كشف الرئيس السوري أحمد الشرع عن تفاصيل حديث دار بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن اعتراف واشنطن بسيادة إسرائيل على الجولان، قائلا إنه مازح الرئيس الأميركي باقتراح منح الإسرائيليين ولاية نيوجيرسي بدلا من الجولان، فيما تحدث عن المفاوضات مع إسرائيل ومستقبل القواعد الأجنبية والدستور، وأبقى الباب مفتوحا أمام احتمال ترشحه للرئاسة مستقبلا.
وجاءت تصريحات الشرع، فجر الأربعاء، خلال جلسة حوارية أدارها المسؤول الأميركي السابق بريت ماكغورك، ونظمها مشروع سوريا التابع للمجلس الأطلسي في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتحدث الشرع عن علاقته بترامب، قائلا إن الرئيس الأميركي دعم سوريا واتخذ قرارا وصفه بـ"التاريخي" برفع العقوبات عنها، مؤكدا أن علاقة مميزة تجمعهما.
"أعطهم نيوجيرسي"
وعن اعتراف ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان، روى الشرع حديثا جمعهما خلال زيارته إلى البيت الأبيض، قائلا إنه مازحه بالقول: "لماذا لا تعطي نيوجيرسي للإسرائيليين؟ أنت لا تملك الجولان لتعطيه لهم، لكنك تملك نيوجيرسي".
وأوضح أنه اختار نيوجيرسي في مزحته لأنها ولاية أميركية ذات أغلبية ديمقراطية ولا تنتخب ترامب.
لكن الشرع انتقل من المزاح إلى تأكيد موقفه من الجولان، قائلا إن "الجولان له ناسه"، وإنه ليس من حق الرئيس السوري أو الرئيس الأميركي أو أي شخص آخر التنازل عنه أو منحه للآخرين.
وكان ترامب قد وقع في مارس 2019، خلال ولايته الأولى، إعلانا رئاسيا يعترف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية.
المفاوضات مع إسرائيل
وتطرق الشرع إلى مسار المحادثات مع إسرائيل، قائلا إن دمشق اختارت الدبلوماسية للتعامل مع "الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة واحتلال أجزاء من الأراضي السورية"، ولجأت إلى الحوار بمساعدة دول صديقة.
وأكد أن سوريا تسعى إلى "تحقيق سلام دائم مع إسرائيل"، شريطة ضمان الحقوق السورية وإنهاء احتلال أراضي البلاد، مشددا على أن الوصول إلى السلام يمر عبر استعادة هذه الحقوق.
وقال إن إسرائيل تواصل شن اعتداءات على سوريا، إلى جانب عمليات التوغل والاعتقال والقصف داخل الأراضي السورية.
وكشف أن دمشق أجرت عدة جلسات وجولات من المحادثات مع الجانب الإسرائيلي، وأن المفاوضات اقتربت من إنجاز نحو 90% من الاتفاق قبل أن تنسحب إسرائيل منها.
وأوضح الشرع أن المرحلة الأولى بالنسبة إلى دمشق "تتعلق بالأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد 8 ديسمبر 2024"، مؤكدا مطالبة سوريا بانسحاب القوات الإسرائيلية منها والعودة إلى خطوط فض الاشتباك لعام 1974.
وبعد ذلك، بحسب الشرع، يمكن للجانبين الانتقال إلى مناقشة الترتيبات الأمنية، وفي حال نجاحها يصبح من الممكن بدء مفاوضات تتعلق بتحقيق سلام دائم.
وقال إن على إسرائيل، إذا أرادت ضمان أمنها، احترام أمن الآخرين، معتبرا أن المشكلة ليست في سوريا وإنما في السياسات الإسرائيلية.
وأضاف أن بناء إسرائيل سياستها تجاه سوريا انطلاقا مما جرى في غزة يمثل "مسارا خاطئا".
كما أشار إلى أن أي زعزعة للاستقرار في لبنان تنعكس مباشرة على سوريا، مؤكدا أن دمشق تسعى إلى مساعدة الحكومة اللبنانية على تعزيز مؤسسات الدولة.
مستقبل القواعد الأجنبية
وفي ملف الوجود العسكري الأجنبي، قال الشرع إن التوجه الحالي يقوم على إخلاء سوريا من القواعد الأجنبية والحفاظ على الوحدة الوطنية.
وأوضح أن الدولة تتعاون مع دول مختلفة لتمكينها من الحفاظ على وحدة أراضيها واستقلالها، معربا عن اعتقاده بأن سوريا لن تكون بحاجة، في المستقبل القريب، إلى قواعد عسكرية أجنبية.
وأكد أن أي وجود عسكري على الأراضي السورية يجب أن يحصل على موافقة مجلس الشعب وأن يستند إلى صيغة قانونية تضمن حقوق الدولة السورية.
وكشف أن الحوار مع روسيا أدى إلى تقليص عدد قواعدها في سوريا إلى قاعدتين، مع الاتفاق على تحويلهما إلى مركزين لتدريب الجيش السوري.
دستور بلا محاصصة
وعن شكل النظام السياسي، أكد الشرع رفض اعتماد نظام المحاصصة، معتبرا أن من شأنه تقسيم البلاد على أسس إثنية أو جغرافية أو دينية.
وأعرب عن اعتقاده بأن صياغة الدستور ستُستكمل قبل نهاية المرحلة الانتقالية المحددة بخمس سنوات، مشيرا إلى أن الدولة تعمل على تطوير القوانين عبر مجلس الشعب وترسيخ احترام القانون خلال المرحلة الانتقالية.
