يشاع استخدام لفظ "أرستقراطية"، في وصف الأفراد أو المجموعات التي تتمتع بقدر من التفرد وفي كثير من الأحيان بالثراء وفق ما ذكره ويليام دويل في كتابه عن الأرستقراطية، لكن الكلمة التي ظهرت في اليونان للمرة الأولى تعني ما هو أكثر من ذلك.
ما هي الأرستقراطية؟
بحسب دائرة المعارف البريطانية، فالأرستقراطية هي حكم طبقة صغيرة أو أقلية تتكون من أولئك الذين يُفترض أنهم مؤهلون بشكل أفضل للحكم.
ويرى الفيلسوف اليوناني أرسطو أن الأرستقراطية تعني حكم القلة - المتفوق أخلاقياً وفكرياً - الذي يحكم لصالح الجميع.
وكان استخدام اللفظ للمرة الأولى من قبل الفلاسفة اليونانيين لغرض محدد هو أن يتولى الحكم المواطنون الأفضل وفق اختيار دقيق.
من هو الأرستقراطي
الأرستقراطي هو الشخص الذي تحظى عائلته بمكانة اجتماعية مرموقة، وخاصة من يحمل لقبًا، فلطالما سُمَي الأرستقراطي بالنبيل أو السيد أو السيدة.
ولطالما كان تحديد تلك الطبقة عبر الثروات أو الوراثة، خلال العصور الوسطى، وهو النموذج الذي بقي لفترة زمنية طويلة.
الفرق بين الأرستقراطية والبرجوازية
البرجوازية هي الطبقة المتوسطة التي تتضمن المهنيين أو المسؤولين الخاضعين للنبلاء لكنهم يديرون العمال والفلاحين أو يحظون بمكانة اجتماعية عليهم.
وتختلف الخصائص التي تُميّز كلا الطبقتين، فالأرستقراطي غالبا ما ينشغل بالدراسة والفن والأدب، فيما يتجه البرجوازي نحو امتلاك المصانع، أو العمل في التجارة أو البنوك.
والأرستقراطي غالبا ما ينتمي لطبقة تمتلك من الامتيازات ما يكفي لتأهيله للحكم، أما الطبقة البرجوازية فتضم أولئك الحرفيين والمهنيين كالأطباء والمحامين وموظفي الخدمة المدنية.
كما يُمثل الهدف خاصية جوهرية بين الطبقتين، إذ يسعى البرجوازيون للوصول إلى أعلى مراتب المجتمع من خلال محاولات امتلاك رؤوس الأموال ووسائل الإنتاج، فيما ولد الأرستقراطي كعضو في تلك الطبقة بالأساس.
ما هو الفارق بين الأرستقراطية والأوليغارشية؟
تندرج الأرستقراطية والأوليغارشية ضمن أشكال الحكم التي تحكم المجتمع بواسطة مجموعة ضئيلة نسبيا من الناس، ولكن يبقى الاختلاف الجوهري بين كليهما، أن الأوليغارشية هي ببساطة حكم الأقلية، فيما تعد الأرستقراطية "حكم الأفضل".
الأرستقراطية تضم عادة الأفراد المناسبين للحكم بسبب نبلهم، وهو مستوى رفيع للغاية من التفوق الأخلاقي والفكري الذي نقل وراثيًا عبر السلالات العائلية.
أما الأوليغارشية فتضم أفرادا أكثر ثراءً وقوة من بقية السكان.
ويقول أرسطو: "حيثما يحكم الرجال بسبب ثروتهم، سواء كانوا قليلين أو كثيرين، فهذه أوليغارشية".
ويميل الأرستقراطيون إلى التصرف وفق مصلحة مجتمعهم، وهو أمر يعود في الأساس إلى كونهم حصدوا مناصبهم من خلال الميراث، فيما يعمل الأوليغارشية على التصرف وفق ما تقتضيه مصالحهم الشخصية، وهو ما يرجع إلى أن وصولهم إلى المنصب يعتمد بالأساس على الحفاظ على مستوى الثروة، وهو ما يضع خيطا رفيعا بين الأوليغارشية والفساد والقمع والاستبداد.
