كشفت تقارير متزايدة خلال اليومين الماضيين، عن تحركات ميدانية لمجموعات كردية إيرانية مسلحة على الحدود مع العراق، في تطور قد يفتح جبهة جديدة ضد طهران، في ظل التصعيد المتواصل بين إيران من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى.
وكان مسؤولون أميركيون وإسرائيليون قد أكدوا أنّ مئات المقاتلين الأكراد بدأوا نشاطًا ميدانيًا داخل الأراضي الإيرانية، انطلاقًا من مناطق قريبة من الحدود العراقية. وتُعد هذه الجماعات من أبرز حركات المعارضة المسلحة للنظام الإيراني، إذ تتمركز قواعدها الرئيسية في إقليم كردستان العراق حيث تنشط آلاف العناصر الكردية الإيرانية.
وفي وقت، شدد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، على أنّ طهران ستصدّ أيّ تحرك لجماعات انفصالية، هل يمكن أن تتحول التحركات الكردية إلى جبهة عسكرية حقيقية داخل إيران؟ أم إنّ هذه التحركات ستظل عمليات محدودة لن تغيّر موازين القوى داخل إيران؟

قصف إيراني للسليمانية
وبحسب ما أفادت به مصادر كردية لـ"المشهد"، تستعد هذه القوات منذ أيام لتنفيذ عمليات داخل غرب إيران، بهدف الضغط على القوات الأمنية الإيرانية وتشتيت انتشارها على جبهات عدة، في محاولة لاستنزاف قدراتها العسكرية في ظل التوترات الإقليمية الحالية.
ويقول مدير المركز الكردي للدراسات نواف خليل، إنّ البيان الصادر عن ائتلاف القوى الكردية الـ5، وهي الأحزاب الرئيسية التي تملك أجنحة عسكرية، يدعو صراحة إلى إسقاط النظام الإيراني وحق تقرير مصير الشعب الكردي، في المقابل عملية البدء بتحرير مناطق الأكراد، تحتاج إلى استعدادات أكبر وربما المزيد من الضربات التي تطال النظام في المناطق الكردية، مؤكدًا أنّ الكرد جزء (أكثر من 100 ألف متر مربع) من الجغرافيا الإيرانية الكبيرة جدًا، التي تبلغ مليون و600 ألف متر مربع، و"حتى اذا تم تحرير كل الجغرافيا الكردية، فذلك لن يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني".
وفي تطور ميداني لافت، أعلن مقر خاتم الأنبياء التابع للقوات المسلحة الإيرانية، أنه استهدف مقرات لمجموعات كردية معارضة لإيران داخل إقليم كردستان العراق بـ3 صواريخ. كما أفادت وكالة فارس، بأنّ القصف طال مقرات لما وصفتها طهران بـ"الأحزاب الانفصالية" في مدينة السليمانية، ما أدى إلى اندلاع حرائق في بعض المواقع المستهدفة.
وهنا يلفت نواف خليل في حديث لـ"المشهد"، إلى أنّ النظام الإيراني سيستخدم كل آلياته الإجرامية ضد الكرد عمومًا وليس الأحزاب الكردية فقط. "يعني أنّ النظام الإيراني صنّف الأحزاب الكردية الـ5 كأحزاب إرهابية، وشنت وسائل إعلامه حملة كبيرة عليها"، بحسب قوله.
ويوضح المصدر ذاته، أنّ الأحزاب الكردية تمتلك من الخبرة والتجربة، ما يجعلها متأنية وتقوم بالخطوات في المكان المناسب. وربما يكون لبعض الأسلحة دور وتأثير في المعركة، خصوصًا الأسلحة المضادة للطائرات، لأنّ النظام الإيراني لن يتوانى عن استخدامها ضد الكرد أو ضد أيّ مكوّن آخر "يريد أن يتحرر من سلطته وإجرامه".
هجوم كردي في إيران
وفي وقت سابق، نقل موقع أكسيوس عن مسؤول أميركي قوله، إنّ مجموعات كردية نفذت بالفعل هجومًا داخل الأراضي الإيرانية، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول حجم قوتها أو أهدافها. كما نقلت قناة فوكس نيوز عن مسؤول أميركي رفيع، أنّ آلاف المقاتلين الأكراد قدِموا من العراق، وبدأوا عملية برية داخل إيران، وهو ما قد يشكل جبهة ضغط إضافية على طهران من خاصرتها الغربية، إذا تأكد الخبر.
وفي السياق ذاته، ذكرت نيويورك تايمز أنّ الجماعات الكردية الإيرانية، تقوم حاليًا بإعداد وحدات مسلحة لعبور الحدود نحو إيران، في حين تحدثت مصادر عراقية وقادة أكراد، عن احتمال فتح جبهة جديدة في الصراع. كما أشارت الصحيفة إلى أنّ وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، زودت هذه الجماعات في السابق بأسلحة خفيفة ضمن برنامج سري، يهدف إلى زعزعة استقرار إيران، وهي جهود بدأت قبل اندلاع الحرب الحالية.
