hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 التصعيد في مالي.. لماذا تتجه أصابع الاتهام نحو الجزائر؟

الجنرال آسيمي غويتا أكد خلال جنازة وزير الدفاع استمرار العمليات العسكرية ضد الانفصاليين والإرهابيين (رويترز)
الجنرال آسيمي غويتا أكد خلال جنازة وزير الدفاع استمرار العمليات العسكرية ضد الانفصاليين والإرهابيين (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • تزايد الهجمات التي تستهدف مواقع الجيش في شمال مالي ووسطها.
  • العلاقات بين الجزائر ومالي تشهد حالة جمود مع تبادل الاتهامات.
  • باماكو تتهم الجزائر بدعم حركات انفصالية تنشط في منطقة أزواد.
  • التحالف بين الانفصاليين و"الجهاديين" الهدف منه إرباك الدولة المالية.
تشهد مالي تصعيدًا أمنيًا متواصلًا، مع تزايد الهجمات التي تستهدف مواقع الجيش في شمال البلاد ووسطها، في سياق ميداني يتسم بتعدد الفاعلين المسلحين بين الأزواد الانفصاليين وعناصر "القاعدة" الإرهابيين، ما يعكس تعقيدًا متزايدًا في مسار الصراع.

وأعلنت جماعات مسلحة تنفيذ عمليات منسقة ضد مواقع عسكرية، في حين كثّف الجيش المالي، بدعم من مقاتلين أجانب، عملياته في مناطق يشتبه في نشاط تنظيمات انفصالية، وأخرى مرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش."

الجزائر تراقب بحذر

ويأتي هذا التصعيد في ظل توتر سياسي إقليمي، خصوصًا مع الجزائر التي تتابع عن كثب تطورات الوضع في مالي، بالنظر إلى امتدادات الأزمة الأمنية على حدودها الجنوبية.

وأكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في تصريحات مؤخرًا، أنّ استقرار مالي "مسألة أساسية لأمن المنطقة"، مشددًا على ضرورة معالجة الأزمة عبر حلول سياسية، وحذر من تداعيات استمرار المواجهات العسكرية على أمن دول الجوار.

وشهدت العلاقات بين الجزائر ومالي بحسب الباحثة المختصة في الشؤون الإفريقية سلطانة خليفة، حالة جمود، منذ إلغاء رئيس المجلس العسكري في مالي آسيمي غويتا، لاتفاق الجزائر 2015، والذي منح حكمًا ذاتيًا موسعًا لإقليم أزواد.

وتضيف الباحثة في تصريحها الخاص لمنصة "المشهد"، أنّ الانفصاليين الأزواد، "قبلوا على مضض اتفاق الجزائر مع سلطات باماكو، الذي استطاع ضمان تهدئة بين الطرفين استمرّت لنحو 10 سنوات، وكانت تلك فقط بداية توترات بين الجانبين، سرعان ما اتخذت منحًى متصاعدًا، عندما اتهم رئيس الوزراء المالي مؤخرًا، الجزائر، بدعم الإرهاب الدولي".

وصعّدت السلطات المالية من خطابها تجاه الجزائر، متهمة إياها بدعم حركات انفصالية تنشط في منطقة أزواد، وهو ما نفته الجزائر، مؤكدة تمسكها بدورها كوسيط في اتفاق السلام الموقّع في الجزائر عام 2015.

وتحاول الجزائر بحسب الباحثة سلطانة خليفة، الالتزام بسياسة النأي بالنفس، عبر إظهار دعمها لوحدة الأراضي المالية، وتقول، "الجزائر في موقف حساس، فهي تحاول إقناع الجانبين بالحوار في الوقت الذي تُتهم فيه بدعم جبهة تحرير أزواد، وفي الوقت ذاته تتخوف سلطات الجزائر من تنامي نفوذ جبهة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة للقاعدة الإرهابية، على مقربة من حدودها الجنوبية".

بين الإرهاب والانفصال

وتأتي اتهامات باماكو في سياق تراجع مسار اتفاق الجزائر الذي تم توقيعه في 2015، وكان يهدف إلى إنهاء التمرد في شمال مالي، في ظل تصاعد المواجهات بين الجيش والتنظيمات المسلحة التي أعادت تموضعها في الميدان، عبر تحالفات جديدة وغير متوقعة بحسب الخبراء.

وأعلنت جبهة تحرير أزواد، وهي إحدى أبرز الحركات الانفصالية شمال مالي، عن تقارب ميداني مع "جبهة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" الإرهابي، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا حول طبيعة هذا التنسيق.

وقالت الجبهة في بيان لها، إنّ هذا التقارب يأتي في سياق ضغوط عسكرية متزايدة تتعرض لها من قبل الجيش المالي وحلفائه، مشيرة إلى أنّ هذا التنسيق تم بوساطات محلية، وأنه "لا يعكس تقاربًا أيديولوجيًا مع الجماعة".

وينتمي إياد أغ غالي زعيم "جبهة نصرة الإسلام والمسلمين" المصنفة ضمن المنظمات الإرهابية، إلى المجموعة القبلية الطوارق، وهي المكون الأساسي لجبهة تحرير أزواد التي تقاتل النظام العسكري في باماكو، وتطالب بتأسيس دولتها المستقلة شمالًا على الحدود مع الجزائر.