ما هو الاختلاف بين الملكية والأرستقراطية؟
الاختلاف الواضح بين الأرستقراطية والأنظمة الملكية يكمُن في السلطة، ففي الملكية، السلطة تخضع لملك واحد في النهاية.
أما السلطة في النظام الأرستقراطي فهي تخضع في النهاية إلى طبقة الأرستقراطيين، وهم مجموعة من الأشخاص الذين لديهم المؤهلات الكافية للحكم كما اشرنا سابقا.
ما هو الفرق بين الأرستقراطية والديمقراطية؟
الأرستقراطية هي شكل من أشكال الحكم حيث تُمنح فيه السلطة العليا لمجموعة من الأشخاص الذين يتميّزون بالثروة أو النبل الوراثي.
على النقيض من ذلك، الديمقراطية تعني حكم الشعب وتشير إلى شكل من أشكال الحكم تُمنح فيه السلطة العليا للشعب.
ما هي الديمقراطية
وفقا لدائرة المعارف البريطانية، فالديمقراطية هي أن تكون السلطة للشعب.
والمصطلح مشتق من الكلمة اليونانية dēmokratia، والتي تمت صياغتها من dēmos "الناس" وkratos "القاعدة" في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد للدلالة على الأنظمة السياسية الموجودة آنذاك في بعض دول المدن اليونانية، ولا سيما أثينا.
هل انتهت الأرستقراطية؟
في أواخر القرن التاسع عشر، احتفظ الأرستقراطيون بسيطرة يشوبها عدم الاستقرار في معظم أنحاء أوروبا، قبل أن تتبخر تلك السيطرة إلى حد كبير، عام 1920، نتيجة للحرب العالمية الأولى.
ولا يمكن القول إن الأرستقراطية انتهت بشكل كامل من العالم اليوم، فهي موجودة بشكل أو بآخر على الصعيد الاجتماعي في العديد من البلدان، لكن يمكننا أن نقول تأثيرها السلبي اليوم ضئيل للغاية.
في السطور التالية نستعرض عددا من الأرستقراطيات القائمة عالميا اليوم:
بريطانيا
ربما فقدت الطبقة الأرستقراطية في بريطانيا نفوذها السياسي، لكن ذلك لا يمنع تطورها حتى اليوم، وهو الأمر الذي ينعكس بوضوح في تاريخ العائلة المالكة في المملكة المتحدة.
يعرف الأمر حاليا بـ"نظام النبلاء"، ويعود تاريخيا إلى أواخر الغزو النورماندي، الذي وقع عام 1966، وذلك حين قسمت الأرض إلى مانور يشرف عليها النبلاء النورمانديون.
في منتصف القرن الثالث عشر، أشرف الملك هنري الثالث على وضع الأساس لما يعرف اليوم باسم مجلس اللوردات أو بيت النبلاء.
بحلول القرن الرابع عشر، انضم مجلس العموم، بممثليه المنتخبين من المدن والمقاطعات، إلى النبلاء بالوراثة في مجلس اللوردات لتشكيل البرلمان البريطاني.
وتشير الإحصاءات إلى أن كبار ملاك الأراضي وقائمة الأثرياء، من أصحاب لقب "الدوق" وهو المرتبة الأعلى في قائمة مراتب النبلاء الخمس.
ويفضل الأرستقراطيون في بريطانيا، إرسال أطفالهم إلى مجموعة محددة من المدارس الخاصة ذات المكانة المرموقة، وهو ما يدخل في نطاق استمرار عادات اجتماعية معينة للطبقة الأرستقراطية.
روسيا
يُظهر تاريخ الطبقة الأرستقراطية في روسيا أنها ظهرت خلال القرن الرابع عشر على وجه التحديد، وسيطرت على مقاليد الحكم في البلاد، حتى الثورة الروسية التي اندلعت في عام 1917.
