يبدو أن مسار التهدئة في قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة سيكون مرتبطًا بـ3 محددات رئيسية، وفق تقديرات مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".
ويأتي في مقدمة هذه العوامل انتخاب خليل الحيّة رئيسًا للمكتب السياسي لحركة "حماس"، باعتباره تطورًا قد يؤثر في توجهات الحركة خلال المفاوضات المقبلة.
أما العامل الثاني فيرتبط بالانتخابات الإسرائيلية، التي تعد من أكثر المتغيرات تأثيرًا في فرص التوصل إلى تهدئة، في ظل انعكاساتها المحتملة على حسابات الحكومة الإسرائيلية ومستقبل قراراتها السياسية والأمنية.
ويتمثل العامل الثالث في طبيعة الموقف الأميركي، الذي يشهد تراجعًا في مستوى الانخراط بملف غزة، مع تركيز واشنطن المتزايد على تداعيات الحرب مع إيران، الأمر الذي قد ينعكس على دورها في دفع جهود الوساطة وإنجاز اتفاق تهدئة.
تطور بارز
ووفق المراقبين، فإن انتخاب الحيّة يعد نظريًا بمثابة تطور بارز على مستوى قيادة الحركة، إلا أنّ تأثيره، عمليًا، سيبقى محدودًا ولن يقود إلى "تغيير جذري" في مواقف الحركة أو مسار المفاوضات، في ظل القيود الميدانية التي تواجه الحركة واستمرار الملفات الخلافية، منها معضلة السلاح,
وقال الحيّة يوم الأربعاء إن الأولوية الأولى للحركة هي الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من القطاع ثم مطالبة الدول المنخرطة في مسار التهدئة ممارسة "ضغوط حقيقية" بهدف أن تستجيب إسرائيل للاتفاق الذي تم تدشينه في شرم الشيخ برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب والانتقال للمرحلة التالية.
انتخاب الحيّة
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس الدكتور أيمن الرقب إن انتخاب خليل الحيّة جاء متوقعًا، باعتباره الشخصية التي قادت مفاوضات الحركة خلال المرحلة الماضية، وقد عجّل اغتيال قيادات الحركة خلال الفترة الأخيرة بحسم ملف القيادة، لكن من غير المتوقع أن يؤدي انتخاب الحيّة إلى تغيير في سياسات الحركة أو مواقفها التفاوضية.
ومن أبرز القضايا التي ما تزال تعيق التوصل إلى اتفاق، هي مصير موظفي حكومة "حماس"، حيث أن الأخيرة بحسب الرقب، تطالب إما باستمرارهم في وظائفهم أو بضمان صرف رواتبهم، وهو ما يصطدم، بـ"عجز الجهات المعنية عن تحمل كلفة رواتب تتراوح لنحو 40 إلى 50 ألف موظف، فضلًا عن وجود رفض إسرائيلي وأميركي لاستمرار كوادر الحركة في مؤسسات الإدارة".
وأضاف أن سلاح "حماس" لا يزال يمثل الملف أو المعضلة الأكثر تعقيدًا، وقد طرحت الحركة فكرة وضع السلاح كـ"وديعة" لدى إحدى الدول الوسيطة، في حين ترفض إسرائيل بشكل قاطع وجود أي سلاح داخل القطاع، بينما تسعى إلى أن تقتصر مهام أي قوة شرطية مستقبلية على العمل الأمني المحدود بأسلحة خفيفة أو وسائل غير قتالية.
الانتخابات الإسرائيلية
وفي ما يتصل بالوضع الإسرائيلي، قال الرقب إن المنافسة الانتخابية لا تزال تدور بين رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو وزعيم حزب "يشار" يائير غولان، موضحًا أن استطلاعات الرأي تمنح الأخير في بعض الأحيان تقدمًا محدودًا بمقعد أو مقعدين، إلا أن المشهد الانتخابي ما يزال متقلبًا وغير محسوم.
وعليه، فإن بعض القوى الأوروبية خصوصًا ألمانيا وإيطاليا، تتجنب الذهاب إلى قطيعة كاملة مع حكومة نتانياهو، وفق أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، على أمل أن تفرز الانتخابات المقبلة قيادة إسرائيلية جديدة قد تكون أكثر استعدادًا للتوصل إلى تفاهمات سياسية، خصوصًا في ظل استمرار الحكومة الحالية حجز أموال السلطة الفلسطينية.
ويرى الرقب أن الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر المقبل ستكون شديدة التعقيد، ومن المتوقع ألا يتمكن أي من المعسكرين حسمها منفردًا، بما قد يفتح الباب أمام جولة سياسية جديدة لتشكيل الحكومة.
