hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 الصحراء المغربية.. فكرة الانفصال باتت من الماضي؟

المشهد

احتفالات في شوارع العاصمة المغربية بصدور القرار الأممي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء (أ ف ب)
احتفالات في شوارع العاصمة المغربية بصدور القرار الأممي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء (أ ف ب)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • قرار أممي بمنح الصحراء المغربية "حكمًا ذاتيًا تحت السيادة المغربية".
  • دعوة الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات بناءً على خطة الحكم الذاتي.
  • الملف تحوّل من نزاع حدودي إلى "نقطة ارتكاز" تتشابك فيها مصالح القوى الكبرى.
  • عصيد: فكرة الانفصال لم يعد يمكن العودة إليها مثلما كان سابقًا.
  • خير الله: تثبيت مغربية الصحراء وتأكيد أنّ الحل يكون باعتماد مبادرة الحكم الذاتي.

في نهاية أكتوبر 2025 اعتمد مجلس الأمن الدولي، قرارًا ينص على أنّ منح الصحراء  "حكمًا ذاتيًا حقيقيًا تحت السيادة المغربية، قد يكون الحل الأنجع" للقضية القائمة منذ 50 عامًا، داعيًا الأطراف المعنية إلى الدخول في مفاوضات على هذا الأساس.

وصوتت لصالح القرار 11 دولة من الدول الـ15 الأعضاء بمجلس الأمن، في حين امتنعت روسيا والصين وباكستان، ولم تشارك الجزائر في التصويت.

ويدعو القرار جميع الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات بناءّ على خطة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب لأول مرة إلى الأمم المتحدة عام 2007.

هذه الخطوة الأممية أتت بعد أكثر من 5 عقود، شكّل فيها نزاع الصحراء الغربية، إحدى أعقد المعضلات في منطقة شمال إفريقيا، هذا الملف تحول من نزاع حدودي إلى "نقطة ارتكاز"، تتشابك فيها مصالح القوى الكبرى، وحسابات الأمن الإقليمي، ومعادلات الطاقة، وتحديات مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء.

نهاية فكرة الانفصال

بالنسبة إلى الباحث المغربي أحمد عصيد، فإنّ "القرار الأممي جعل مفهوم تقرير المصير يتخذ منحًى جديدًا، وهو تصويت الصحراويين على نموذج الحكم الذاتي المقترح في ظل السيادة المغربية، وهذا معناه أنّ فكرة الانفصال لم يعد يمكن العودة إليها مثلما كان سابقًا".

واعتبر أنّ الجزائر وجبهة بوليساريو ستخضعان من الآن فصاعدًا لضغط أممي كبير بهذا الشأن، وخصوصًا من الولايات المتحدة.

وفي قراءته لهذا التطور، يقول الكاتب والمحلل السياسي خيرالله خيرالله، إنه "يمكن اعتبار القرار الأممي نقطة تحول بالنسبة إلى تثبيت مغربية الصحراء المغربية أولًا، وتأكيد أنّ الحل يكون باعتماد مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها الملك محمد السادس في العام 2007".

ويضيف، أنّ القرار بُني على مبادرة الحكم الذاتي، بغية الوصول إلى "الاختراق الكبير الذي تحقق بصدور قرار مجلس الأمن في شأن الصحراء. ما يعني تكريس السيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية".

وتمتد الصحراء المغربية على مساحة تقارب 266 ألف كيلومتر مربع، وتتمتع بواجهة أطلسية تمتد لمسافة تتجاوز 1000 كيلومتر، ما يجعلها حلقة وصل حيوية بين أميركا وأوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء.

الإرث الاستعماري

بدأ الوجود الإسباني في الصحراء عام 1884، وظل محدودًا في السواحل لسنوات طويلة، بسبب مقاومة القبائل الصحراوية التي كانت تدين بالولاء للسلاطين المغاربة.

