نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في عمل شراكات اقتصادية وإستراتيجية مع كبار الدول حول العالم، حيث تتوسع الإمارات في تعاونها مع ألمانيا سواء عبر التجار أو الاستثمار المشترك وفي قطاعات حيوية للغاية بما يحقق المصالح الاقتصادية للدولتين.
العلاقات الاقتصادية بين ألمانيا والإمارات تدخل مرحلة متطورة من التعاون، مع توسع التجارة والاستثمارات وامتداد الشراكة إلى قطاعات الطاقة والصناعة المتقدمة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية وغيرها من قطاعات المستقبل.
الإمارات قوة اقتصادية كبيرة
يتمتع كلا البلدين بمقومات اقتصادية ضخمة تجعل الشراكة ناجحة في قطاعات المستقبل خصوصا أن ألمانيا تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية قوية وخبرة واسعة في الهندسة والتصنيع والبحث والتطوير، بينما توفر الإمارات مركزا استثماريا وتجاريا ولوجستيا يربط بين أسواق أوروبا وآسيا وإفريقيا ما يجعلها شراكة إستراتيجية ناجحة.
وتجاوز حجم التجارة الثنائية بين الإمارات العربية المتحدة وألمانيا 13.56 مليار يورو خلال عام 2025، فيما ارتفعت واردات ألمانيا من الإمارات بأكثر من 50% خلال العام نفسه، في مؤشر على استمرار نمو حركة التجارة بين الجانبين.
وتكشف البيانات التي اطلعت عليها منصة "المشهد" أن صادرات ألمانيا إلى الإمارات ارتفعت إلى نحو 11.39 مليار يورو في 2025، مقابل 9.71 مليارات يورو في 2024، بزيادة 17.3%، بينما بلغت الواردات الألمانية من الإمارات نحو 1.87 مليار يورو، وتعكس هذه الأرقام أهمية السوق الإماراتية بالنسبة للشركات الألمانية، خصوصا أن الإمارات أصبحت قاعدة إقليمية لعدد كبير من الشركات الراغبة في الوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.
ويضم السوق الإماراتي نحو 2,000 شركة ألمانية لديها مكاتب في الدولة، ويستخدم عدد كبير منها الإمارات كمنصة لخدمة الأسواق الإقليمية والدولية، بما يعكس عمق الحضور الألماني في الاقتصاد الإماراتي.
استثمارات ألمانيا في الإمارات
وعلى مستوى الاستثمارات، بلغ رصيد الاستثمارات الألمانية المباشرة في الإمارات نحو 4.06 مليارات يورو في 2024، مقابل نحو 2.08 مليارات يورو للاستثمارات الإماراتية المباشرة في ألمانيا وفق آخر بيانات لعام 2024.
وتظهر بيانات عام 2025 استمرار تدفقات الاستثمار في الاتجاهين، إذ بلغت صافي الاستثمارات الألمانية في الإمارات نحو 165 مليون يورو، بينما سجلت صافي الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا نحو 11 مليون يورو.
وتطورت العلاقة الاستثمارية في الأعوام الأخيرة بشكل أوسع مع دخول رؤوس الأموال الإماراتية بصورة أكبر إلى قطاعات صناعية ألمانية إستراتيجية، ويبرز في هذا السياق استثمار شركة XRG التابعة لأدنوك بقيمة 14.7 مليار يورو لدعم النمو طويل الأجل لشركة كوفيسترو الألمانية، في صفقة تعكس انتقال العلاقات الاقتصادية إلى مستوى يتجاوز التجارة التقليدية إلى الاستثمارات الصناعية الاستراتيجية.
وجاء هذا التطور بالتزامن مع زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى الإمارات في فبراير 2026، والتي ركزت بدرجة كبيرة على الطاقة والصناعة والتكنولوجيا وأتاحت مزيد من التقدم في تطوير الشراكات التجارية والاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.
الطاقة وتكنولوجيا التصنيع
ميان الهيمي، الباحثة في مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، والتي تهتم بتتبع حركة الاستثمارات في الشرق الأوسط قالت لمنصة "المشهد"، إن:
- الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين تقوم على محاور عدة لعل أبرزها الطاقة والذكاء الاصطناعي والتعاون في مراكز البيانات بالإضافة إلي التصنيع.