في المقابل، نفت طهران بشكل قاطع وقوع أيّ تسلل أو عمليات عسكرية عبر الحدود مع إقليم كردستان العراق. ونقلت وكالة "تسنيم" عن مصدر أمني قوله، إنّ الأمن على الحدود مع العراق مستتب بالكامل، مؤكدًا أنّ القوات الإيرانية تسيطر على الوضع في المناطق الحدودية.

قدرات أكراد إيران
الخبير في الشؤون الإيرانية وجدان عبد الرحمان، يعتبر أنّ الأكراد يمتلكون إمكانات حقيقية قد تمكّنهم من التأثير في ميزان القوى داخل إيران، وذلك نظرًا لجملة من العوامل الجغرافية والتنظيمية والسياسية:
- فمن الناحية الجغرافية، ينتشر الأكراد في مناطق تمتد من شمال غرب إيران إلى جنوب غربها، على طول سلسلة من الجبال الوعرة التي توفر لهم بيئة طبيعية مناسبة للحركة والمناورة العسكرية، فضلًا عن كونها ملاذًا طبيعيًا يحمي قواتهم ويمنحهم قدْرًا من العمق الدفاعي.
- من الناحية التنظيمية، يتمتع الأكراد بتاريخ طويل من العمل السياسي والتنظيمي يمتد لما يقارب 8 عقود. وخلال هذه الفترة تشكلت لديهم أحزاب سياسية ذات خبرة وتجربة في العمل السياسي والعسكري.
- كما يمتلكون قوات عسكرية معروفة باسم البيشمركة، اكتسبت خبرة واسعة من خلال مشاركتها في معارك متعددة على مدى عقود.
"غير أنّ نشاط قوات البيشمركة الكردية في إيران، تراجع منذ تسعينيات القرن الماضي، نتيجة الضغوط التي تعرضت لها، وقيود العمق الإستراتيجي الذي كانت تعتمد عليه"، بحسب عبد الرحمان.
انطلاقًا من هذه المعطيات، يؤكد عبد الرحمان أنّ الأكراد يمتلكون القدرة على التأثير في ميزان القوى داخل إيران، بل وربما لعب دور مهم في إضعاف النظام الإيراني. وقد جعلت هذه الإمكانات الأكراد محل اهتمام القوى الدولية في مراحل مختلفة؛ إذ كانت روسيا في فترات سابقة تنظر إليهم كعامل مؤثر، بينما يظهر اليوم اهتمام غربي، بما في ذلك من قبل أميركا.
من هم أكراد إيران؟
ويقدّر عدد الأكراد في إيران بما بين 8 و10 ملايين شخص، أي نحو 10% من سكان البلاد، وما يقارب ربع مجموع الأكراد في الشرق الأوسط، البالغ عددهم نحو 40 مليونًا. ويتمركزون أساسًا في شمال غرب إيران، وخصوصًا في محافظات كردستان وأذربيجان الغربية وكرمنشاه وإيلام. ويطلق الأكراد على هذه المناطق اسم روجَهلات، أي كردستان الشرقية.
على مدى عقود، حرمت الحكومات الإيرانية المتعاقبة الأكراد من حقوقهم الأساسية، وقمعت بشدة أيّ معارضة كردية. ولهذا السبب كان أكراد إيران في طليعة الحركات المناهضة للنظام، وكذلك الحركة القومية الكردية منذ ما يقرب من قرن.
أول كيان كردي في المنطقة كان جمهورية كردستان في مهاباد عام 1946، لكنها لم تعمّر طويلًا. كما شارك الأكراد في الانتفاضة ضد الشاه في أواخر سبعينيات القرن الماضي، ثم واصلوا المطالبة بالحكم الذاتي بعد قيام الجمهورية الإسلامية، خصوصًا بعدما جرى تهميش تيارات ثورية أخرى كانت جزءًا من تلك الثورة.
وفي عام 2014، عندما هاجم تنظيم داعش مناطق كردية في العراق وسوريا، انضم أكراد إيران إلى القتال إلى جانب الأكراد هناك، من كركوك إلى كوباني. وفي عام 2022، أدى مقتل الشابة الكردية مهسا أميني على يد "شرطة الأخلاق" الإيرانية، إلى اندلاع احتجاجات واسعة تحولت إلى انتفاضة وطنية.
الأكراد وإسقاط النظام الإيراني
وتوجد اليوم أحزاب كردية عدة معارضة مؤثرة. وقد خاضت هذه الأحزاب حملات مسلحة متقطعة ضد الدولة الإيرانية، وتنشط سياسيًا داخل إيران بشكل سري، وفي الخارج بشكل علني.
