في مشهد يعيد تعريف مفهوم "الموت البطيء"، يرفع مرضى السكري في قطاع غزة أصواتًا لا يسمعها العالم، بين طفل لا يتجاوز الـ10 من عمره يُحقن بأنسولين منتهي الصلاحية لأنّ البديل هو الموت، وأم عجوز تترقب بتر قدمها في مستشفى لا يملك غرف عمليات معقّمة، تتكشف يوميًا واحدة من أشد الكوارث الإنسانية صمتًا في القطاع المحاصر، خلف الأرقام التي تتحدث عن 80 ألف مريض سكري، هناك قصص لا تُروى، وأرواح تتهاوى وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، ونقص حاد في الأنسولين، وإغلاق مستمر للمعابر منذ أشهر.
ترصد منصة "المشهد" يوميات العذاب الصامت لمرضى السكري في غزة، من خلال شهادات حية ونماذج إنسانية تعكس حجم الكارثة، الطفل سمير لا يتجاوز عمره الـ8، يجلس على أرضية خيمة من القماش في أحد مخيمات النزوح بغزة، والدته تُمسك بإبرة الأنسولين بيد مرتجفة تنظر إلى تاريخ انتهاء الصلاحية المدون على العبوة، وتقول لـ"المشهد"، "لقد انتهى منذ 3 أشهر، لكنها لا تملك خيارًا آخر، تدفع الإبرة في جسد طفلها النحيل، وتدعو الله ألا يكون هذا الحقن هو الذي ينهي حياته بدلًا من أن ينقذها".
الحكاية التالية هي واحدة من آلاف الحكايات التي لا تروى خلف جدران المستشفيات المنهارة في غزة، إنها قصة أبو رائد (58) عامًا، يرقد على سرير في مستشفى مكتظ، قدمه اليمنى تتحول إلى اللون الأسود بسبب الغرغرينا، الطبيب أخبره أنّ البتر ضروري، لكنّ غرفة العمليات مشغولة بحالات أكثر إلحاحًا، والمضادات الحيوية شبه منعدمة، بنبرة حزينة يقول لـ"المشهد"، "أنتظر لكي أفقد قدمي، أو لربما أخسر حياتي حتى يصلني دوري في العملية الجراحية".
هذه ليست مشاهد من فيلم وثائقي عن حرب أو مجاعة، بل واقع يومي يعيشه اليوم نحو 80 ألف مريض سكري في قطاع غزة، بينهم 2,500 طفل على الأقل، وفق أحدث تقديرات وزارة الصحة الفلسطينية، إنها أزمة إنسانية عصيبة، تتسارع وتيرتها وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، ونقص حاد في الأنسولين بلغت نسبته سبعون بالمئة من الأدوية الأساسية، في ظل مواصلة إسرائيل إغلاق المعابر منذ أشهر، ومنعها لدخول أبسط المستلزمات الطبية.
انهيار المنظومة العلاجية ونفاد الدواء
وصرح المدير العام للمستشفيات في قطاع غزة د. محمد زقوت لمنصة "المشهد"، أنّ مستشفيات قطاع غزة تعيش أزمة غير مسبوقة في توفير العلاج لمرضى السكري، مؤكدًا أنّ "معظم أدوية مرض السكري الأساسية نفدت بالكامل من المستودعات المركزية، في حين وصلت المستلزمات الطبية مثل شرائط قياس السكر والمحاليل الوريدية إلى مستوى صفر بالمئة، فيما يفقد الأنسولين المخزّن في درجات الحرارة المرتفعة قدرته العلاجية، بسبب انقطاع التيار الكهربائي المستمر".
في السياق ذاته، أشار د. زقوت خلال حديثه لـ"المشهد"، بأنّ "أزمة أدوية السكري بدأت منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب، وتصاعدت بفعل صعوبة حفظ الأنسولين في ظل غياب الثلاجات وانقطاع الكهرباء، ونزوح المرضى من مناطقهم، ونأسف للقول إنّ بعض المرضى يضطرون لاستخدام كميات من الأنسولين غير مخزنة بشكل آمن، وهذا يتسبب بمشاكل صحية واضطربات في مستويات السكر لديهم".
