإسرائيلية، تخضع جميع الأنشطة الاقتصادية والبناء لأهواء سلطة الاحتلال.
وأشار التقرير إلى أنه بتشجيع من حكومة بنيامين نتانياهو ووزرائه من دعاة تفوق العرق الأبيض، وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، شنّ أكثر سكان المستوطنات المحيطة بالطيبة تطرفًا هجومًا مضادًا.
وأفاد التقرير بأن أول ما يُسمى بالبؤر الرعوية أقيمت في عامي 2019 و2020، وهي مخيمات أُقيمت على أراضٍ زراعية فلسطينية لطرد المزارعين، وتلا ذلك مداهمات متزايدة العنف، ثم بناء مواقع جديدة، بدءًا من يونيو 2025، شرق وغرب الطيبة.
وأصبحت بساتين الزيتون الآن غير قابلة للوصول، وكذلك المنازل والمحجر، وفي كثير من الأحيان، مصنع الإسمنت في البلدة.
وفي يوليو 2025، أضرم المستوطنون النار في بقايا كنيسة القديس جورج البيزنطية التي تعود إلى القرن الخامس في الطيبة، وهي من أقدم المباني المسيحية في فلسطين.
بل إنهم حاولوا مرارًا الاستيلاء على الموقع، وقد صرّحت رعايا المدينة الـ3 اللاتينية (الرومانية الكاثوليكية)، واليونانية الملكية الكاثوليكية، واليونانية الأرثوذكسية بغضب: "نحن نتحمل المسؤولية الرعوية والأخلاقية تجاه مجتمعنا. لا يسعنا السكوت أمام هذه الهجمات المتواصلة التي تهدد وجودنا على أرضنا".
ويضيف بشار فؤادله: "خوفنا الأكبر هو أن يقتلوا شخصًا ما، كما حدث في أماكن أخرى من الضفة الغربية".
وأصيب 7 أشخاص على الأقل، أحدهم بإصابة خطيرة، في هجمات المستوطنين على طيبة منذ عام 2023.