فيما تتواصل الهجمات الروسية على كييف، شهدت العلاقات الأميركية الأوكرانية توترات كبيرة خلال الأسابيع الماضية، في الوقت الذي تبدي فيه أوكرانيا قلقها إزاء تصدّع الدعم القادم من الولايات المتحدة، وفق تقرير لشبكة "سي إن إن".
ولا تُعد هذه التوترات الأخيرة هي الأولى من نوعها بين كييف وترامب؛ فقد استهل الرئيس الأميركي ولايته الـ2 بوقف المساعدات الموجهة للمجهود الحربي الأوكراني. ومنذ ذلك الحين، تولت أوروبا تغطية التكاليف، بينما عملت كييف على تطوير صناعتها الدفاعية المحلية بوتيرة متسارعة.
وتطرح هذه التحولات تساؤلات حول مدى اعتماد أوكرانيا على أميركا وحول قدرتها على مواصلة القتال بدون واشنطن.
يرى خبراء أن الولايات المتحدة تمتلك 3 مسارات رئيسية للضغط على كييف، اقتصادية وعسكرية وسياسية، في سعيها لدفع أوكرانيا نحو نوع من الاستسلام لإنهاء الحرب التي شنتها روسيا.
على الصعيد الاقتصادي
أوقفت إدارة ترامب تقديم حزم مساعدات جديدة لأوكرانيا مع مطلع عام 2025.
وقبل ذلك، قدمت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 131.5 مليار دولار كمساعدات إجمالية لأوكرانيا، مما يجعلها أكبر مانح منفرد منذ بدء الحرب في عام 2022، وذلك وفقاً لبيانات "معهد كيل للاقتصاد العالمي" ولا تزال بعض الأسلحة، التي تم شراؤها من شركات تصنيع أمريكية خلال عهد إدارة بايدن، تصل إلى أوكرانيا، إلا أن تنفيذ العديد من تلك العقود قد اكتمل بالفعل.
ونظراً لأن طلبيات الأسلحة هذه تمثل مكسباً كبيراً لشركات الدفاع الأميركية، يرى محللون أنه من غير المرجح أن يستمر أي تباطؤ أو عرقلة لعمليات الشراء لفترة طويلة.
على الصعيد العسكري
على الرغم من تراجع الدعم المالي الأميركي بشكل كبير، لا تزال أوكرانيا تعتمد اعتماداً كبيراً على المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا الأميركية.
ولا يوجد لدى أوكرانيا بديل لأنظمة أميركية فريدة، مثل صواريخ "باتريوت" الاعتراضية، ونظام "ستارشيلد" وهو النسخة المخصصة للاستخدام العسكري من خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك، بالإضافة إلى التكنولوجيا المتقدمة للإنذار من الصواريخ.
ويقول المتخصص في الشأن الروسي ماكس بيرغمان: "هذه قدرات لا يملكها الأوروبيون؛ والسبب في ذلك هو أننا (الولايات المتحدة) طلبنا منهم على مدى السنوات الثلاثين الماضية ألا يطوروها، بدعوى أنه يمكنهم الاعتماد علينا".
وأضاف بيرغمان: "نحن الآن في وضع تثبت فيه أميركا لكل الأطراف في أوروبا أنه ببساطة لا يمكن الاعتماد عليها".
وتابع قائلاً: "قد يكون لهذا الأمر تداعيات كارثية على أوكرانيا؛ إذ قد يتسبب في أضرار اقتصادية هائلة، وخسائر فادحة في أرواح المدنيين، فضلاً عن نزوح السكان". "لكنني أشك في أن ذلك سيؤدي فعلياً إلى كسر إرادة أوكرانيا في القتال".
ويرى خبراء أن أي اضطرابات أو قيود إضافية على الأنظمة المدعومة من الولايات المتحدة ستلحق ضرراً بالغاً بأوكرانيا على المدى القصير. أما على المدى الطويل، فمن المرجح أن يضخ الحلفاء الأوروبيون المزيد من الأموال لتطوير أنظمتهم الخاصة لدعم أوكرانيا.
وفي معرض تعليقه على عقد كييف لخدمة "ستارشيلد" وصفقات شراء صواريخ "باتريوت" الاعتراضية، قال بيرغمان: "أعتقد أن الأوكرانيين لم يتوقعوا أن تنحدر الولايات المتحدة إلى هذا المستوى، أو أن تمارس هذا القدر من الخيانة؛ فما تقدمه الولايات المتحدة ليس عملاً خيرياً... بل هي خدمة تدفع أوكرانيا مقابلها المال".
وأضاف بيرغمان: "إن ما تقوم به الإدارة الأمريكية يحمل في طياته تداعيات أوسع بكثير تتعلق بمدى موثوقية الولايات المتحدة كـمورد للتكنولوجيا والأنظمة الدفاعية".
على الصعيد السياسي
يرى محللون أن الخلاف بين الولايات المتحدة وأوكرانيا يحمل تداعيات جيوسياسية أوسع، وقد ينتهي به المطاف ليصبح بمثابة "هدية" للمجهود الحربي للكرملين.
يأتي هذا في أعقاب سلسلة من الخطوات المثيرة للجدل التي اتخذتها إدارة ترامب هذا الشهر، بما في ذلك إلغاء عقوبات جديدة على روسيا قبل دخولها حيز التنفيذ، وإبرام اتفاق يسمح لروسيا بتصدير الديزل. وفي الوقت نفسه، لم يبدِ الكرملين حتى الآن أي مرونة بشأن مطالبه المتشددة لإنهاء الحرب.
وترى المتخصصة في الشأن الروسي ناتيا سيسكوريا، أن استعداد واشنطن لممارسة ضغوط غير مسبوقة على كييف "يمنح روسيا أملاً في أن استمرارها في الحرب قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع العزيمة الأوروبية".
ويتبنى جون لوف، رئيس الشراكات الدولية في "مركز استراتيجيات أوراسيا الجديدة"، وجهة نظر مماثلة.
وقال لوف "أعتقد أن الروس يشعرون بالرضا التام في الوقت الراهن؛ نظراً للضغوط التي تفرضها هذه التحركات الأخيرة على أوروبا، من خلال دفع ترامب للضغط على أوكرانيا، وتقويض نظام العقوبات، وعدم المضي قدماً في مشروع القانون الذي اقترحه ليندسي غراهام".
وأضاف: "هذا يؤكد حقيقة أن أوروبا والولايات المتحدة ليستا على وفاق".
ويرى خبراء أن بعض التوترات، خصوصا تلك المتعلقة بالديزل، حيث يلقي ترامب باللوم في ارتفاع الأسعار على الهجمات الأوكرانية ضد مصافي النفط الروسية بدلاً من الحرب في إيران، قد تتلاشى بعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة. ومع ذلك، يرى لوف أن مشكلة ارتفاع أسعار الوقود، إلى جانب عدم الشعبية التي تحظى بها الحرب في إيران، ستظل قائمة طوال الفترة المتبقية من ولاية ترامب الرئاسية.
ويشير لوف إلى أن استمرار أوكرانيا في شن هجمات على مصافي النفط الروسية كان بمثابة "استفزاز مباشر" لترامب، موضحاً: "هذا يجعل أوكرانيا هدفاً سهلاً إذا كنت تحاول التنصل من المسؤولية عما حدث فيما يتعلق بإيران".