ويؤكد الباحث المختص في قضايا مالي والساحل محفوظ ولد السالك، أنّ هناك علاقات اجتماعية وعرقية وقبلية بين قادة من الطرفين، "تجعل من السهل حصول تحالف بينهما، وأحيانًا يحصل هذا التحالف من دون أن يُعلن، كما وقع في معارك سابقة ضد الجيش المالي".

ويضيف الباحث في تصريح لمنصة "المشهد"، أنّ التحالف هذه المرة كان علنيًا وأكثر تنسيقًا، لأنّ "الهدف منه كان إرباك الدولة المالية، وتحقيق انتصار كبير على حساب الجيش المالي وحلفائه في الفيلق الإفريقي الروسي".

وعلّلت جبهة أزواد تحالفها مع فرع تنظيم "القاعدة"، بأنّ هذا التوجه يندرج ضمن "ديناميات محلية" فرضتها التطورات الميدانية، في ظل ما وصفته بصمت دولي إزاء الانتهاكات التي تطال سكان المنطقة، وفق تقارير منظمات حقوقية.

تحالف معرض للانهيار

وتصف الباحثة سلطانة خليفة ما يقع في مالي بـ"تحالف النقيضين"، ففي نظرها فإنّ الطرفين كانا يتعاونان بشكل متقطع على فترات زمنية مختلفة، والتحالف الحالي المعلن سماه المتحدث باسم تحرير أزواد "بالتكتيكي".

وتضيف، أنه حتى وإن اتفق الطرفان على هدف واحد غير ثابت، "تعود الصدامات حول الهوية ونظام الحكم إلى الواجهة في كل مرة، وهو تحالف معرّض للانهيار في أيّ لحظة مع ضعف العدو المشترك للطرفين".

وأظهرت بيانات "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، تحولًا نسبيًا في خطابها، حيث اعتمدت مفردات ذات طابع محلي ووطني، مع تراجع نسبي للخطاب "الجهادي" العابر للحدود، ومحاولة التركيز أكثر على قضايا داخلية.

ويشير مراقبون إلى أنّ هذا التحول يعكس محاولة من الجماعة المصنفة إرهابية، لتعزيز حضورها المحلي في مالي وتوسيع قاعدتها الاجتماعية، في بيئة تتسم بتداخل المكونات الإثنية والعرقية.

وشددت السلطات المالية، بقيادة المجلس العسكري الحاكم، على رفض أيّ تقارب بين الحركات المسلحة والجماعات المصنفة إرهابية، معتبرة أنّ ذلك يشكل تهديدًا لوحدة البلاد.

وقال رئيس المرحلة الانتقالية الجنرال آسيمي غويتا، إنّ الدولة "لن تتسامح مع أيّ تحالف يهدد سيادة مالي".

وأكد الجنرال خلال مراسم جنازة وزير الدفاع الذي قُتل خلال الهجمات الأخيرة، استمرار العمليات العسكرية "لاستعادة السيطرة الكاملة على التراب الوطني".

وتأتي هذه التصريحات في ظل اعتماد السلطات المالية على دعم أمني خارجي، خصوصًا من مقاتلين روس، في مواجهة التنظيمات المسلحة، وهو ما أثار انتقادات من منظمات دولية بشأن تداعيات هذه العمليات على المدنيين.

تساؤلات حول مستقبل التحالف

ويثير التقارب بين جبهة تحرير أزواد و"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، تساؤلات حول مستقبل هذا التحالف، في ظل تباين الخلفيات الأيديولوجية للطرفين، بين التوجه العلماني والخطاب "الجهادي".

ويشير محللون إلى أنّ مثل هذه التحالفات لا يمكن اعتبارها غير مسبوقة في منطقة الساحل، حيث غالبًا ما تفرض الضرورات الميدانية والضغوط العسكرية تقاربًا بين فاعلين مختلفين، ضمن حسابات ترتبط بالبقاء والاستمرارية.

ويرى المختص ولد السالك، أنّ التحالف الحاصل اليوم في مالي غير إستراتيجي أو بعيد المدى، وإنما آنيّ فقط، ويضيف، "أراده أصحابه أن يكون تكتيكيًا، وقد فشل في تحقيق هدف الإطاحة بالنظام، وإن كان وجّه له ضربة قاسية من خلال مقتل وزير الدفاع وإصابة آخرين بجروح".

وحافظ النظام الحاكم في باماكو على بقائه بحسب ولد السالك، ويضيف في تصريحه لـ"المشهد"، "أقصى ما يمكن أن يحققه هذا التحالف، هو استعادة مدن الشمال، التي كانت في الأصل خاضعة لسيطرة الحركات الأزوادية، قبل مجيء العسكريين للسلطة، أما السلطة المركزية فلا أتوقع أن يصلها ما يهدد بقاءها".

وعمليًا يعتقد المختص في شؤون الساحل، أنّ التحالف "قد انتهى لأنّ معارك ما بعد الهجمات المتزامنة فجر 25 من أبريل الماضي، لم يعد يخوضها الطرفان بشكل مشترك".