تشهد سوريا مرحلة سياسية جديدة بعد الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد وتولي أحمد الشرع زمام السلطة، في تحول يبدو أنه يعيد رسم خارطة العلاقات الداخلية والخارجية للبلاد، لا سيما فيما يتعلق بالفصائل الفلسطينية التي شكّلت على مدى عقود جزءًا من المشهد السياسي والأمني في سوريا.
منذ بدء الحرب السورية في 2011، شهدت العلاقة بين نظام الأسد والفصائل الفلسطينية تقلبات حادّة، إذ انقسمت الفصائل الفلسطينية آنذاك ما بين معارضة لنظام الأسد مثل "حماس" ومؤيدة له مثل "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة"، التي ترأسها سابقاً أحمد جبريل ويقودها اليوم طلال ناجي. إلا أن المعادلة تغيرت جذريًا مع وصول أحمد الشرع إلى السلطة.
وبحسب مصادر فلسطينية، فقد تمّ فرض تضييقات متزايدة على الفصائل الفلسطينية، ما أجبر معظم قياداتها على مغادرة البلاد إلى وجهات مختلفة، من بينها لبنان. وتشير المصادر إلى أن هذه الفصائل سلّمت أسلحتها بالكامل للسلطات الجديدة، في خطوة تعكس نهاية مرحلة من الوجود الفلسطينيّ المسلح في سوريا.
خروج الفصائل الفلسطينية من سوريا
كشف قياديّ فلسطينيّ كان مقيماً في سوريا، وغادرها مؤخراً في أعقاب التضييق الذي تعرضت له الفصائل الفلسطينية، في تصريح خاص لـ"المشهد"، أنّ الإدارة السورية لم تطلب بشكل مباشر من الفصائل مغادرة البلاد، قائلًا: "اتخذنا قرار الخروج بإرادتنا، بعد سلسلة من الإجراءات التي استهدفت نشاطات الفصائل ومكاتبها، إلى جانب الاستدعاءات المتكررة والتحقيقات التي طالت عدداً من القيادات والكوادر".
وأضاف القيادي أن من بين تلك الإجراءات توقيف الدكتور طلال ناجي، الأمين العام للجبهة الشعبية – القيادة العامة، قبل أن يتم الإفراج عنه لاحقاً إثر اتصالات من قيادتي حركة "حماس" والسلطة الفلسطينية. وتابع: "ما تزال هناك قيادات من حركة الجهاد الإسلامي قيد التوقيف، دون توضيح رسمي لأسباب احتجازهم".
ولفت إلى أن الواقع الجديد لم يعد يسمح بأيّ نشاط سياسي أو إعلامي أو جماهيري للفصائل الفلسطينية داخل سوريا، وأن السلطات طلبت حصر العمل الفلسطيني في المخيمات ضمن أطر جمعيات خيرية واجتماعية فقط، دون أي طابع تنظيمي أو سياسي.
وأضاف القيادي، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية، أن جميع الفصائل الفلسطينية قامت بتسليم أسلحتها بالكامل، موضحاً أن الإدارة الجديدة طالبت بكشوف تفصيلية تتضمن الأسلحة الموجودة لدى كل تنظيم، وقد تم استلامها بشكل رسمي.
وأشار إلى أنه تم كذلك تقديم قوائم بأسماء العناصر التي كانت بحوزتها أسلحة، مضيفاً أن السلطات بدأت حالياً بملاحقة كل من لم يلتزم بتسليم سلاحه وفقاً للتعليمات الصادرة.
وحول موقف الفصائل الفلسطينية من الحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع، شدّد القيادي الفلسطيني على أن الفصائل "لا تتدخل في الشؤون الداخلية السورية"، مؤكداً أن ما جرى في سوريا "يُعد شأناً داخلياً يخص الشعب السوري وحده، وهو الجهة الوحيدة المخولة بتحديد خياراته".