وحذر المدير العام للمستشفيات في قطاع غزة زقوت خلال حديثه لـ"المشهد"، من أنّ "نقص الأنسولين في قطاع غزة وصل إلى مرحلة خطيرة، وانقطاع جرعات المرضى أصبح يؤدي إلى مضاعفات حادة خلال أيام قليلة، حيث يضطر المرضى للتنقل بين مناطق عدة بحثًا عن العلاج، فكميات الأدوية المتوافرة شحيحة بل معدومة".
معاناة وأوجاع المرضى
وتتحول معاناة مرضى السكري في غزة إلى مآس يومية ترويها شهادات حية، بين خيم النزوح وما تبقّى من المستشفيات، في مجمّع ناصر الطبي، بخان يونس، يستقبل قسم الطوارئ يوميًا أطفالًا تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عامًا، يعانون من ارتفاع مستوى سكر في الدم بـ4 أضعاف المعدل الطبيعي، وكثيرون يصلون في غيبوبة سكري كاملة.
وتروي والدة الطفل قصي لمنصة "المشهد"، معاناة طفلها ووجعه، "أخشى عليه من الموت في أيّ لحظة، حيث توقّف عن تلقّي الأنسولين منذ أسابيع بفعل أزمة الأدوية وعدم توافرها في غزة"، وتبكي على طفلها الذي حُرم من المدرسة واللعب مع أصدقائه بفعل وضعه الصحي المتردي.
أما كبار السن، فالمعاناة أشد، يُسرق البصر من المسن أبو خالد يومًا بعد يوم، بسبب مضاعفات السكري التي كان يمكن السيطرة عليها بحقنة بسيطة، لكنّ الحرب والحصار أتيا على كل شيء، بصوت يرتجف من الألم يقول لـ"المشهد": "لا أرى أمامي سوى ظلال رمادية، كل شيء ضبابي".
وفي مشهد لا يقل قسوة، الشابة فرح تعيش مع السكري منذ 5 سنوات، تحكي لـ"المشهد" بمرارة، "أخاف أن يأتي يوم لا أستطيع فيه حتى الصراخ طلبًا للمساعدة، وتقول إنها تعتمد على قلم أنسولين واحد منذ أشهر، وتستخدمه بتقنين شديد، وتضيف: "لا أعرف مستوى السكر في دمي إلا عندما تبدأ الأعراض في الظهور، فشرائط قياس السكر لم تعد متوافرة أصلًا".
مستقبل مجهول لمرضى السكري
في ظل هذا الانهيار الصحي، يؤكد رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في غزة، أمجد الشوا لمنصة "المشهد"، بأنّ "ما يحدث في غزة ليس مجرد أزمة عابرة، بل تدمير ممنهج للقدرة على تقديم الرعاية الصحية الأولية لملايين الفلسطينيين، فمع استمرار الحصار، واستمرار الانهيار، لا يبدو أنّ هناك بارقة أمل قريبة لمرضى السكري، الذين يُتركون وحدهم يواجهون الموت، بلا علاج ولا دواء، فالمنظومة الصحية في غزة تنزف يومًا بعد يوم، يبدو مستقبل مرضى السكري معلقًا في مهب الريح، مع نقص حاد في الأدوية، وانهيار شبه كامل للمستشفيات، وإغلاق مستمر للمعابر".
وأوضح المسؤول الإغاثي الشوا، أنّ "الأدوية الأساسية للأمراض المزمنة، وخصوصًا السكري، وصلت إلى مستويات متدنية جدًا، وبلغت نسبة النقص نحو 70%، ولكنّ الأسوأ لم يأتِ بعد، نحن نحذر من أنّ الصيف سيشهد كارثة صحية غير مسبوقة، حيث تتعطل آلاف الأجهزة الطبية اللازمة لمرضى السكري بسبب نقص قطع الغيار، فضلًا عن تلف عشرات الآلاف من أقلام الأنسولين بسبب الحرارة وانقطاع الكهرباء".