في القرن السابع، كان نبلاء الأرستقراطية في روسيا يسيطرون على ملكية معظم الأراضي، وبحلول العام 1722، استبدل القيصر بطرس الأكبر النظام الخاص بالترقية إلى عضوية الطبقة الأرستقراطية من نظام التوريث إلى نظام يقوم على قيمة الخدمة المقدمة للسلطة الحاكمة.
في القرن التاسع عشر، تقلصت ثروة ونفوذ الأرستقراطيين بسبب نمط العيش الباهظ فضلا عن إصدار مجموعة قوانين تقلل سطوتهم السياسية.
في أعقاب الثورة التي شهدتها روسيا عام 1917، اختفت تماما كل طبقات الأرستقراطية في البلاد، وبقي عدد قليل من أحفاد طبقة النبلاء الروس، للعيش حياة عادية والعمل في التجارة أو غيرها.
فرنسا
خلال العصور الوسطى، ظهرت الأرستقراطية في فرنسا، فظلَ النبلاء في صدارة سلطة البلاد، حتى الثورة الفرنسية الدموية التي اندلعت في القرن الثامن عشر وبالتحديد عام 1789.
وبشكل أساسي كان الحصول على عضوية الطبقة الأرستقراطية في فرنسا أمر يُورث، لكن البعض استطاع الانضمام إلى النبلاء عبر التعيين من قبل النظام الملكي، أو شراء الألقاب، فيما حصل آخرون على عضوية الأرستقراطية، من خلال الزواج.
وحظي المجتمع الأرستقراطي الفرنسي بحقوق وامتيازات لا يحظى بها من هم خارجه، مثل امتلاك الأراضي، وحمل السيف، والحق في الخروج من أجل الصيد.
يضاف إلى ذلك أيضا، الإعفاء من دفع بعض الضرائب، وتخصيص بعض المناصب الرفيعة في المجالات الدينية والمدنية، بل والعسكرية أيضا.
وقُضيّ على الأرستقراطية في البلاد بعد اندلاع الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر عام 1789، ورغم استعادة الأرستقراطية الفرنسية في عام 1805، إلا أنها عادت بامتيازات محدودة.
في أعقاب ثورة 1848، تم التخلص من أي امتيازات كانت تحظى بها الأرستقراطية في فرنسا، ولكن استمر منح الألقاب الوراثية.
اليوم يحافظ النبلاء في فرنسا على ألقاب أسلافهم، ولكن على نطاق العادات والتقاليد الاجتماعية فقط.
ولا تزال دول أوروبية بينها الدنمارك وإسبانيا تمنح الألقاب الأرستقراطية، حتى اليوم، من خلال التوريث.
الأرستقراطية في الدولة الرومانية القديمة
رغم الثورات المتكررة ضد الحكم الأرستقراطي في الدولة الرومانية القديمة، إلا أن التاريخ يشير كذلك إلى أن نظام الحكم الأرستقراطي بقي طويلا، إذ تمسك الناس بفكرة مجلس الشيوخ والتجمعات القبلية وكذلك العمل القنصلي، عبر ما أسموهم بالمواطنين المتميّزين.
وبشكل عام لا تزال الأرستقراطية موجودة بشكل أو بآخر في الكثير من المناطق حول العالم فعلى سبيل المثال، فأمراء ليشتنشتاين وموناكو، يمثلون النموذج الأرستقراطي، إذ يحكمون دولا ذات سيادة، بعد أن كانوا تابعين في السابق لملوك كبار.
في كتابه "الأرستقراطية- مقدمة قصيرة جدا" يعتقد ويليام دويل أن مصير الطبقات الأرستقراطية، سينتهي إلى تضاؤل حجمها ببطء حتى تصل إلى الاختفاء الكامل.
إلا أن دويل يؤمن أيضا أن الآثار المادية والمرئية لأجدادهم — سواء الشخصية أو الجماعية — سيُمكن العثور عليها لوقت طويل من الزمن.
