كشف تحقيق لوكالة "بلومبرغ" أن روسيا تسعى إلى استغلال علاقاتها القديمة في مجال القوة الناعمة في القارة الإفريقية لمواجهة المزيد من العقوبات بسبب حربها في أوكرانيا.
وأشار التقرير إلى أن القارة الإفريقية لطالما كانت هدفاً لروسيا. فقد دعم الاتحاد السوفيتي إنهاء الاستعمار وساعد الدول المستقلة الجديدة خلال الحرب الباردة، بينما ولّد الغرب انعدام ثقة بسياساته، مثل تقاعسه عن معارضة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
وعبر بوابة الدين، تحاول موسكو بناء علاقات وطيدة مع الدول الإفريقية خصوصا في جنوب إفريقيا، من خلال التوسع في بناء الكنائس الأرثوذكسية التابعة لموسكو.
وشهدت السنوات الأخيرة هيمنة الصين، لتصبح أكبر شريك تجاري لإفريقيا، وتستثمر في الطرق والسكك الحديدية والموانئ. وقد يكون الهدف الأوسع دبلوماسياً، لحشد الدعم الدولي من قارة تمتلك 54 صوتاً في الأمم المتحدة.
سلاح الدين
إلا أن الكرملين ووكلاءه يعتمدون أيضاً على الدول الإفريقية لتجنيد جنود لتعزيز جيشه والقوى العاملة في صناعة الذخائر التي يستخدمها في أوكرانيا، حسب بلومبرغ.
وقال منسق مرصد وسط وجنوب إفريقيا في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية تيري فيركولون: "تسعى روسيا إلى تطوير سياستها النفوذية في جميع الدول الإفريقية. إنهم يريدون إظهار صورة دولة عظيمة صديقة لجميع الأفارقة".
وأنشأ الرئيس فلاديمير بوتين مؤخراً إدارة في الكرملين لتنسيق تفاعلات روسيا وسياساتها مع الدول التي يختارها بنفسه. أفاد مصدران مطلعان على الوضع بتشكيل فريق خاص يُعنى بسياسة إفريقيا.
وبحسب بلومبرغ، هناك الدين، وسيلةٌ لممارسة النفوذ تعود جذورها إلى المبشرين المسيحيين في العصر الاستعماري. في أقل من 3 سنوات، توسعت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لتشمل 34 دولة إفريقية على الأقل، بعد أن كانت تقتصر على 4 دول، وارتفع عدد رجال الدين فيها إلى 270، وسُجّلت 350 رعية وجماعة حتى يونيو 2024، وفقًا لأحدث الإحصاءات المتاحة من الكنيسة.
وقد يكون هذا التوسع الجغرافي هو الأهم في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، كما كتب يوري ماكسيموف، رئيس قسم الإرساليات في إكسرخسية إفريقيا، في ورقة بحثية نُشرت عام 2025.
وفقًا لدراسة أجراها الأب إيفانجيلوس ثياني، الأكاديمي والكاهن الكيني في الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، استقطب الروس الكهنة برواتب أفضل، ووعود ببناء كنائس، وترقية سريعة.
رحّبت منظمة دوكسي بالكاهن الملغاشي أليكسي هيريزو في العاصمة أنتاناناريفو ترحيبًا حارًا. تلقّى تدريبًا عبر الإنترنت في معهد ديني بموسكو، ثم تدريبًا عمليًا ميدانيًا لمدة 3 أشهر عام 2023، قبل أن يُرسم شماسًا ثم كاهنًا في غضون أيام.
يقول أليكسي، وهو اسمه الرهباني، إن ذلك جاء بعد سنوات من انتظار قبوله من قِبل الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية. ويضيف أن الرواتب التي تُقدّمها الكنيسة الروسية تُتيح لنا "العيش بكرامة، والاهتمام بصحة عائلاتنا، وتوفير تعليم أطفالنا".
استقطاب الدول الإفريقية
يهدف هذا التوسع إلى "محاولة استقطاب المزيد من الدول إلى فلكها"، كما صرّح توم ساذرن، مدير المشاريع الخاصة في مركز مرونة المعلومات، الذي درس هذا النمو. وأضاف: "إنه أشبه بالاستعمار الروحي".
تراجعت علاقات روسيا التاريخية مع إفريقيا بعد انهيار الشيوعية، حيث اتجهت البلاد نحو الغرب. وعادت القارة إلى دائرة الاهتمام بعد ضم بوتين لشبه جزيرة القرم عام 2014 وتدهور العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا.
وفيما يتعلق بالتعاون العسكري، أفاد تقرير صادر عن البرلمان الأوروبي بأن موسكو لديها اتفاقيات تعاون عسكري مع 43 دولة إفريقية، وأنها مورد رئيسي للأسلحة.
وكانت قوات فاغنر تنشط في محاولة محاربة المتمردين في مناطق مثل مالي، على الرغم من حلّ المجموعة لاحقًا ودمجها في فيلق إفريقيا التابع للحكومة. وفي الوقت نفسه، كانت الشركات المرتبطة بفاغنر تمتلك عقودًا في مختلف أنحاء القارة في مجالات الأمن وخدمات النفط وتعدين الذهب، وفق بلومبرغ.
مع ذلك، يفتقر التوسع الروسي المتجدد في إفريقيا إلى الموارد المالية التي يتمتع بها منافسوه الجيوسياسيون. فبينما تُعد الصين أكبر شريك تجاري لدول إفريقيا جنوب الصحراء، تحتل روسيا المرتبة 33.