وعقب استقلال المغرب عن فرنسا عام 1956، طالب الملك محمد الخامس باسترجاع الأراضي كافة التي كانت تحت السيطرة الإسبانية، بما في ذلك سيدي إفني وطرفاية والصحراء المغربية.

ونجحت الرباط في استعادة طرفاية (1958) وسيدي إفني (1969)، لكنّ إسبانيا تمسكت بالصحراء بسبب اكتشاف مناجم الفوسفات في "بوكراع".

وفي عام 1963، وبمبادرة مغربية، أدرجت الأمم المتحدة الصحراء ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بهدف الضغط على إسبانيا لإنهاء استعمارها.

وفي سياق ما يسمى بحركات التحرر العالمية، تأسست "الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب" (بوليساريو) في 10 مايو 1973، بهدف محاربة الاستعمار الإسباني، ومع ذلك، سرعان ما تحولت الجبهة إلى أداة في الصراع الإقليمي.

فقد رأت الجزائر، تحت حكم الرئيس هواري بومدين، في الجبهة، فرصة لإضعاف المغرب ومنعه من السيطرة جنوبًا.

ويؤكد الكاتب خيرالله، أنّ "الهدف من طرح الجزائر حق تقرير المصير للصحراويين، هو إنشاء كيان يدور في الفلك الجزائري؛ ويؤمن ممرًا إلى المحيط الأطلسي، لتصبح الجزائر عندئذ دولة ذات اطلالة على المحيط الأطلسي".

ويشير خيرالله إلى أنّ "المغرب عرض على الجزائر، في كل وقت، ممرًا إلى الأطلسي، وسعى دائمًا إلى تسويات، من دون التخلي عن الأساسيات المتمثلة في سيادته على الصحراء".

وشكّل العام 1975 منعطفًا تاريخيًا حاسمًا، بعد صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الذي أقر بروابط البيعة بين القبائل والمغرب، لكنه لم يحسم مسألة السيادة الكاملة، فقرر الملك الحسن الثاني تنظيم ما يُعرف باسم "المسيرة الخضراء"، حيث مشى نحو 350 ألف مدني مغربي سلميًا نحو الصحراء في 6 نوفمبر 1975، لاختراق الحدود التي وضعتها إسبانيا.

بعد هذه المسيرة اختارت مدريد التفاوض، ووقّعت مع المغرب وموريتانيا اتفاقًا ينص على انسحاب الإدارة الإسبانية وتقسيم الإقليم: الساقية الحمراء (الثلثان الشماليان) للمغرب، ووادي الذهب (الثلث الجنوبي) لموريتانيا، لينتهي الوجود الإسباني رسميًا في فبراير 1976.

من الرصاص إلى أروقة نيويورك

وفور الانسحاب الإسباني، أعلنت بوليساريو قيام "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية" من المنفى في الجزائر، لتندلع حرب استمرت 16 عامًا، ركزت فيها بوليساريو هجماتها في البداية على مناطق في موريتانيا، الحلقة الأضعف عسكريًا.

ونجحت الهجمات في تراجع موريتانيا، التي وقّعت اتفاقًا في الجزائر عام 1979، متخلّية عن وادي الذهب، ما دفع الرباط فورًا لبسط السيطرة على وادي الذهب.

ولتأمين المناطق من هجمات بوليساريو، يشير خيرالله خيرالله إلى إستراتيجية مغربية استطاعت "حسم الحرب ابتداءً من العام 1984، مع تحصين الصحراء عسكريًا، عبر بناء الجدران الرملية، فحمت المواقع العسكرية المغربية، وربطتها ببعضها".

وفي العام 1991 أدت وساطة أممية إلى وقف النار، وتأسيس بعثة "المينورسو" الأممية، بهدف تنظيم استفتاء لتقرير المصير، لكنّ الاستفتاء واجه عقبات تمحورت حول "تحديد الهوية" ومن يحق له التصويت.

