أثارت الأنباء عن عودة الأمير هاري وزوجته ميغان، دوقة ساسكس، إلى قلب المملكة التي غادراها قبل 6 سنوات، موجة عارمة من التكهنات في الأوساط الملكية البريطانية المتمسكة بالتقاليد، وكذلك الصحف الشعبية المتعطشة للأخبار. والسؤال الأبرز: كيف ينبغي النظر إليهما الآن؟
في الواقع، وبينما يستعد الزوجان وطفلاهما الأمير آرتشي (7 سنوات) والأميرة ليليبت (5 سنوات)، لإنهاء فترة ابتعادهما عن الوطن والإقامة في ساحل كاليفورنيا، يشير مراقبو شؤون القصر إلى ندرة السوابق التي تعود فيها شخصيات ملكية رفيعة المستوى كانت قد انسحبت من المهام الرسمية للعائلة إلى كنف الملكية بصفة مدنيين اختاروا الابتعاد طواعية عن الأضواء.
حماية الأسرة
وبحسب تقرير نشره موقع واشنطن بوست، يتمحور أحد الأسئلة الجوهرية العالقة حول النزاع المستمر بشأن الجهة التي ستتحمل تكاليف تأمين الحماية لهذين العضوين الملكيين السابقين.
وحتى الآن، لم يصدر أي بيان رسمي يوضح الترتيبات الأمنية -إن وُجدت- التي ستُتخذ لحماية الأسرة عند إقامتها في منزل خاص خارج لندن، بعيداً عن القصور الملكية.
كما ويلف الغموض مكانتهما الاجتماعية، بما في ذلك مسألة مشاركتهما في المناسبات العائلية الرسمية والخاصة، فضلاً عن الأدوار المستقبلية لكل من آرتشي وليليبت.
وفي حال تجاوزت ليليبت أفراد العائلة المالكة الـ6 الذين يسبقونها في ترتيب ولاية العرش، فستكون أول فتاة من كاليفورنيا، وُلدت على بعد 3 أميال فقط من شاطئ "ليدبيتر" في سانتا باربرا، تصبح ملكة لإنجلترا.
وتخلى الأمير هاري، الخامس في ترتيب ولاية العرش، وزوجته ميغان عن مهامهما كعضوين عاملين في العائلة الملكية عام 2020، مُشيرين إلى ما وصفاه لاحقًا، في مقابلة مع أوبرا وينفري عام 2021 وسلسلة وثائقية لاحقة على "نتفلكس"، بالمؤسسة الملكية غير الداعمة، بل والمتسمة أحيانًا بعدم مراعاة الحساسيات العرقية، وهو نقد بدا أنه أساء ليس فقط لعائلتهما، بل لجزء كبير من المملكة.
الانتقال إلى أميركا
وانتقل الزوجان إلى أميركا الشمالية، متخلّين عن الواجبات الرسمية، والحماية الأمنية، والارتباط المؤسسي الذي كان يرافق اسم العائلة الملكية، مع احتفاظهما بألقابهما، ومكانتهما في ترتيب ولاية العرش، وبالطبع بتأثيرهما على الرأي العام نظرًا للضجة التي أثارتها عودتهما.
وربما يكون السؤال الأبرز الذي يشغل بال البريطانيين هو: لماذا العودة إلى بلدٍ واجها فيه هجوماً شرساً من حشود إعلامية نهمة، تبدو الآن وكأنها تستعد للانقضاض عليهما مجدداً؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟
في غضون ساعات من انتشار أنباء عودة الزوجين اللذين فضّلا العيش في المنفى الاختياري، وهي الأنباء التي أوردتها لأول مرة صحيفتا "ديلي تليغراف" و"ذا صن" اللندنيتان، امتلأت المقالات ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي بالتكهنات حول الدوافع والتوقيت.
وتراوحت النظريات بين حنين هاري إلى وطنه، والوضع الصحي لوالده الملك تشارلز الثالث (الذي يتلقى علاجاً للسرطان)، والمخاوف المالية المتعلقة بمشاريعهما في مجال الأفلام الوثائقية والرفاهية ومقرهما الولايات المتحدة.
