تتجه الولايات المتحدة، في عهد الرئيس دونالد ترامب بحسب تقرير لمجلة "ناشيونال إنترست"، نحو إعادة صياغة مقاربتها الإستراتيجية للعالم، في تحوّل يرى مؤيدوه، أنه يتجاوز مجرد تعديلات في السياسة الخارجية ليقترب من بناء "إستراتيجية كبرى" جديدة قائمة على مبدأ "السلام عبر القوة".
ويستند هذا التوجه بحسب التقرير، إلى قناعة متزايدة داخل الأوساط المحافظة الأميركية، بأنّ مرحلة ما بعد الحرب الباردة، التي قامت على العولمة والانفتاح الاقتصادي غير المقيد، لم تؤدِّ إلى ترسيخ الهيمنة الأميركية كما كان متوقعًا، بل ساهمت في صعود منافسين دوليين، في مقدمتهم الصين.
الصين هي المستفيد
وترى هذه المقاربة بحسب التقرير، أنّ بكين استفادت من النظام التجاري العالمي لتعزيز نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي، مع السعي إلى بناء مجال نفوذ واسع يعتمد على أدوات الضغط المالي والاستثماري، ومشاريع البنية التحتية العابرة للقارات، وعلى رأسها مبادرة "الحزام والطريق".
ويقدم ترامب بحسب التقرير، تصورًا مختلفًا يقوم على تعزيز القوة الأميركية داخليًا، وربطها بشبكات نفوذ واتصال عالمية مفتوحة، بدل السعي إلى فرض سيطرة مباشرة أو بناء "إمبراطوريات نفوذ" تقليدية.
ويستحضر أنصار هذا التوجه تجربة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان خلال الحرب الباردة، معتبرين أنّ واشنطن نجحت آنذاك في إنهاك الاتحاد السوفياتي عبر التفوق الاقتصادي والعسكري والسياسي، وليس فقط عبر المواجهة العسكرية المباشرة.
القوة العسكرية والاقتصاد
ويركز ترامب حسب التقرير، على أولويتين أساسيتين، هما إعادة بناء القوة العسكرية الأميركية وتعزيز الاقتصاد الوطني.
ودعا إلى تخصيص ميزانية دفاعية ضخمة تصل إلى 1.5 تريليون دولار، بالتوازي مع سياسات تهدف إلى حماية الصناعات الأميركية، وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية.
كما تعكس تحركاته في نصف الكرة الغربي هذا المنطق الإستراتيجي بحسب التقرير، من خلال تشديد الرقابة على الحدود، ومحاولة منع خصوم واشنطن من تعزيز وجودهم قرب المجال الحيوي الأميركي، سواء في أميركا اللاتينية أو الممرات البحرية الإستراتيجية مثل قناة بنما.
وفي الملف الأوكراني، ترى الإدارة الأميركية أنّ الحرب أضعفت القدرات الروسية وأعاقت طموحات موسكو في استعادة نفوذها الإقليمي، بينما تسعى واشنطن إلى منع قيام تحالف إستراتيجي متماسك بين روسيا والصين.
إضعاف إيران
أما في الشرق الأوسط، فقد دعمت إدارة ترامب بحسب التقرير، العمليات الإسرائيلية ضد إيران وحلفائها الإقليميين، في إطار سياسة أوسع تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني وإضعاف الشبكات المرتبطة بطهران في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تواصل واشنطن الضغط على إيران عبر العقوبات والقيود الاقتصادية، مع الإبقاء على إمكانية التوصل إلى اتفاق يحد من برنامجها النووي والصاروخي مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية.
ويرى مراقبون في التقرير، أنّ هذه المقاربة تختلف عن سياسات الإدارات الأميركية السابقة التي ركزت على خطاب "النظام الدولي القائم على القواعد" والتدخلات العسكرية الواسعة، إذ يفضل ترامب التركيز على موازين القوة الفعلية، والمنافسة الاقتصادية والأمنية المباشرة.
كما تقوم هذه الإستراتيجية بحسب التقرير على تقاسم الأعباء مع الحلفاء، ودفعهم إلى تحمّل مسؤوليات أكبر في الأمن الإقليمي، بدلًا من الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية.
وتبقى الصين، بحسب التقديرات الأميركية في التقرير، التحدي الرئيسي لهذه المرحلة، نظرًا لقدرتها على منافسة الولايات المتحدة في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والتجارة والنفوذ الجيوسياسي، وهو ما يدفع واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتحالفاتها، استعدادا لمنافسة طويلة الأمد على قيادة النظام الدولي.