خطوات باتجاه إسرائيل
وتأتي هذه التطورات بعد طلب مباشر من واشنطن، التي اشترطت على الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، قبيل رفع العقوبات الاقتصادية، أن تمنع إيران ووكلاءها من استغلال الأراضي السورية.
وأفاد البيت الأبيض بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب طالب نظيره السوري، خلال لقائهما في الرياض الأسبوع الماضي، بـ"ترحيل المقاتلين الفلسطينيين".
يرى القيادي الفلسطيني أن "الإجراءات التي اتخذتها إدارة الشرع بحق الفصائل الفلسطينية تُعدّ استحقاقات مطلوبة منها، مشيراً إلى أنها تمثل تنفيذاً لالتزامات طلبت من الحكومة الجديدة من عدة أطراف، لا سيما ما ورد ضمن الشروط الأميركية مقابل رفع العقوبات".
وأضاف أن تلك الخطوات "تحمل أيضاً رسائل موجهة لعدة أطراف دولية وإقليمية، تعكس توجهاً جديداً في السياسة السورية يسعى إلى إعادة تموضع النظام في الخارطة الدولية".
وحول مستقبل الفصائل الفلسطينية بعد مغادرتها سوريا، أوضح القياديّ أن الفصائل لا تملك وجهة بديلة خارج إطار ما يخدم القضية الوطنية الفلسطينية، مشيراً إلى أن معظم كوادرها وأعضائها وقياداتها في سوريا هم من الفلسطينيين السوريين، ولا يوجد خيار حقيقيّ أمامهم سوى البقاء داخل البلاد.
وأضاف: "سنواصل العمل ضمن الهامش المتاح الذي تسمح به السلطات، حتى وإن اقتصر على النشاط الاجتماعي وخدمة أبناء شعبنا في المخيمات"، لافتاً إلى أن بعض القيادات من الصف الأول قد تغادر إلى الخارج بأعداد محدودة لمتابعة مهامها التنظيمية، لكن حتى الآن لم تُحدد وجهة واضحة أو دولة مضيفة.
وبحسب المصدر ذاته، "لم يحصل أيّ تواصل من قبل قيادات الفصائل المتواجدة بدمشق مع إيران بعد سقوط النظام السابق، وكذلك لم يتصل الإيرانيون بأيّ من قيادات الفصائل الفلسطينية في دمشق"، لكن لم ينفِ المصدر أنه قد تكون هناك اتصالات مع ممثلي بعض الفصائل سواءً في طهران أو لبنان.
تضييق داخلي
في هذا السياق، كشف مصدر فلسطيني من دمشق مطلع على ما يحدث، مشددا على عدم ذكر اسمه نظرا لحساسية الوضع الأمني.
وقال المصدر إنه بعد شهر تقريبًا من سقوط الأسد، فرضت السلطات السورية قيوداً على تحركات بعض الفصائل الفلسطينية، والتي كانت مواقفها منسجمة مع نظام الأسد، وتتلقى دعمها من إيران.
وأضاف المصدر أنه تم إغلاق مكاتب العديد من الفصائل ووسائل إعلامهم، (إذاعات – صحف)، بالإضافة إلى ضغوط أمنية كبيرة، واستدعاء قيادات فلسطينية للتحقيق أو فرض قيود على تحركاتهم، خصوصًا في مناطق مثل دمشق ومخيم اليرموك.
روى المصدر حادثة شخصية وقعت معه أثناء تواصله مع أحد قادة الفصائل الفلسطينية المقيمين في دمشق، قائلاً: "اتصلت به بهدف إيصال أمانة أرسلها له أحد أقربائه، لكن المفاجأة كانت أن من رد على المكالمة لم يكن هو، بل شخص مجهول بدأ يطرح عليّ سلسلة من الأسئلة، منها: من أنت؟ وما طبيعة الأمانة؟ وطلب مني تقديم تفاصيل دقيقة حول الأمر، ما أثار لديّ شعوراً بأن المكالمة كانت خاضعة للرقابة أو التحقيق".