- ألمانيا تسعى إلى تنويع مصادر إمداداتها وتعزيز أمن الطاقة، في حين أن الإمارات يمكنها تلبية هذا الأمر لدى ألمانيا خصوصا أن الإمارات تقوم على توسيع حضورها في أسواق الطاقة العالمية بوصفها رقما قويا في معادلة سوق الطاقة العالمي.
- الأعوام الخمس الماضية شهدت اتجاه الإمارات نحو عمل شراكات اقتصادية قوية مع دول أوروبية وفي أميركا ودول ذات ثقل إستراتيجي واقتصادي وما صاحب ذلك من استثمارات مشتركة وتعاون في صناعات يحتاجها المستقبل خصوصا الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة في القطاعات الإنتاجية.
وفي وقت سابق، أعلنت أدنوك وشركة RWE الألمانية استكشاف فرص جديدة لتوريد الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا والأسواق الأوروبية بكميات تصل إلى مليون طن متري سنويا لمدة تصل إلى 10 سنوات.
وتزود أدنوك حاليا عملاء ألمان بكميات من الغاز الطبيعي المسال، فيما أبرمت اتفاقيات حديثة مع شركات ألمانية لتوريد كميات إضافية من مشروع الرويس للغاز الطبيعي المسال عند بدء تشغيله.
كما اتفقت شركة مصدر الإماراتية وRWE على استكشاف فرص الاستثمار في مشروعات تخزين الطاقة بالبطاريات في ألمانيا، بينما يجري بحث فرص تعاون أخرى في الهيدروجين والوقود منخفض الانبعاثات وإدارة الكربون.
الذكاء الاصطناعي في قطاعات الطاقة
تطبيقات التكنولوجيا في قطاعات التصنيع والتكنولوجيا المتقدمة أيضا كأحد مسارات التعاون الجديدة، مع بحث تطبيقات التكنولوجيا في قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات، بما يفتح المجال أمام تطوير حلول ترفع الكفاءة والإنتاجية وتعزز القدرة التنافسية.
وفي يوليو 2026، واصلت الإمارات وألمانيا بحث فرص توسيع التعاون في الصناعة والتصنيع المتقدم والطاقة وتقنيات المياه والتنقل والبنية التحتية الرقمية والفضاء والابتكار والتقنيات الناشئة، مع تركيز أكبر على دور القطاع الخاص في تحويل العلاقات السياسية إلى مشروعات واستثمارات عملية.
وشددت الباحثة الاقتصادية في مركز العاصمة للدراسات على أن الشراكة الاقتصادية بين البلدين تتجه نحو القطاعات التي تشكل ملامح الاقتصاد العالمي في المستقبل خلال السنوات المقبلة، بدلا من الاقتصار على تجارة السلع والاستثمارات التقليدية.
وتملك الإمارات مقومات تجعلها منصة جذابة للشركات الألمانية، من بينها البنية التحتية الحديثة والموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية وموقعها الجغرافي، إلى جانب قدرتها على توفير رأس المال والوصول إلى أسواق إقليمية سريعة النمو.
وفي المقابل، تمنح ألمانيا الشركات والمستثمرين الإماراتيين فرصة للاستفادة من قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، ومن الخبرات الألمانية في الهندسة والتصنيع والبحث والتطوير.
وتتزايد أهمية هذا التكامل في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، إذ تبحث الشركات عن أسواق ومراكز إنتاج وتوزيع أكثر تنوعا وقدرة على مواجهة الاضطرابات التجارية والجيوسياسية والتحديات التي ظهرت في أعقاب التصعيد الأخير الذي تشهده عدد من المناطق حول العالم.
وأكدت ميان الهيمي أن التعاون المتنامي بين الإمارات العربية المتحدة وألمانيا في الطاقة والتكنولوجيا يشير إلي مرحلة أكثر ارتباطا بالاستثمار طويل الأجل والابتكار مما يشكل تعاون قوي لاقتصاد المستقبل.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الإمارات وألمانيا لا تنظران إلى العلاقة الاقتصادية باعتبارها مجرد تبادل تجاري، بل باعتبارها شراكة تربط رأس المال والتكنولوجيا والصناعة والأسواق، في وقت يعاد فيه تشكيل الاقتصاد العالمي حول الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم وسلاسل الإمداد.