وتتمثل أبرز هذه الأحزاب:
- الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI) الذي تأسس عام 1945، وكان القوة المؤسسة لجمهورية مهاباد.
- الحزب الديمقراطي الكردستاني – إيران (PDK-I) الذي انشق عن الحزب الأول قبل أن يتوحد معه مجددًا عام 2022.
- حزب كومالا الذي تأسس عام 1969 على يد مجموعة من الطلاب الجامعيين.
- حزب الحرية الكردستاني (PAK) الذي تأسس عام 1991.
- حزب الحياة الحرة في كردستان (PJAK) الذي أسسه حزب العمال الكردستاني (PKK) عام 2004.

وتطالب جميع هذه الأحزاب بإسقاط الجمهورية الإسلامية. غير أنّ أهدافها السياسية تختلف، فبعضها يدعو إلى حقوق قومية للأكراد ضمن إيران ديمقراطية علمانية وفدرالية، بينما يطالب حزب الحرية الكردستاني بإقامة دولة كردية مستقلة.
وقد خاضت هذه الأحزاب صراعات مسلحة مع الدولة الإيرانية في مراحل مختلفة. كما اكتسب كثير من مقاتليها خبرات قتالية إضافية خلال الحرب ضد تنظيم داعش، إلى جانب قوات البيشمركة العراقية ووحدات حماية الشعب الكردية في سوريا.
وفي عام 2023، بدأت إيران والعراق وحكومة إقليم كردستان التعاون لنزع سلاح الأحزاب الكردية الإيرانية وإبعادها عن الحدود بين البلدين. أما مع اندلاع المواجهة الأولى بين إيران وإسرائيل، فقد أعادت الأحزاب الكردية المعارضة تأكيد دعوتها لإسقاط النظام الإيراني. وقد حمّلت أحزاب عدة، بينها PDKI وكومالا وPAK وPJAK، السياسات الإيرانية المسؤولية عن اندلاع الحرب.
لكنّ مواقفها من الضربات الإسرائيلية لم تكن موحدة، إذ أعلن حزب الحرية الكردستاني دعمه للهجمات الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية، في حين أدان حزب PJAK الطرفين بسبب ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين.
كردستان العراق وإقليم الأهواز
ويُنظر إلى الأكراد عمومًا، على أنهم أكثر مكونات المعارضة الإيرانية تنظيمًا. وفي حال استمرار الحرب لفترة طويلة، قد يسعون إلى حماية مناطقهم وإدارة شؤونها المحلية. لكن هناك عوامل عدة قد تدفعهم إلى الحذر.
وهو ما يتفق معه الخبير في الشؤون الإيرانية والناشط السياسي وجدان عبد الرحمان، الذي يرى أنّ أيّ تحرك كردي واسع داخل إيران، يبقى مرهونًا بتوافر جملة من الضمانات السياسية والأمنية. "فالأكراد في إيران يتأثرون بدرجة كبيرة بالتطورات في إقليم كردستان العراق، وخصوصًا في مدينتي السليمانية وأربيل، اللتين وفرتا في مراحل مختلفة ملاذًا للقوى الكردية الإيرانية".
ويتوقع عبد الرحمان أنه في حال حدوث تحرك كردي واسع داخل إيران، قد تتزامن معه تحركات في مناطق أخرى تعاني توترات قومية أو سياسية، وهو ما قد يزيد من الضغوط على النظام الإيراني. ومن بين هذه المناطق إقليم الأهواز (عربستان إيران)، الذي يتمتع بأهمية إستراتيجية كبيرة بسبب ثرواته الطبيعية الهائلة من النفط والغاز والمياه، إضافة إلى الأراضي الزراعية الواسعة.
ويشرح الناشط السياسي أنه إذا افترضنا تحركًا متزامنًا في 3 مناطق رئيسية هي: كردستان، والأهواز، وبلوشستان في شرق إيران، فإنّ ذلك قد يشكل ضغطًا مركّبًا على النظام الإيراني، موضحًا أنّ "جزءًا كبيرًا من مخازن السلاح والبنية العسكرية والأمنية الإيرانية في هذه المناطق، تعرضت للتدمير، لذا فقدرة النظام الإيراني على السيطرة الأمنية قد تتراجع بشكل كبير".
"إنّ أكثر شعوب المنطقة استعدادًا وتوقًا للحرية، واستعدادًا لتقديم التضحيات العظيمة في سبيل حريتها، هي الشعوب الإيرانية: الكرد والفرس والأذريون والعديد من القوميات الموجودة داخل الجغرافيا الإيرانية قبل مقتل خامنئي، والآن أيضًا"، يختم مدير المركز الكردي للدراسات نواف خليل حديثه.