وقال إيان لويد، وهو كاتب سيرة ومعلق مختص بشؤون العائلة الملكية، إنه لا يزال تحت وطأة صدمة هذا الخبر "المفاجئ والمزلزل".
ويرى لويد أن هذه العودة قد تكون نابعة أيضاً من إدراك هاري بأن أي محاولة لترميم العلاقات الملكية يجب أن تتم في عهد والده تشارلز، نظراً للخلاف المرير مع شقيقه الأكبر وليام، أمير ويلز والملك المستقبلي المحتمل.
وأضاف لويد: "إنه يدرك أنه في المستقبل، إذا أصبح وليام ملكاً، فلن تكون هناك أي فرصة للعودة إلى كنف العائلة".
لكن تظل هناك أسئلة أخرى مطروحة؛ إذ قال لويد: "ما زلنا لا نعرف أين سيقيمان، وأي مدرسة سيلتحق بها الأطفال".
مواطنان عاديان
وسيعود هاري وزوجته بصفتهما مواطنين عاديين فهما لم يعودا جزءاً من المنظومة التي تخليا عنها لبدء حياة جديدة في جنوب كاليفورنيا، لكنهما أيضاً ليسا غريبين تماماً عنها.
ويبدو أن أحداً، بمن فيهم أفراد العائلة الملكية أنفسهم، ليس متأكداً تماماً من طبيعة وضعهما الحالي.
وقال لويد في مقابلة يوم الخميس: "هناك جانب متشائم في داخلي يعتقد أن حياتهما في أميركا لم تكن مثمرة للغاية"، مشيراً إلى الصفقات السابقة التي أبرمها الزوجان مع شركتي "سبوتيفاي" و"نتفلكس".
وسبق أن صرح هاري بأنه لن يعود من دون توفير حماية أمنية حكومية لعائلته، معللاً ذلك بأنه تخلى عن مهامه الرسمية لكنه لم يتخلص من المخاطر الأمنية المرتبطة بوضعه.
وقضى هاري سنوات في المحاكم البريطانية يدافع عن حقه في الاحتفاظ بحماية الشرطة المسلحة التي كان يتمتع بها كفرد عامل في العائلة الملكية، وهي قضية خسرها في النهاية.
وفي مايو 2025، حكم قاضٍ في محكمة الاستئناف بأنه "لا يمكن القول إن شعور الدوق بالظلم يرقى إلى مستوى حجة قانونية تصلح للطعن في القرار".
كما رُفض مسعى منفصل للسماح له بدفع تكاليف حماية شرطة العاصمة (متروبوليتان) بنفسه؛ إذ جادل محامو الحكومة بأنه لا ينبغي السماح للأثرياء "بشراء" خدمات حراسة الشرطة.
وفي ظل إقامتهما في كاليفورنيا، تكفل الزوجان بدفع تكاليف أمن خاص لحمايتهما في منزلهما وأثناء تنقلاتهما.
غموض وتكتم
لم يتضح ما إذا كان هناك أي تغيير في موقف الحكومة المتردد بشأن توفير حماية أمنية بدوام كامل، الآن بعد أن قررت العائلة الإقامة مجدداً في بريطانيا.
وزار هاري والده الملك تشارلز في يوليو برفقة طفليه آرتشي وليليبت؛ وهي المرة الأولى -على ما يبدو- التي يرى فيها الملك حفيديه منذ 4 سنوات.
وصرح رئيس الوزراء آندي بورنهام بأن الترتيبات الأمنية الخاصة بالزوجين تُعد "مسألة شخصية".
وقال بورنهام للصحفيين خلال زيارة إلى يوركشاير يوم الخميس: "إنها مسألة تخص هاري وميغان، ونتمنى لهما التوفيق في خطوة الانتقال التي يقومان بها".
من جانبها، رفضت وزارة الداخلية التعليق يوم الخميس، وصرحت للصحفيين قائلة: "يتميز نظام الحماية الأمنية التابع للحكومة البريطانية بالصرامة والتناسب. وتتمثل سياستنا الراسخة في عدم تقديم معلومات مفصلة حول هذه الترتيبات، لأن القيام بذلك قد يمس بسلامة النظام ويؤثر على أمن الأفراد المعنيين".