وقال إن الأحزاب العربية قد تتحول إلى "بيضة القبان" في عملية تشكيل الائتلاف الحكومي، حيث إن أعداد المقاعد المتوقعة للمعسكرين قد تجعل أصوات النواب العرب حاسمة في ترجيح كفة أي ائتلاف.
وأضاف: "خوض الأحزاب العربية الانتخابات بـ3 قوائم منفصلة سيحد من مكاسبها، ومن المتوقع ألا تتجاوز 11 مقعدًا، بينما كان بإمكانها، لو خاضت الانتخابات بقائمة موحدة، أن تحصد ما لا يقل عن 15 مقعدًا، بما يمنحها تأثيرًا أكبر في المشهد السياسي الإسرائيلي".
خطة ترامب
وفي ما يتعلق بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة، ألمح الرقب إلى أن واشنطن تتجه نحو تنفيذ البند الـ17 من الخطة، والمتعلق بإعادة الإعمار خارج المناطق المصنفة "صفراء"، إلا أن التنفيذ يصطدم برفض إسرائيل الانسحاب من المناطق الحمراء الواقعة خارج "الخط الأصفر"، والتي يفترض أن تتولى قوات استقرار دولية مسؤوليتها.
وأضاف أن انتشار هذه القوات لا يزال محدودًا، في حين ترفض إسرائيل أيضًا تفكيك المجموعات المسلحة المحلية التي أنشأتها على حدود غزة، وهو ما يعرقل تنفيذ الخطة على الأرض.
مسار التهدئة
وفي هذا السياق، يرى مدير المركز العربي للبحوث والدراسات الدكتور هاني سليمان أن مسار التهدئة في غزة خلال المرحلة المقبلة سيتحدد وفق مجموعة من المتغيرات السياسية، تتصدرها الانتخابات الإسرائيلية، فيما يأتي تعيين الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة "حماس" في مرتبة أقل تأثيرًا مقارنة بمراحل سابقة.
وقال في حديثه لمنصة "المشهد" إن وصول الحية لمنصبه الجديد يمثل متغيرًا مهمًا بالنظر إلى تكوينه الأيديولوجي وشخصيته والدور الذي لعبه داخل الحركة، لكن من غير المرجح أن يشكل هذا التطور العامل الحاسم في تغيير مسار التهدئة أو التصعيد في قطاع غزة.
الظروف الميدانية
أوضح سليمان أن تأثير قيادة "حماس" بات مقيدًا بجملة من الظروف الميدانية، منها تراجع هامش الحركة العسكري بعد العمليات الإسرائيلية الأخيرة، وما أفرزته من ضغوط أمنية وملاحقات وواقع ميداني معقد، وهو ما يجعل تأثير شخصية رئيس المكتب السياسي أقل مما كان عليه في السابق.
وأضاف أن الأوضاع الإنسانية والأمنية الصعبة داخل غزة أصبحت العامل الأكثر حضورًا في رسم مواقف الحركة والتأثير في مسار التفاهمات، وتابع أن "المرحلة هي التي تفرض نفسها، وليس الأشخاص".
في المقابل، اعتبر أن الانتخابات الإسرائيلية تمثل المتغير الأكثر تأثيرًا في مستقبل التهدئة، خصوصًا في ظل ترجيح استمرار نتانياهو في السلطة، وفشل المعارضة في تشكيل حكومة بديلة.
وخلص إلى أن الطرف الإسرائيلي يظل الأكثر تأثيرًا في مسار الأزمة في ظل استمرار العمليات العسكرية في غزة، وتمسك حكومة نتانياهو بمواقفها المتشددة، سواء في ما يتعلق بالملفات الأمنية أو بترتيبات ما بعد الحرب.
نجاح نتانياهو
أكد سليمان أن نجاح نتانياهو في الحفاظ على الائتلاف الحاكم سيمنحه مساحة أوسع لمواصلة نهجه الحالي، بما يعني استمرار السياسات المتشددة تجاه قطاع غزة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على فرص التهدئة.
ورأى أن نجاح المعارضة في تشكيل حكومة جديدة قد يفتح الباب أمام تغيير في أسلوب إدارة الملف، حتى وإن بقيت المواقف الإسرائيلية العامة تجاه غزة متقاربة.
وفي ما يخص الموقف الأميركي، قال سليمان إنه يمثل متغيرًا مهمًا لكنه يأتي في مرتبة وسطى بين الانتخابات الإسرائيلية وتعيين رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" من حيث التأثير.