وأكد أن الأكراد جزء من الشعب والمجتمع السوري، مشيرا إلى أن سوريا تمثل نموذجا للتعايش السلمي، وأن اعتماد النظام السابق على ترويع المكونات والأقليات ترك تداعيات سلبية في البلاد.
وقال: "نعمل على ألا تكون السلطة فردية ومحصورة في شخص، وإنما على أن تمارس مؤسسات الدولة أدوارها وفق القانون والدستور".
ترشح الشرع للرئاسة
وحول إمكان خوضه الانتخابات الرئاسية المقبلة، قال الشرع إنه لم يفكر في الأمر حتى الآن، وإن أولويته في المرحلة الحالية هي خدمة الناس وتطوير البلاد اقتصاديا وسياسيا.
لكنه لم يستبعد الترشح إذا رأى أن المسؤولية تتطلب استمراره، قائلا: "سأترشح للقيام بذلك، لأن تجنب المسؤولية أو الهروب منها لا يعفيك منها أحيانا".
وأضاف أن على الإنسان تحمل المسؤولية عندما يعتقد أنه قادر على القيام بها، مشيرا إلى أن العودة إلى حياته العادية ستكون أفضل له على المستوى الشخصي نظرا إلى صعوبة هذا المسار، لكنه سيبقى إذا رأى أن وجوده ضروري.
مشروع استراتيجي
وفي الملف الاقتصادي، كشف الشرع عن مشروع استراتيجي لمد أنبوب يصل حقول النفط العراقية بالموانئ السورية، بهدف توفير مسار آمن لصادرات النفط العراقي يتجنب المرور عبر مضيق هرمز.
كما قال إن سوريا وصلت إلى مستوى متقدم من الاحترافية في المجال الأمني والتنسيق، وإن دولا عدة تشارك في تدريب قواتها الأمنية.
وأشار إلى أن الدولة السورية استطاعت ملء الفراغ الذي تركه خروج القوات الأميركية، واصفا انسحابها من سوريا بأنه "أنجح انسحاب من أي بلد دخلته الولايات المتحدة".
وفي حديثه عن العلاقات مع العراق، أكد الشرع أن علاقة سوريا بإقليم كردستان "جيدة جدا"، مشيرا إلى وجود مصالح اقتصادية وسياسية مشتركة واسعة بين الجانبين.
ووصف علاقته بمسعود بارزاني وقيادة إقليم كردستان بأنها "ممتازة جدا"، لافتا كذلك إلى الروابط الثقافية والسياسية مع العراق التي يمكن أن تسهم في تعزيز العلاقات بين البلدين.
لبنان وحصر السلاح
وفي الشأن اللبناني، قال الشرع إن توجه دمشق يقوم على دعم الحكومة اللبنانية وتمكين مؤسسات الدولة، مؤكدا ضرورة حصر السلاح بيدها وألا تعمل أي جهة مسلحة خارج حكم القانون أو سلطة الدولة.
وأضاف أن سوريا تسعى إلى المساهمة في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان وتجاوز المشكلات التي قال إن النظام السوري السابق تسبب بها، بالتوازي مع التواصل مع الحكومة اللبنانية بشأن الإصلاح السياسي والتنفيذ السليم لاتفاق الطائف.
وردا على سؤال بشأن احتمال قيام القوات المسلحة السورية بدور في لبنان، قال الشرع إن سوريا منشغلة بمشكلاتها وتحدياتها الداخلية، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن أي حالة من عدم الاستقرار في لبنان تنعكس مباشرة عليها.
أحداث 7 أكتوبر
وفي حديثه عن المخاوف الإسرائيلية عقب أحداث 7 أكتوبر 2023، قال الشرع إنه يتفهم ما تعرض له بعض الأبرياء، لكنه رفض أن تتحول تلك الأحداث إلى أساس تُبنى عليه جميع السياسات الإسرائيلية، ولا سيما تجاه سوريا.
وأشار إلى ضرورة النظر أيضا إلى ما جرى في غزة، قائلا إن أكثر من 70 ألف شخص قُتلوا، بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال.
واعتبر الشرع أن بناء إسرائيل سياستها تجاه سوريا انطلاقا من أحداث 7 أكتوبر "أمر غير منطقي"، ولا يؤدي، بحسب قوله، إلا إلى مزيد من التهديدات الأمنية.
وأكد أنه إذا أرادت إسرائيل حماية أمنها، فعليها احترام أمن الآخرين وتغيير سياساتها التي قال إنها تثير المشكلات في محيطها تحت ذريعة الحفاظ على أمنها.
وأضاف أن استقرار المنطقة يصب في مصلحة الجميع، بمن فيهم الإسرائيليون، ويدعم شعورهم بالأمان، داعيا إلى الاحترام المتبادل وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية.
هجمات 11 سبتمبر
وردا على سؤال بشأن علاقته بهجمات 11 سبتمبر، نفى الشرع أي صلة له بها، قائلا: "كنت في الثالثة عشرة من عمري حينها، ولم أكن أعرف شيئا عن هذه الأمور، ولم تكن لي أي علاقة بها في ذلك الوقت".
وأعرب عن أسفه للضحايا الذين سقطوا في الولايات المتحدة، وكذلك للضحايا في الشرق الأوسط نتيجة السياسات التي اتبعت في المنطقة.
وأضاف: "بالتأكيد نحن منفصلون تماما عما حدث آنذاك، وعن ذلك الفعل أو الهجوم الذي وقع في نيويورك".رسائل الشرع من نيويورك.. الجولان والسلام ومستقبل الرئاسة



