رغم التوترات التي يشهدها العالم من صراعات ونزاعات لا تهدأ، وفي ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، فإن العلاقات المصرية الروسية لا تزال تتمتع بالاستقرار، بل وتنمو بوتيرة متسارعة خلال السنوات الأخيرة الماضية.
الزخم القوي وغير المسبوق الذي يخيم على تلك العلاقات بات واضحاً في الزيارات المتبادلة بين الرئيسين السيسي وبوتين، والتي كان آخرها زيارة الرئيس المصري إلى موسكو وعقد قمة مع بوتين على هامش أعمال القمة الروسية الإفريقية الثالثة التي استضافتها العاصمة موسكو مؤخراً، وتهدف من خلالها إلى تعميق العلاقات الاقتصادية والأمنية مع القارة السمراء.
لقاء السيسي وبوتين حمل وبحسب دبلوماسيين مصريين رسائل سياسية واقتصادية وإستراتيجية مهمة، عكست عمق العلاقات المصرية الروسية وحرصهما على تطوير شراكتهما، بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم جهود السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
مدير المجلس المصري للشؤون الخارجية والذي كان يشغل منصب سفير مصر السابق لدى روسيا عزت سعد، أكد في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد"، أن مشاركة بلاده في القمة الروسية الإفريقية التي عقدت مؤخراً في روسيا، تعد محطة مهمة لتطوير الشراكة بين القاهرة وموسكو، موضحاً أن مصر لم تكن مجرد دولة مشاركة في القمة، بل هي شريك مؤسس حيث شاركت في رئاسة القمة الأولى في عام 2019، وهو ما يعكس ثقل مصر ومكانتها الإقليمية والدولية السياسية والدبلوماسية داخل إفريقيا والعالم العربي.
لقاء السيسي وبوتين
وخلال لقاء جمع بوتين بالسيسي بالكرملين في خضم أعمال القمة الروسية الإفريقية، أكد الأخير حرصه على توطيد الشراكة الإستراتيجية مع روسيا، بينما أكد بوتين على وجود فرص واسعة لتعزيز العلاقات بين بلاه ومصر.
وفي هذا الصدد يقول سعد إن اللقاء الذي جمع الرئيسين السيسي وبوتين يأتي في سياق العلاقات المتطورة والمتعددة الأبعاد بين البلدين والتي توصف رسمياً بأنها علاقة ذات طبيعة إستراتيجية شاملة، مضيفاً أن التعاون الثنائي بين مصر وروسيا اكتسب زخماً كبيراً ومتصاعداً خلال السنوات الماضية.
وأكد أن القاهرة هي الشريك الاقتصادي والتجاري الأكبر لموسكو في إفريقيا والعالم العربي على الإطلاق، وهناك حرص متبادل بين الجانبين على التعاون، وتوسيع علاقات التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي سواء على المستوى الثنائي أو في إطار عضوية البلدين لمجموعة البريكس.
وأكد أن الحوار مع موسكو هام للغاية في هذه الفترة، ليس فقط لتعزيز الشراكة الاقتصادية الهامة، ولكن أيضا فيما يتعلق بالتعاون في مجالات التصنيع المشترك، سواء المدينة الصناعية الروسية، أو مفاعل الضبعة النووي وغيرها من الموضوعات الإستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي والحبوب، وتحويل مصر لتكون مركزاً لاستقبال الصادرات الروسية ونقلها بالإضافة للمشترك والتصدير لإفريقيا.
سياسة الاتزان الإستراتيجي
أما فيما يتعلق بمدى قدرة القاهرة على الجمع بين روسيا وأميركا والصين على طاولة مصالح واحدة، فقد أكد الدبلوماسي المصري عزت سعد أن مصر تنتهج سياسة الاتزان الإستراتيجي، وهو ما يعني أنها تحاول الابتعاد عن التحالفات وتنفتح على جميع القوى العالمية، طالما أن ذلك يخدم المصلحة الوطنية المصرية، موضحاً أن العلاقات المصرية الروسية تستند إلى تاريخ ممتد منذ عهد الاتحاد السوفياتي.