وأصر المغرب على إشراك القبائل الصحراوية التي نزحت شمالًا هربًا من الاستعمار (قبل إحصاء 1974 الإسباني)، وسكان المناطق المتاخمة، لضمان تمثيل عادل للتركيبة القبلية، بينما أصرت بوليساريو على التمسك بإحصاء عام 1974، رافضة توسيع القاعدة الانتخابية.

وفي أبريل 2007، قدّم المغرب للأمم المتحدة مبادرة شاملة لمنح حكم ذاتي موسع للأقاليم الصحراوية، تقوم على فلسفة "الرابح - الرابح"، حيث لا غالب ولا مغلوب، ما يمنح السكان المحليين سلطات واسعة لتدبير شؤونهم بأنفسهم، مع الاحتفاظ بالرموز السيادية للدولة.

وكخطوة تمهيدية استبقت الاقتراح، أعاد المغرب هيكلة "المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية" في 2006، ليضم ممثلين عن شيوخ القبائل والمجتمع المدني والشباب والنساء.

وبحسب الباحث أحمد عصيد، فإنّ "المجلس ليس هيئة تقريرية، ولكنه مجلس استشاري مهمته إبداء الرأي للملك في كل ما له علاقة بالصحراء وسكانها، وقضاياهم وكيفية تسويتها، ويشمل ذلك التعريف بمقترح الحكم الذاتي دوليًا في نوع من الدبلوماسية الموازية، وتعميق تصور الحكم الذاتي لدى الصحراويين أنفسهم.

ويلعب المجلس بجانب ذلك دور المؤسسة الوسيطة بين سكان الصحراء والسلطة المركزية. وتشمل هذه الوساطة حتى السكان الصحراويين من مخيمات تندوف من أجل دفعهم إلى العودة إلى المغرب".

معركة الكركرات

شهدت الأعوام الأخيرة تصعيدًا عسكريًا هو الأخطر منذ 1991، ففي أكتوبر 2020، قامت عناصر تابعة لجبهة بوليساريو بإغلاق معبر "الكركرات"، وهو الممر الوحيد الذي يربط المغرب بموريتانيا وإفريقيا الغربية، ما أدى لتعطيل حركة التجارة الدولية وتكدّس الشاحنات.

بعدها نفذت القوات المغربية في 13 نوفمبر 2020 عملية سريعة لتأمين المعبر، ومددت الجدار الأمني ليشمل المنطقة العازلة وصولًا للحدود الموريتانية، ما منع بوليساريو من الوصول للمحيط الأطلسي أو تهديد الطريق التجاري.

هذه الخطوات دفعت "الجبهة" إلى إلغاء وقف النار واستئناف الحرب، لكن، رغم إعلان "الحرب"، بقي النزاع منخفض الحدة.

ويرى خيرالله أنّ "معركة الكركرات أظهرت قدرة المغرب على الدفاع عن أراضيه بشكل فعال، ومنع أيّ تسلل إلى الصحراء، معتمدًا على المسيّرات المتطوّرة، وعلى قمر اصطناعي يسمح له برصد كل حركة عسكرية تستهدف أراضيه وضربها سريعًا".

الاعتراف الأميركي

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعترف خلال عهدته الأولى عام 2020 بسيادة المغرب الكاملة على الصحراء الغربية، واعتبر أنّ "دولة صحراوية مستقلة ليست خيارًا واقعيًا".

ورغم تغيير الإدارة الأميركية ووصول جو بايدن إلى قيادة البيت الأبيض، فإنّ واشنطن لم تتراجع عن القرار، بل استمرت في دعم الحكم الذاتي كحل وحيد، واستخدمت خرائط المغرب كاملة في مؤسساتها الرسمية.

هذه الخطوات ساعدت الرباط على انتهاج سياسة "فرض السيادة بالأمر الواقع الدبلوماسي"، مشجعة الدول الحليفة على فتح قنصليات عامة في الأقاليم الجنوبية، ليتجاوز عددها الـ30 بحلول عام 2025.