رأي أرسطو في الأرستقراطية
رأى أرسطو أن الأرستقراطية هي النظام الحكم الأفضل، بين الأوليغارشية والديمقراطية، إذ لا ينبع أي منهما على القدرة أو الخبرة الفعلية.
فتعتمد الأوليغارشية على المال فقط، بينما تقوم الديمقراطية على المساواة فقط، وهو ما اعتبره أرسطو أمرا غير عادل.
ما هي مزايا الأرستقراطية؟
- اختيار الكفاءات: يعتمد نظام الحكم الأرستقراطي على اختيار حكام مؤهلين يمكنهم تولي الإدارة بطريقة جيدة.
- الحفاظ على التقاليد: ضمنت الأرستقراطية الحفاظ على التقاليد التي حاول الحكام الإبقاء عليها للمحافظة على الاتصال بين الماضي والحاضر.
- الاستقرار: حين تكون الإدارة في أيدي إداريين ذوي خبرة، يسيطر الاستقرار على مختلف شؤون الحكم.
ما هي عيوب الأرستقراطية؟
- لطالما اعتمدت الحكومات الأرستقراطية على البذخ والترف والعناية بالمظاهر.
- الأرستقراطية هي حكم بعض الطبقات المتميزة، وقد لا يعكس هذا رغبات عامة الناس، حيث لا يُسمح لهم بالتصويت.
- القادة في مثل هذا النوع من الحكومات ليسوا مسؤولين عن أفعالهم، حيث لا توجد ضوابط وتوازنات.
- قد تعمل مثل هذه الحكومات بشكل أناني من أجل مصالحها الخاصة، من خلال الحفاظ على الفجوة الاقتصادية بين الأغنياء والفقراء، واضطهاد الجماهير لتعزيز وضعها.
- لا تمنح الأرستقراطية أي فرصة للأفراد الموهوبين من عامة الناس لرفع النظام الاجتماعي.
- من المحتمل جدًا أن تندلع الخلافات بين القادة المتعطشين للسلطة النهائية، وهو ما لوحظ في الماضي.
ثورات ضد الأرستقراطية
رصد ويليام دويل في كتابه "الأرستقراطية- مقدمة قصيرة جدا" لعدد من الثورات التي خرجت بالأساس ضد أنظمة حكم أرستقراطية.
يعود دويلإلى عهد الإمبراطورية الرومانية، فيقول إنه رغم التحصين الشديد الذي حظيت به الأرستقراطية في تلك الحقبة، إلا أنها شهدت محاولات متكررة للقضاء على الأرستقراطية في تلك الفترة.
ففي العام 73 ق.م قاد المصارع سبارتاكوس ثورة للعبيد كادت أن تغير ملامح البنية الاجتماعية لإيطاليا الرومانية، قبل أن يُهزم جيشه من قبل قوة عسكرية ضخمة.
تتشابه تلك الواقعة مع ما دار في فرنسا عام 1358، حين ثار الفلاحون على المجتمع الأرستقراطي، الأمر الذي تكرر في إنجلترا عام 1381.
وبحسب ويليام دويل، بثت هذه الثورات الرعب في الأوساط الأرستقراطية لفترة زمنية طويلة.
وفي عام 1524، شهدت ألمانيا كذلك ما عرف بـ"حرب الفلاحين" التي استمرت لمدة عامين، اعتراضا على سياسات النبلاء، ورغم العنف الشديد الذي شهدته تلك الحرب، إلا أنها كانت أقل حدة عند مقارنتها بما آلت إليه الأمور في ثورة بوجاتشيف الكبرى في روسيا في القرن الثامن عشر عام 1774.
ويقول دويل إن تعرض النبلاء للنقد، لم يكن بسبب الاعتقاد بأن وجودهم خطأ، ولكن ذلك كان يعود بشكل أساسي لفشلهم في تحقيق المثل العليا التي زعموها.