ولفت إلى أن اللقاء الذي جمع السيسي ببوتين يأتي في توقيت بالغ التعقيد والأهمية، يتطلب تعزيز الشراكات مع القوى الكبرى الفاعلة دون أن يكون في ذلك أي مساس بالشراكات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة أو الصين، موضحاً أن روسيا تظل واحدة من الشركاء الدوليين الكبار لمصر سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، مؤكداً أن هذه الشراكة قوامها المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة والتي تأتي تماشياً مع السياسة الخارجية الأوسع التي تنتهجها القاهرة منذ عام 2014، والقائمة على أساس تنوع الخيارات والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
عوائد اقتصادية منتظرة للقاهرة
وفي ظل تنامي العلاقات بين القاهرة وموسكو، يستمر تنفيذ مشروع المنطقة الصناعية الروسية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتي تمثل وبحسب كثيرين داخل مصر فرصة إستراتيجية مهمة للقاهرة وموسكو.
وفي هذا الإطار يقول الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور مختار الغباشي في حديثه لمنصة "المشهد"، إن هذا المشروع تتوفر فيه كل الإمكانيات لتحويله إلى قاعدة إنتاج وتصدير روسية مصرية، كما أنه من الممكن أن يمثل نقلة نوعية في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، إذا ما تم توظيفه في بناء قاعدة صناعية وتصديرية حقيقية وليست مجرد محطة لعبور التجارة، وعدم الاكتفاء بدور النقل والشحن فقط.
وطالب الغباشي بضرورة اندماج هذا المشروع في الاقتصاد المصري، من أجل أن يكون أداة فاعلة في تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للتصنيع والتجارة والخدمات اللوجستية.
ولفت الغباشي إلى أن المكاسب الاقتصادية المنتظرة للقاهرة من مشروع المنطقة الصناعية الروسية في مصر يتمثل في الآتي:
- جلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
- خلق فرص عمل صناعية وفنية، وتطوير القدرات الهندسية والإنتاجية.
- تعميق التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات الصناعية وتنويع الأسواق.
مصر بوابة روسيا
ويعتقد الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية والإستراتيجية أن أبعاد الشراكة بين القاهرة وموسكو، ينظر إليها باعتبارها تجربة تتجاوز حدود العلاقات الثنائية إلى آفاق أوسع من التعاون مع القارة الإفريقية، لذا يقول إن القاهرة تمثل البوابة الأساسية للاستثمارات الروسية نحو إفريقيا، وذكر أن نحو 22% من حجم الاستثمارات الوافدة إلى الساحة الإفريقية تستوطن في القاهرة، بينما تستوطن 12% من حجم الاستثمارات القادمة إلى العالم العربي في العاصمة المصرية.
وأوضح أن مصر تتمتع بالكثير من المقومات التي تؤهلها للاضطلاع بدور محوري في الربط بين روسيا والأسواق الإفريقية، وذكر أن أبرز هذه المقومات يتمثل في الآتي:
- موقعها الجغرافي الإستراتيجي.
- دورها السياسي الفاعل داخل القارة السمراء.
- امتلاكها بنية تحتية عملاقة، وشبكة طرق متطورة، وموانئ بحرية حديثة.
- وجود مناخ استثماري آمن ومستقر.
موسكو وعواصم إفريقيا
وتُعد القمة الروسية الإفريقية التي اختتمت دورتها الثالثة الخميس الماضي في موسكو، من أبرز المنتديات الدولية التي تعكس التوجه الروسي نحو تعميق حضوره في القارة السمراء، لذا يقول السفير المصري الأسبق لدى روسيا عزت سعد، إن الشراكة بين روسيا ودول القارة السمراء تقوم على قاعدة إستراتيجية (Win-Win)، حيث تمتلك إفريقيا موارد هائلة وأسواقاً واعدة، بينما تمتلك روسيا التكنولوجيا والقدرات الصناعية، مما يحقق المنفعة المتبادلة ويدعم الاقتصاد الدولي.
وأوضح أن حجم التجارة الروسية الإفريقية تجاوز 27 مليار دولار في عام 2025، مقابل نحو 17 مليار دولار في عام 2019، مبيناً أن حجم التبادل التجاري الحالي لا يزال أقل من الإمكانات الحقيقية للقارة الإفريقية التي تضم نحو 1.5 مليار مستهلك، ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 3.6 تريليونات دولار.