ويُعتبر ميناء الداخلة الأطلسي المشروع الأضخم في تاريخ المنطقة، تحول إلى ميناء تجاري ومرفأ للصيد وأحواض لإصلاح السفن، ومن المتوقع تدشينه عام 2029 على أبعد تقدير.

ويهدف إلى تحويل الداخلة لمركز بحري عالمي يربط أميركا الجنوبية مع إفريقيا وأوروبا.

ويقول يقول خيرالله، "في السنوات الـ50 الماضية، استثمر المغرب في تنمية الصحراء ومدنها. استثمر في مدينة العيون عاصمة الصحراء والمدن الأخرى، واستثمر خصوصًا في ميناء الداخلة على الأطلسي. من قرية صيادين صغيرة، صارت الداخلة واجهة بحرية لإفريقيا".

الجزائر.. توتر العلاقات الثنائية

لم يعد الصراع محصورًا بين المغرب وجبهة بوليساريو، بل أصبح مواجهة سياسية بين المغرب والجزائر.

وفي أغسطس 2021، قطعت الجزائر العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، متهمة إياه بـ"أعمال عدائية" ودعم حركة "الماك" الانفصالية في منطقة القبائل. 

وشملت الخطوات الجزائرية إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المغربية، ووقف ضخ الغاز عبر "أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي" الذي يمر عبر المغرب، في محاولة لحرمان الرباط من رسوم العبور والغاز، واستخدام هذه الورقة للضغط على إسبانيا وأوروبا للتراجع عن دعم المغرب.

بالتزامن، طرح الملك محمد السادس "المبادرة الأطلسية" لتمكين دول الساحل (مالي، النيجر، بوركينا فاسو، تشاد) من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر الصحراء المغربية وميناء الداخلة، وتهدف هذه المبادرة إلى فك ارتباط دول الساحل بالجزائر وتقديم بديل تنموي يربط أمن المنطقة بالمغرب.

لغة أممية جديدة

اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797، الذي جدد ولاية "المينورسو" لعام آخر، لكنّ القرار تميز بترسيخ لغة الواقعية السياسية، مشيدًا بمقترح الحكم الذاتي المغربي ووصفه بـ"الجاد وذي المصداقية".

ويرى خيرالله أنّ هذا القرار يحمل أبعادًا إستراتيجية "فتح القرار الباب أمام مفاوضات مغربيّة – جزائرية تنهي هذا الملف الذي طال أكثر مما يجب، وتستطيع الجزائر عندئذ الانصراف إلى التنمية الداخلية بدل شراء سلاح من روسيا".

وبالنسبة للخطوات المقبلة المطلوبة مغاربيًا، يؤكد الباحث أحمد عصيد، أنّ "ما ينتظره الأمين العام للأمم المتحدة حاليًا هو تقديم المغرب لمشروع يتضمن تصوّره للحكم الذاتي المقبل".

كما سيكون على المغرب "تكثيف تحركاته الدولية للزيادة في عدد حلفائه الداعمين لمقترحه".

ويرى خيرالله أنه "يوم صدور القرار 2797، صار نقطة تحوّل على صعيد إفريقي، إنه نقطة تحول من منطلق أن تتخلى الجزائر عن أوهام لعب دور القوة المهيمنة في منطقة شمال إفريقيا، والانصراف إلى معالجة التحديات الداخلية".

ويضيف، أنّ الصحراء المغربية، بمواردها وموقعها، لم تعد "أرضًا خلاء" متنازع عليها، بل أصبحت في قلب إستراتيجية المغرب للتحول إلى قوة إقليمية أطلسية".

ولكن، تبقى معاناة سكان المخيمات في تندوف بحسب خير الله، هي الوجه المأساوي لهذا النزاع الذي طال أمده، بانتظار حل سياسي يتطلب شجاعة اتخاذ قرارات مؤلمة من جميع الأطراف.